ملخص
على رغم أن الحفريات لم تثبت أي وجود يهودي تاريخي في مسجد "النبي صموئيل"، بل أكدت وجود معالم إسلامية، جرى تحويل أجزاء كبيرة من المقام إلى كنيس يهودي وبسطت إسرائيل سيطرتها على 3.5 مليون متر مربع من أراضي القرية المحيطة بالمكان عام 1995 بذريعة إنشاء "حديقة قومية".
على قمة تلة استراتيجية ترتفع نحو 885 متراً فوق سطح البحر لا تبعد من القدس سوى ستة كيلومترات، يتربع مسجد "النبي صموئيل" بمعالمه المعمارية التاريخية التي تعود إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، ويضم ضريحاً يعتقد المسلمون أنه يضم رفات "النبي صموئيل"، وظل عقوداً مقصداً للمصلين والزوار من مختلف المناطق الفلسطينية، إلا أن السلطات الإسرائيلية ومنذ احتلال الضفة الغربية عام 1967 كان لها رأي آخر.
بحسب الروايات التوراتية، يعتقد اليهود أن التل يضم ضريح آخر قضاة بني إسرائيل، الذي ورد ذكره في "العهد القديم" ويعد المكان مقدساً ووجهة للحج والتعبد. ومن هنا دأبت إسرائيل على استخدام هذه الرواية ميدانياً وسياسياً لفرض السيطرة على الموقع تدريجاً، ولم تكتف عام 1971 بهدم معظم بيوت القرية الفلسطينية المحيطة بالضريح بذريعة "الحفاظ على الآثار"، وتهجير مئات السكان، بل عملت عام 1991 على تنفيذ عمليات تنقيب أثرية واسعة.
وعلى رغم أن الحفريات لم تثبت أي وجود يهودي تاريخي، بل أكدت وجود معالم إسلامية، جرى تحويل أجزاء كبيرة من المقام إلى كنيس يهودي وبسطت سيطرتها على 3.5 مليون متر مربع من أراضي القرية المحيطة بالمكان عام 1995 بذريعة إنشاء "حديقة قومية"، حيث جرى استخدام سطح المسجد ومحيطه من قبل الجيش كبرج للمراقبة ومركز للأنشطة العسكرية والفعاليات التهويدية، وقلصت المساحات المخصصة لصلاة المسلمين تدريجاً لتقتصر على قاعة صغيرة جداً، وفرضت حصاراً وعزلة تامة على القرية.
وإلى جانب بناء جدار الضم والتوسع من جهات عدة، يمنع أهلها من الوصول إلى القدس أو الضفة إلا بتصاريح معقدة، ويمنع إدخال مواد البناء أو حتى التوسع في الزراعة. وعلى رغم تشبث أهالي القرية بتلك المساحة والمواظبة على زيارة الموقع لأداء الصلاة وبعض الطقوس، جاء قرار إسرائيلي جديد حرمهم حتى الاقتراب من المكان. وبذريعة "التطوير" أعلن جهاز الإدارة المدنية الإسرائيلية قبل أيام مصادرة 110 آلاف متر مربع من الأراضي، التابعة لبلدتي بيت إكسا والنبي صموئيل الفلسطينيتين شمال غربي القدس بما يغطي المنطقة التي يقع فيها مسجد "النبي صموئيل" التاريخي، لمصلحة مشروع تطويري "للحفاظ على الموقع الأثري لمقام النبي صموئيل للمنفعة العامة".
ضم فعلي
ووفقاً للإدارة العامة لحماية التراث الثقافي بوزارة السياحة والآثار فقد رفع المستوطنون والجيش من وتيرة الاعتداءات على المواقع الأثرية الفلسطينية بالضفة الغربية من نحو 48 اعتداء عام 2023 إلى 224 اعتداء عام 2024، وسجل عام 2025 تنفيذ 184 اعتداء إسرائيلياً على المواقع الأثرية.
ومنذ يناير (كانون الثاني) 2023 اتخذت إسرائيل قرارات عدة لتوسيع صلاحيات سلطة الآثار الإسرائيلية بما يمكنها من السيطرة على عشرات المواقع الأثرية داخل الضفة الغربية، مما مهد الطريق بحسب محللين لإحكام القبضة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، ولا سيما تلك الواقعة في المناطق المصنفة "ج".
هذا ويسعى عدد من أعضاء حزب "الليكود" للضغط على الكنيست الإسرائيلي لسن قوانين وتشريعات إضافية لتوسيع مسؤولية سلطة الآثار الإسرائيلية لتشمل جميع مناطق الضفة بما فيها "أ" و"ب". ويرى مراقبون أن هذا القرار يهدف إلى تكريس السيطرة الكاملة على المقام، وفصله تماماً عن إدارة الأوقاف الإسلامية، وتحويله إلى "موقع أثري يهودي" خالص بقوة السلاح، وذلك ضمن مخطط لربط المستوطنات المحيطة بالقدس بحزام استيطاني متصل يفرغ المنطقة من وجودها الفلسطيني.
يقول المتخصص في شؤون الخرائط والحدود والاستيطان خليل التفكجي، إن "الخطوة تمثل عملية ضم فعلية، تستخدمها السلطات الإسرائيلية لتهجير الفلسطينيين قسراً، تمهيداً لبناء مشاريع إسرائيلية"، وهو ما أكده عضو المجلس البلدي للقرية رمزي بركات بقوله إن السلطات الإسرائيلية "تمنع سكان البلدة من البناء بحجة تصنيفها كأراض خضراء إسرائيلية"، مشيراً إلى أن تقلص مساحة القرية من 4.6 مليون متر مربع إلى مليون متر مربع فحسب، أدى إلى هجرة السكان حتى وصل عددهم حالياً 250 نسمة فقط.
تاريخ طويل
ويعيد قرار الإدارة المدنية الجديد تجاه مسجد "النبي صموئيل" إلى الواجهة تاريخاً طويلاً من الاستيلاء على المساجد الفلسطينية، فمنذ عام 1948 تعرضت مئات المساجد للاستهداف، سواء بالهدم الكلي أو الجزئي أو التحويل عن غايتها الدينية، فقد جرى تحويل بعض المساجد إلى خمارات وملاهٍ ليلية كـ"مسجد قيسارية" الأموي في مدينة قيسارية الفلسطينية التي تقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، الذي حول إلى مرقص ليلي يعرض حفلات غنائية تتخللها مسابقات خاصة لاختيار أجود أنواع الخمور. وتمنع الشركة الإسرائيلية المسؤولة عن المكان، المسلمين داخل الأراضي عام 1948 من إقامة الصلاة حتى بمحاذاة المسجد، وتتعامل معه كصرح تاريخي لا مكان إسلامي مقدس.
وواجه "الجامع الأحمر" في مدينة صفد الساحلية الذي كان مدرسة مهمة للفقه والحديث والعلوم في العصر المملوكي المصير ذاته، وبعد النكبة عام 1948، جرى تحويله لمدرسة دينية يهودية ومركزاً لحزب "الليكود" و"كاديما" ومن ثم حول إلى متجر ومخزن للملابس، إلى أن قررت بلدية صفد الإسرائيلية تحويله إلى نادٍ ليلي وخمارة وقاعة أفراح، وجرى تغيير تسميته من "المسجد الأحمر" إلى "الخان الأحمر".
وحولت "المسجد اليونسي" في المدينة ذاتها الذي بني عام 1902 إلى معرض للفنون والتماثيل النحاسية والرسومات، إلا أنها لم تتمكن من إزالة مخطوطات عربية رخامية مثبتة على أحد جدرانه نحت عليها عبارة "هذا مسجد الله سطع نوره، مثل الكواكب في سماء المجد".
في حين حولت البلدية "جامع الغار" إلى كنيس يهودي، أما مسجد "بنات حامد" فيستخدم اليوم مركزاً ليهود المجر، بينما أبقت على "جامع الصواوين" مهجوراً ومدمراً. ولم ينج مسجد "عين الزيتون" القريب من صفد من التحولات، فبعد عام 1948 حول طابقه الأرضي إلى حظيرة حيوانات، بينما أصبح طابقه العلوي مخزناً، وجرى تحويل "مسجد البحري" العثماني الذي بني على ضفة بحيرة طبريا إلى متحف، و"مسجد عين حوض" إلى مطعم واستخدم لأغراض سياحية وترفيهية، وتحول "مسجد العفولة" و"مسجد أبو هريرة" في يبنا ضمن قضاء الرملة إلى كنس يهودية، بينما جرى هدم "مسجد صرفند" قضاء حيفا عام 2000، وتحول "مسجد الليجون" إلى ورشة نجارة ومن قبل إغلاقه.
سلطة التراث
إلى جانب ذلك، طاولت اليد الإسرائيلية عدداً من المساجد والمقامات التاريخية داخل الضفة الغربية وحولتها إلى كنس أو مراكز دينية يهودية، عبر تحريف تاريخ الموقع أو الادعاء بقدسيته لدى اليهود، فالحرم الإبراهيمي في الخليل وبعد مجزرة عام 1994، جرى تقسيمه مكانياً وزمانياً واقتطاع جزء كبير منه لمصلحة المستوطنين وتحويله إلى كنيس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتركت كثير من المساجد من دون ترميم حتى أصبحت مهجورة أو معرضة للانهيار، بينما هدمت مساجد أخرى بالكامل بحجة "التطوير العمراني" أو "الحفريات الأثرية" أو "الحدائق القومية"، وفي حالات أخرى بمدينة القدس، جرى تحويل أوقاف ومعالم إسلامية إلى مراحيض عامة أو مراكز شرطة ضمن مشاريع التهويد المحيطة بالمسجد الأقصى.
وفي خطوة هي الأولى من نوعها، صادق الكنيست الإسرائيلي خلال مايو (أيار) الماضي بالقراءة الأولى، على مشروع قانون إنشاء "سلطة تراث يهودا والسامرة"، الذي يقوم على نقل صلاحيات ملف الآثار من الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي بالضفة الغربية، إلى هيئة إسرائيلية مدنية تتبع لوزارة التراث الإسرائيلية وتملك صلاحيات واسعة تشمل الحفريات والتنقيب الأثري، وإدارة وتشغيل المواقع الأثرية مع الرقابة على أعمال التنقيب وفرض إجراءات مراقبة ميدانية، تشمل شراء الأراضي أو مصادرتها بحجة "الحفظ والتطوير". ووفق مشروع القانون فإن الحكومة الإسرائيلية هي من ستمول الهيئة الجديدة إما من موازنة الإيرادات الخاصة أو التبرعات، فيما قدرت وزارة المالية الإسرائيلية كلفة المشروع بنحو 10 ملايين دولار.