ملخص
من بين أبرز القطع التي تخضع حالياً لإشعارات بحث دولية ثلاثة قطع أثرية تونسية، هي تمثال روماني صغير يعرف باسم "كيوبيد الجالس على دلفين" أو "كيوبيد يمتطي الدلفين"، ومنحوتة لرأس آلهة من الرخام الأبيض، إضافة إلى صفحة مزخرفة من المصحف الشريف تعود إلى القرن العاشر الميلادي.
في خطوة وصفت بالمهمة، تسعى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) إلى الإسهام في استعادة عدد من القطع الأثرية التونسية المفقودة، عبر إدراجها ضمن المتحف الافتراضي للممتلكات الثقافية المسروقة، الذي أطلقته المنظمة عام 2025.
ومن بين أبرز القطع التي تخضع حالياً لإشعارات بحث دولية ثلاث قطع أثرية تونسية، هي تمثال روماني صغير يعرف باسم "كيوبيد الجالس على دلفين" أو "كيوبيد يمتطي الدلفين"، ومنحوتة لرأس آلهة من الرخام الأبيض، إضافة إلى صفحة مزخرفة من المصحف الشريف تعود إلى القرن العاشر الميلادي.
تعرض هذه القطع على المنصة الرقمية التي طورتها "اليونيسكو" بالتعاون مع منظمة الشرطة الجنائية الدولية "الإنتربول"، بهدف تسهيل التعرف إلى الممتلكات الثقافية المسروقة واستعادتها.
وأعلنت المنظمة عن إطلاق المنصة بلغات عدة لتوسيع نطاق استخدامها في دول العالم، مشيرة إلى أن عدد زيارات صفحات المنصة تجاوز منذ إطلاقها نحو مليوني زائر.
وتشهد تونس نشاط عصابات متخصصة في التنقيب غير القانوني عن الآثار وسرقتها، مما يشكل تهديداً للتراث الثقافي والتاريخي للبلاد، فهل تنجح "اليونيسكو" بمتحفها الافتراضي في إعادة آثار تونس؟
متحف افتراضي
اكتشف تمثال "كيوبيد الجالس على دلفين" خلال حفريات بين عامي 2002 و2004 قرب أحد المعابد الرومانية. ويبلغ ارتفاع التمثال تسعة سنتيمترات، وهو منحوت من الرخام الأبيض ويصور طفلاً يمتطي دلفيناً، ويرجع تاريخ القطعة إلى الفترة الرومانية الممتدة بين 146 قبل الميلاد و439 بعد الميلاد.
كذا تضم قائمة القطع المفقودة منحوتة "رأس إلهة" تم اكتشافها عام 1998 قرب مبنى الكابيتول في الموقع الأثري بدقة، وهي قطعة رخامية يبلغ ارتفاعها نحو 20 سنتيمتراً، وتعد نموذجاً لفن النحت الروماني في شمال أفريقيا على رغم تعرض جزء منها للتلف.
أما صفحة المصحف المزخرفة فتعود إلى مكتبة الجامع الكبير بالقيروان، وتتميز بكتابتها بالخط الكوفي الملون بألوان عدة وزخارف مذهبة تفصل بين الآيات، ويرجح أنها تعود إلى القرن العاشر الميلادي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول محافظ رئيس التراث والمكلف الإشراف على قسم المحجوزات بالمعهد الوطني للتراث ياسر جراد، لـ"اندبندنت عربية" إن "المتحف الافتراضي للقطع الأثرية المسروقة" التابع لـ"اليونيسكو" مرتبط باتفاق المنظمة لعام 1970 والخاص بالتدابير الواجب اتخاذها لمنع الاستيراد والتصدير والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، ويهدف إلى توثيق وعرض القطع الأثرية المنهوبة أو المفقودة التي يتم تداولها بطرق غير قانونية.
وأشار جراد إلى أن "اليونيسكو" طلبت من الدول الأعضاء المشاركين في الاتفاق ترشيح عدد من القطع الأثرية وفق شروط معينة، من بينها أن تكون القطعة موثقة ومعروفة لدى "اليونيسكو"، وأن تكون من القطع المفقودة أو المنهوبة التي لا يعرف مكانها الحالي.
وأوضح أن الهدف من المشروع تسهيل التعرف إلى هذه القطع في حال ظهرت في المزادات أو عند عبورها عبر الديوانة، أو حتى إذا شاهدها أي شخص في أي مكان بالعالم، بما يساعد على استرجاعها بسهولة أكبر.
وذكر أن "المتحف الافتراضي يحقق انتشاراً عالمياً كبيراً، إذ يسجل ملايين المشاهدات سنوياً، مما يسهم في نشر الوعي بالتراث المنهوب والتعريف بهذه القطع الأثرية"، مؤكداً أن "هذه القطع لها قيمة تاريخية وأثرية كبيرة بالنسبة إلى تونس، لأنها تمثل جزءاً من التراث الوطني، وبعضها قد يظهر أحياناً في التجارة العالمية أو المزادات الدولية، لذلك فإن التوثيق والتعريف بها يساعدان على تتبعها واسترجاعها".
وأوضح جراد أن تونس تبذل جهوداً بالتعاون مع "اليونيسكو" من أجل حماية التراث الوطني ومقاومة نهب الآثار والاتجار غير المشروع بها، مضيفاً أن مسألة القطع الأثرية الموجودة ضمن ملفات "اليونيسكو" تعتبر من القضايا الأسهل نسبياً، لأن هذه القطع معروفة وموثقة على أنها تونسية، لذا إذا ظهرت في مزاد أو دراسة أو معرض يمكن لتونس المطالبة باسترجاعها وامتلاك الحجج القانونية لذلك.
دبلوماسية ثقافية
لكنه أشار إلى أن المشكلة الحقيقية والأكبر تتعلق بالقطع التي خرجت من تونس منذ فترات قديمة، بخاصة خلال الحقبة الاستعمارية، أو حتى قبلها خلال العهد العثماني، إضافة إلى القطع التي تم تهريبها نتيجة حفريات سرية وغير قانونية.
وبين أن الإشكال في هذه الحالات هو صعوبة إثبات ملكية القطع، إذ تطلب الجهات الدولية أو حائزو القطع أدلة تثبت أنها تونسية الأصل، فعلى رغم معرفة المتخصصين بأنها تنتمي إلى التراث التونسي فإن غياب التوثيق أو الصور أو سجلات الاكتشاف يجعل عملية الاسترجاع معقدة.
وأضاف أن بعض الجهات قد تدعي أن القطعة ليست تونسية، بخاصة أن الحضارات التي تعاقبت على المنطقة كانت مشتركة مع بلدان أخرى في حوض المتوسط، مثل الجزائر أو إيطاليا، وهو ما يجعل التشابه في القطع الأثرية قائماً.
وأشار إلى أن الجهود الحالية تتركز أساساً على جرد القطع الموجودة داخل المخازن والمتاحف التونسية وتوثيقها، حتى لا تتكرر عمليات السرقة أو الضياع مستقبلاً، مؤكداً أن هذا العمل يعد جزءاً أساساً من حماية التراث الوطني.
ولدى سؤاله عما إذا كانت هناك جهود دبلوماسية تونسية لاسترجاع هذه القطع، بخاصة من المؤسسات والمتاحف الأجنبية، أكد أن تونس تعمل فعلاً على هذا الملف مستفيدة من القوانين الجديدة، خصوصاً القانون الفرنسي الذي ينص على أحقية الدول التي نهبت آثارها خلال الفترات الاستعمارية بطرق غير شرعية في المطالبة باسترجاعها.
وأشار إلى أن تونس تسعى حالياً إلى استغلال هذا الإطار القانوني من أجل المطالبة باستعادة القطع التي ثبت أصلها التونسي بصورة واضحة، بدل الدخول في نزاعات طويلة حول جميع القطع غير الموثقة.
وأضاف أن السلطات التونسية تعمل بالتنسيق مع المندوبية التونسية لدى "اليونيسكو" والسفير التونسي في فرنسا من أجل متابعة الملفات المتعلقة بالقطع الموجودة هناك، مشيراً إلى أن تونس نجحت بالفعل خلال الفترة الماضية في استرجاع بعض القطع الأثرية الموجودة في فرنسا وإعادتها إلى البلاد.
وأكد أن "ست قطع أثرية في الأقل أعيدت أخيراً من فرنسا إلى تونس"، معتبراً ذلك خطوة إيجابية ضمن جهود استرجاع التراث الوطني المنهوب.
إجراءات معقدة
وحول أبرز الصعوبات التي تواجه تونس في استرجاع آثارها المنهوبة، أوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الدول أو الجهات التي توجد لديها هذه القطع غالباً لا ترغب في إعادتها، وتتحجج أحياناً بأن قوانينها الداخلية لا تسمح بذلك.
ولتبسيط الفكرة، قدم مثالاً بقطع أثرية يونانية موجودة في بريطانيا تم أخذها خلال فترة الحكم العثماني لليونان. وأشار إلى أن بريطانيا لا تستطيع إنكار الأصل اليوناني لهذه القطع، ومع ذلك فإن اليونان تطالب باسترجاعها منذ نحو 40 عاماً، وترفع سنوياً دعاوى ومطالبات رسمية من أجل إعادتها.
وأوضح أن الرد البريطاني المتكرر يتمثل في أن القضية تخضع لقوانين خاصة أو لإجراءات قانونية معقدة وليس فقط لقرار سياسي مباشر، على رغم الاعتراف بأن القطع يونانية الأصل.
وأضاف أن تغيير القوانين الوطنية يمكن أن يسهل عمليات الاسترجاع، كما حدث أخيراً في فرنسا، إذ تم تعديل بعض القوانين المتعلقة بإرجاع الممتلكات الثقافية المنهوبة خلال الفترات الاستعمارية، وهو ما تعتبره تونس فرصة مهمة للتحرك بصورة أكبر لاستعادة جزء من تراثها الموجود بالخارج.
وأشار إلى أن العامل السياسي يبقى أساساً في هذا الملف، مستشهداً بما حدث مع ليبيا خلال فترة حكم معمر القذافي، حين أسهمت العلاقات السياسية مع إيطاليا في استرجاع بعض القطع والتماثيل الأثرية الليبية. واعتبر أن استعادة الآثار لا تعتمد فقط على القانون، بل أيضاً على الإرادة السياسية والعلاقات الدبلوماسية والثقافية بين الدول.
وأضاف أن غالب القطع الأثرية التونسية الموجودة بالخارج تتوزع أساساً بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة، مرجحاً أن فرنسا تضم العدد الأكبر منها، مبيناً أن هذا القسم يتولى معاينة القطع الأثرية المحجوزة أو المسروقة التي يتم ضبطها من قبل الأجهزة الأمنية أو الديوانة، والتثبت من طبيعتها وقيمتها الأثرية.
تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، وفي إطار مجهودات المعهد الوطني للتراث في استرجاع القطع الأثرية التي تم تصديرها بصفة وقتية خلال التسعينيات بموقع قرطاج، تمكن المعهد بالتنسيق مع الجهات المعنية من استرجاع 105 قطع نقدية نحاسية، و105 قطع لبقايا قناديل من الفخار مستخرجة من حفريات البعثة الكندية بقرطاج بين عامي 1994 و1999، وقد تم حفظها بمخازن الموقع الأثري بقرطاج.