Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المراهنات الإلكترونية... "قنبلة إدمان" تهدد الأسرة المصرية

تقديرات بانخراط 17 مليون مصري في مواقع وتطبيقات تسبب الإدمان وتؤدي لجرائم قتل ووقائع انتحار... وتكليفات رئاسية للحكومة بالتعامل مع الظاهرة وسط غياب تشريع يحدها

الوقوع في دائرة إدمان تطبيقات المراهنات لا يكون بالصدفة، بل نتاج تخطيط مصممي منصات المراهنة الإلكترونية لمخاطبة دوافع نفسية مدروسة (أ ف ب)

ملخص

تتعدد عوامل الجذب التي تستخدمها مواقع المراهنات، بداية من الأموال التي توضع مجاناً في حساب المستخدم لدى التسجيل للمرة الأولى، ثم المؤثرات البصرية والصوتية والرسائل التي تخاطب اهتمامات الشخصية، إضافة إلى الاستعانة بالنجوم والمشاهير والمؤثرين لزيادة الثقة في المنصة، ما يدفع المستخدم في النهاية للانخراط في الرهان.

في أحد شوارع منطقة الطوابق بحي الهرم (غرب) بدا إعلان معلق لبيع شقة سكنية غريباً، إذ تضمن الرغبة في سرعة البيع بسعر مغرٍ. وحقيقة الأمر أن الدافع لم يكن السفر كالعادة، بل حاجة مالكها "علي حسين" للمال بسرعة لإنقاذ نجله طارق من السجن، بعدما تراكمت عليه الديون إثر انغماسه في أحد تطبيقات المراهنات.

قصة الشاب العشريني تتشابه مع وقائع أخرى كثيرة في مصر أخيراً، إذ تحولت المراهنات الإلكترونية إلى أزمة تشغل كثيراً من الأسر، بما تسببه من تداعيات على المراهن ومن حوله، تبدأ بإصابته بالاكتئاب والقلق وتمتد إلى أزمات مالية وتفكك أسري، والتحول إلى إدمان المخدرات أحياناً، وقد تصل إلى ارتكاب جرائم قتل.

طارق الذي تخرج في الجامعة قبل أشهر، بدأ قبل عامين المراهنة على نتائج مباريات كرة القدم في الدوريات الأوروبية الكبرى، على سبيل التجربة بعد مشاهدته إعلاناً تضمن الحصول على رصيد مجاني عند تحميل تطبيق شهير عالمياً في هذا المجال. وبعد عدة مكاسب مغرية اعتاد طارق المراهنة بأرقام أكبر على مباريات أكثر، ليس فقط في الدوريات الكبرى بعالم كرة القدم بل أيضاً دوريات غير مشهورة وألعاب أخرى، وتحولت اللعبة إلى الشاغل الأول له على حساب دراسته، إذ رسب في عدة مواد ما أخَّر تخرجه في كلية التجارة.

ودفع هوس طارق بالمراهنة إلى الاقتراض من أصدقائه ثم أقاربه فجيرانه، إلى أن فوجئ والده بعدة أشخاص من المنطقة يطالبونه بما يزيد على 400 ألف جنيه (نحو 7500 دولار)، اقترضها نجله على فترات، مع توقيع إيصالات أمانة بمبالغ أكبر ضماناً لالتزامه بالسداد، ولم يجد الموظف الحكومي حلاً سوى بيع الشقة السكنية التي يملكها، باعتباره الأصل الوحيد الذي يملكه، والانتقال بعد ذلك إلى شقة مستأجرة تفادياً لحبس أكبر أبنائه.

انتشار واسع

لا توجد إحصاءات رسمية حول عدد مستخدمي مواقع وتطبيقات المراهنات الإلكترونية، إلا أن رئيس لجنة الاتصالات بمجلس النواب أحمد بدوي قال عبر تصريحات تلفزيونية في فبراير (شباط) الماضي إن تطبيق واحد للمراهنات يشترك به 17 مليون مصري، وتصل مكاسبه إلى نحو 50 مليون دولار كل ثلاثة أشهر من مشتركيه المصريين وحدهم، مما يعطي لمحة عن تفشي الظاهرة.

وذكرت دراسة بعنوان "وعي الشباب بالمراهنات الإلكترونية وأخطارها على القيم"، نُشرت في مجلة كلية التربية بجامعة عين شمس، للمدرس بالكلية لبنى محمد، أن مصر تحتل المركز الخامس عالمياً في قطاع المراهنات الإلكترونية الذي يشهد نمواً متسارعاً على مستوى العالم، إذ ذكر التقرير العالمي للمراهنات الإلكترونية على الألعاب الرياضية زيادة نسبة المشاركين بنسبة 12 في المئة سنوياً، وذلك بين عامي 2022 و2024.

 

أرقام الانتشار الواسع لتلك المنصات استدعت اهتماماً من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، إذ ذكر بيان لرئاسة الحكومة أن اجتماعاً وزارياً مصغراً عقد في أبريل (نيسان) الماضي، لبحث الإجراءات التنفيذية للتعامل مع تكليفات الرئيس في شأن "المعالجة التشريعية والتنظيمية لظاهرة المراهنات الإلكترونية وكيفية التصدي لها، وكذا تزييف العملات عبر الألعاب الإلكترونية والإجراءات اللازمة لتنظيم وتقنين أنشطة الشركات العاملة في هذا المجال، فضلاً عن الإدمان الرقمي وآليات حماية النشء والشباب في البيئة الرقمية"، واعتبر البيان أن هذا الملف ينعكس بصورة مباشرة على "الأمن القومي".

في جلسة ليلية معتادة بأحد مقاهي مدينة بنها بمحافظة القليوبية، استجاب "مازن يوسف" لمقترح أصدقائه بتجربة الرهان في أحد مواقع القمار الإلكتروني على سبيل التسلية، جذبته "اللعبة" الأولى إلى مطلع الفجر دون أن يدري بخسارة نحو 500 جنيه اكتسبها من عمله سائق "توك توك" خلال يوم شاق.

على مدار الأيام التالية داوم الشاب على المراهنة، يفوز أحياناً فيشعر بسعادة موقتة إلى أن تنتهي اللعبة بخسارته لأمواله. كذلك تسببت المراهنة في تحويل حياة الزوج والأب لطفلة إلى مأساة، من حياة زوجية واجتماعية سعيدة ومستقرة إلى أزمات عدة بعد تنصله من واجباته والتزاماته المالية تجاههما، وافتعاله الدائم للمشكلات مع زوجته بسبب سوء حالته النفسية.

رحلة الاكتئاب

بعد أشهر من إدمان المراهنة، اكتشفت الزوجة الأزمة بملاحظتها تركيز زوجها في هاتفه لساعات وعصبيته الشديدة طوال الوقت، وعندما واجهته صارحها بالأمر. توجه الزوجان إلى مركز حكومي لعلاج الإدمان وبعد أشهر من المتابعة تعافى مازن وعاد إلى عمله، إلا أن وجوده خارج المنزل فترات طويلة وحيازته للأموال من عمله على "التوك توك" مهدا لانتكاسة جديدة، بعدما تمكن المرض منه فأصبح أكثر إدماناً على المراهنة، ودفعه الاكتئاب إلى تعاطي المواد المخدرات والاستدانة من الجميع بمبررات كاذبة، ليقرر مرة أخرى اللجوء إلى طبيب نفسي خاص.

رحلة علاج جديدة شملت تناول أدوية مضادة للاكتئاب والمنع من استخدام الهواتف المتصلة بالإنترنت لفترة وصلت إلى ستة أشهر، وبعد التعافي عاد الشاب إلى عمله مع مراقبة عائلية جماعية خوفاً من انتكاسة جديدة.

إدمان المقامرة

أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر صفاء حمودة ترى أن ألعاب المراهنات تعد نوعاً من "المقامرة" التي تجذب الأشخاص الذين تتسم شخصياتهم بـ"الاندفاعية الشديدة" ممن يريدون ممارسة أنشطة جديدة بغرض الإثارة دون التحكم في نزعاتهم.

أوضحت لـ"اندبندنت عربية" أن أولى خطوات جذب الأشخاص من طريق إعلانات ضاغطة ومكثفة للعبة، بالتالي يعتادها الشخص ويسعى إلى التجربة، فضلاً عن تأثير إعلانات مؤثري الألعاب الإلكترونية وهم الأكثر موثوقية لدى الشباب. وقالت إن وجود ألعاب المراهنات على الإنترنت سهل الوصول إليها وزاد عدد المقبلين عليها.

ولفتت إلى أن عيادات علاج الإدمان تشهد منذ عامين تزايد إقبال مدمني المراهنات الإلكترونية، مشيرة إلى أنه خلال الفترة الأخيرة هناك حالات لأشخاص خسروا كثيراً من المال في المقامرة، إضافة لأخطار تعرضهم للسجن بسبب حصولهم على أموال من تطبيقات التمويل الاستهلاكي والامتناع عن السداد.

وذكرت أن العلاج من إدمان المراهنات الإلكترونية يرتبط أولاً برغبة المريض في التعافي والتزامه بالعلاج النفسي وابتعاده من الهواتف والألعاب خلال فترة العلاج، على غرار منع الوصول إلى المواد المخدرة عند علاج مدمني المخدرات.

فخ تصميم المواقع

الوقوع في دائرة إدمان تلك المواقع لا يكون بالصدفة، بل نتاج تخطيط مصممي منصات المراهنة الإلكترونية لمخاطبة دوافع نفسية مدروسة، بحسب الأكاديمية في الطب النفسي، التي أوضحت أن الأمر يتخطى مجرد لعبة إلى "بيزنس ضخم"، يعتمد على تصميم قائم على إغراء المستخدمين بأموال أو ما تسمى "مكافأة ترحيبية"، ثم التدرج في إتاحة فرص المكسب إلى أن يدخل المستخدم في فخ الإدمان وتبدأ سلسلة الخسائر، لكنه يستمر في المراهنة لتعويض خسائره.

ويوضح خبير أمن المعلومات محمد عسكر أن التصميم التقني لتلك المواقع يوضَع وفق معايير نفسية لتنمية دوافع استخدامها لأطول فترة ممكنة. وقال لـ"اندبندنت عربية" إن الخوارزميات تُبرمج بناءً على بيانات المستخدمين التي تجمعها المنصات المختلفة، ثم تستخدم مواقع وتطبيقات المراهنات البيانات لدراسة السلوكات وتخصيص أنماط مراهنة تتواءم مع اهتمامات وطبيعة شخصية كل شخص.

وأشار إلى تعدد عوامل الجذب التي تستخدمها المواقع، بداية من الأموال التي توضع مجاناً في حساب المستخدم لدى التسجيل للمرة الأولى، ثم المؤثرات البصرية والصوتية والرسائل التي تخاطب اهتمامات الشخصية، إضافة إلى الاستعانة بالنجوم والمشاهير والمؤثرين لزيادة الثقة في المنصة.

دائرة الديون

دخول أحمد مرسي إلى عالم المراهنات جاء من خلال إعلان لموقع مراهنات شهير خلال متابعة مباراة فريقه في إحدى البطولات الأفريقية التي يرعاها التطبيق، إذ كان دخوله بدافع الفضول بداية رحلة إدمان، فشل في التعافي منها حتى الآن.

في البداية، اعتاد الشاب الثلاثيني المراهنة في بعض المباريات المضمونة بعد نهاية عمله في مركز خدمة العملاء (كول سنتر) بإحدى شركات الاتصالات، تاركاً عمله الإضافي ليلاً على سيارته بأحد تطبيقات النقل الذكي، ورويداً رويداً أدمن اللعب والسهر حتى مطلع الفجر.

نزف الخسائر دفع الأب لطفلين إلى استخدام "تحويشة عمره" للمراهنة في محاولة لتعويض خسائره، لكنه فقدها في لحظة من "سوء الحظ"، إلى أن تعرض الشاب للفصل من عمله بعدما أهمل في مواعيده وساءت علاقاته الاجتماعية، فقرر العمل صباحاً على سيارته للإنفاق على المراهنة ليلاً، والتي لم تقتصر على المباريات الرياضية بل امتدت إلى ألعاب الكازينو.

مع مرور الوقت، أصيب أحمد بالاكتئاب نتيجة الخسائر المتتالية وضغوط أسرته لدفعه إلى التوقف عن المراهنة، فلجأ إلى تعاطي المواد المخدرة للهرب من أزماته في ظل فشله في الإنفاق على أسرته وملاحقة الدائنين، مما جعله مطارداً ينتظر السجن بين لحظة وأخرى.

جرائم وانتحار

لكن مصير أحمد كان أفضل من آخرين، إذ منحته الحياة فرصة للتعافي، بينما انتحر آخرون أو ارتكبوا جرائم نتيجة لإدمان القمار الإلكتروني. وذكرت صحف محلية في يناير (كانون الثاني) الماضي أن طالباً (19 سنة) انتحر في منطقة منشأة القناطر الريفية بمحافظة الجيزة، بعد خسارته 350 ألف جنيه في أحد تطبيقات المراهنات، وتراكم الديون التي اقترضها من المحيطين للمقامرة. وشهد عام 2024 واقعة مأسوية في القاهرة، بعدما قُتلت جدة (84 سنة) على يد حفيدها (16 سنة) إثر اكتشافها سرقته لأموالها، واعترف في التحقيقات أنه لجأ للسرقة بعد خسارة كل أمواله واقتراضه مبالغ لإنفاقها في المراهنات.

تكرار تلك الوقائع دفع أجهزة الدولة في مصر إلى التحرك عبر حجب مواقع المراهنات. وبحسب تصريحات صحافية لرئيس لجنة الاتصالات بمجلس النواب، جرى حجب 70 موقعاً خلال الأسابيع الأخيرة.

"الحجب ليس حلاً"

لكن المواجهة بالحجب لا تكون ناجعة بالصورة الكافية، إذ أشار خبير أمن المعلومات محمد عسكر إلى أن مواقع المراهنات لديها آليات لتجاوز محاولات الحجب، فضلاً عن ظهورها بأسماء ونطاقات مختلفة حال حجبها، إضافة إلى لجوء المستخدمين إلى الـVPN لتجاوز المواقع المحجوبة.

 

وطالب عسكر بأن يتضمن أي تعديل تشريعي لمواجهة الظاهرة قيوداً على الإعلانات عن تلك المنصات وحظر مشاركة المشاهير في الترويج لها، وإلزام المنصات بالتأكد من استخدامها من قبل أشخاص تخطوا سن الرشد قانوناً، إلى جانب إضافة حدود للإيداع المالي اليومي أو الشهري في المواقع، مع محاولة رصد حركة الأموال عبر المحافظ الإلكترونية والحسابات البنكية بالتعاون بين القطاع المصرفي ووزارة الاتصالات. إلا أن المتخصص في تقنية المعلومات يستبعد وجود حل نهائي للمشكلة سواء بالحظر في ظل إمكانية تجاوزه أو تحويل الأموال بالعملات المشفرة، منوهاً بأهمية التوعية بأخطار استخدام تلك المنصات.

وفي مطلع مايو (أيار) الجاري أعلن رئيس لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب محمد مجاهد، في بيان، العمل على التواصل مع الوزارات والجهات المعنية لإعداد مشروع قانون يجرم المقامرة الإلكترونية، ويسن عقوبات رادعة على المشاركين بها، محذراً من زيادة الانتشار في فترة كأس العالم لكرة القدم خلال يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) المقبلين.

وصرح رئيس لجنة الاتصالات بمجلس النواب النائب أحمد بدوي أخيراً بأن البرلمان في طريقه لمناقشة تعديلات على قانون تقنية المعلومات، لإضافة عقوبة الحبس لمدة تصل إلى سبعة أعوام، وغرامة تبلغ 500 ألف جنيه (9340 دولاراً) لكل من أنشأ تطبيقاً مخالفاً يستخدم في الجرائم الإلكترونية، مع تشديد العقوبات على مسهلي المراهنات والقائمين على تطبيقات النصب الإلكتروني.

لكن وكيل اللجنة النائبة مها عبدالناصر قالت لـ"اندبندنت عربية" إنها ليست على علم بوجود تعديلات تشريعية مطروحة على البرلمان، مؤكدة أنها ترى أن الحل ليس بحجب المواقع الذي من السهل التحايل عليه، إنما بتوعية الشباب بأخطار المراهنات الإلكترونية.

التوعية بالمخاطر

كذلك، استبعدت عضو مجلس النواب أميرة فؤاد رزق أن يكون الحجب حلاً للمشكلة، موضحة أنه من الأفضل التوعية بأخطار الألعاب الرقمية سواء القانونية أو النفسية أو الاجتماعية، إضافة لفتح حوار مع الشباب والطلاب وتفعيل دور المتخصص النفسي في المدارس وتفريع طاقتهم في الأنشطة، إضافة إلى دور المسجد والكنيسة في توضيح خطورة المراهنات.

كان مركز الأزهر للفتوى قد حذر من أن توقع النتائج وعدد الأهداف وغيرها من الألعاب تعد ضمن القمار المحرم شرعاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتشبه البرلمانية (رزق) وهي بالأساس متخصصة في علاج الإدمان، ظاهرة إدمان "ألعاب القمار" بإدمان المواد المخدرة، قائلة إنها تسبب مشكلات أسرية كبيرة وتنتهي باكتئاب المريض وتحوله إلى شخص غير منتج في مجتمعه، مشيرة إلى أنه خلال العامين الأخيرين لوحظ ارتفاع عدد مرضى إدمان المراهنات الرقمية.

ولفتت إلى استجابة الدولة لطلب إحاطة قدمته في وقت سابق بتخصيص عيادات نفسية لعلاج إدمان المقامرة الإلكترونية، لكن يجب زيادتها لاستيعاب عدد المرضى المرتفع.

وأشارت إلى أن العلاج يكمن في منع المريض من الأموال والهاتف وعرضه على متخصص لتعديل السلوك. وأوضحت أن الظاهرة تطاول الشباب والفتيات أيضاً بسبب استعداد في شخصية المدمن للانحراف السلوكي الذي يتضمن إدمان المخدرات أو الجنس أو المراهنات الرقمية، لذا يجب خضوع أي مريض لعلاج نفسي في مراكز تأهيل متخصصة لعلاج الإدمان.

كانت وزارة الصحة أعلنت خلال فبراير (شباط) الماضي تشغيل عيادات نفسية حكومية "لعلاج سوء استخدام وإدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية"، وتدريب كوادر طبية للتعامل مع تلك الحالات.

الفقر أحد الأسباب

وتعد دراسة أجراها الأستاذ بكلية الخدمة الاجتماعية في جامعة أسيوط جابر فوزي العام الماضي، أن ظاهرة المراهنة الإلكترونية تشكل خطراً على استقرار وأمن المجتمع لأنها تهدد باستبدال قيم العمل الجاد بفكرة الربح السهل.

 

فيما يربط المتخصص في علم الاجتماع في الجامعة الأميركية بالقاهرة سعيد صادق انتشار المراهنات الإلكترونية بعوامل عدة اجتماعية واقتصادية، في مقدمها ارتفاع معدلات الفقر وتزايد الرغبة في "المكسب السريع"، إلى جانب سهولة الوصول لها عبر مواقع الإنترنت.

وقال صادق لـ"اندبندنت عربية" إن طبيعة الحياة حالياً تتمثل في "جزر رقمية منعزلة" للأفراد، بما يسهم في تفاقم المشكلة وتسهيل وصول هذه المواقع إلى المستخدمين. وأشار إلى أن انشغال الأسر بالعمل طوال اليوم يقلل قدرتهم على متابعة الأبناء، مما يترك فراغاً رقمياً وسلوكياً لدى الشباب.

خطر على الاقتصاد

الانتشار الواسع لاستخدام تطبيقات المراهنة الإلكترونية تنظر إليه الدولة باعتباره ليس فقط تهديداً للمواطنين بل خطراً على الاقتصاد القومي، إذ ذكرت هيئة الرقابة الإدارية أن أموال المراهنات يجري تحويلها باستخدام "محافظ إلكترونية بأسماء وهمية وعملات مشفرة وفي صورة عملات أجنبية إلى الخارج، بما يضر بالاقتصاد القومي"، وذلك عبر بيان أصدرته في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، للإعلان عن اعتقال "تشكيل عصابي" داخل عدد من المحافظات "تخصص في استقطاب الشباب للمشاركة في المراهنات غير المشروعة عبر المواقع الإلكترونية المتخصصة، التي تُدار من خارج مصر".

ووفق تقديرات مساعد وزير الداخلية لأمن المعلومات سابقاً اللواء محمود الرشيدي، فقد أنفق المصريون نحو 1.2 مليار دولار خلال عام 2023، بحسب تصريحات سابقة لـ"اندبندنت عربية.

وذكر بيان حكومي قبل أيام أن وزارة الشباب والرياضة تنسق مع البنك المركزي المصري لاتخاذ الإجراءات اللازمة في شأن متابعة ورقابة التعاملات المرتبطة بالمراهنات الرياضية.

فراغ تشريعي

وعلى رغم الاهتمام الشعبي والحكومي بالمراهنات الإلكترونية، فإن القانون المصري حتى الآن لم يتطرق إلى تلك الظاهرة، فقانون العقوبات المصري يجرم ألعاب القمار، لكن النص يتضمن وجود مكان لتلك الألعاب وعقاب من يعد ذلك المكان، وهو ما لا يتوافر في التطبيقات الإلكترونية. ويعد الرئيس السابق للجنة التشريعات والقوانين بوزارة الاتصالات محمد حجازي أن المنظومة التشريعية الحالية في مصر تواجه فراغاً تشريعياً، لأن النصوص القائمة لم تُصغ لتستوعب الطبيعة الإلكترونية أو الافتراضية العابرة للحدود لتطبيقات المراهنات، بالتالي فإن القانون بصورته الحالية يقف عاجزاً عن ملاحقة التطبيقات الإلكترونية، لأن الجريمة هنا تحدث في أجهزة خوادم (سيرفرات) خارج البلاد وهواتف محمولة في أيدي المستخدمين، ولا يوجد مكان مادي بالمعنى القانوني التقليدي، مما يفتح باب الدفع بعدم دستورية العقاب استناداً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانون، بحسب ما أوضح حجازي لـ"اندبندنت عربية".

وأضاف الرئيس السابق للجنة التشريعات والقوانين بوزارة الاتصالات أنه لسد هذه الثغرات القانونية يجب إدخال تعديلات على قانون العقوبات، ليضمن وضع تعريف قانوني جامع للمراهنات والقمار الإلكتروني، بما يتضمن المراهنات على الألعاب الرياضية وغير الرياضية، وعمليات الدفع من خلال المحافظ الإلكترونية أو العملات الرقمية بكل أنواعها.

وطالب بصياغة نصوص تعاقب من يستضيف أو يدير أي تطبيق أو موقع للمراهنات الإلكترونية داخل مصر، والتشديد على تجريم الوكلاء المحليين ومن يقومون بتسهيل الدفع عبر المحافظ الإلكترونية، إضافة إلى تجريم المؤثرين والمنصات التي تقوم بالإعلان والترويج لمثل هذه التطبيقات.  

التحويلات المالية

وللحد من التعاملات المالية على مواقع المراهنات، يرى حجازي أنه تجميد المحافظ الإلكترونية والبطاقات الائتمانية التي يُرصد فيها سلوك مالي مشبوه أو متصل بتلك التطبيقات أو المنصات، بما يسهم في تقليل الظاهرة والحد من أخطارها المالية.

ولا يقتصر سوق المراهنات الإلكترونية على المباريات الرياضية، إذ تحتل ألعاب الكازينو الصدارة بـ40 في المئة تليها المراهنات الرياضية بـ25 في المئة، وفق حديث وزير الشباب والرياضة جوهر نبيل في جلسة لمجلس الشيوخ في أبريل الماضي.

سرطان يضرب نزاهة الرياضة

لكن خطورة المراهنات الرياضية تتجاوز آثار إدمان مستخدميها، إذ تهدد نزاهة الرياضة وفق بيان لوزارة الشباب والرياضة.

وتؤكد عدة وقائع في الأعوام الأخيرة أن سرطان المراهنات ضرب بالفعل الكرة المصرية، ففي عام 2022 اكتشف المدير الفني لمركز شباب طامية، في دوري الدرجة الثانية المصري فؤاد سلامة أن بعض لاعبيه جندوا من جانب شركة مراهنات لـ"تفويت" مباراة لمصلحة فريق الألمنيوم مقابل 30 ألف جنيه.

كذلك، قال رئيس نادي دمياط في دوري القسم الثاني "ب"، الذي يعد ثالث درجات المنافسة بالكرة المصرية، إنه لاحظ خسارة فريقه خلال الموسم الماضي المباريات كافة بسيناريوهات غريبة، مثل تعمد الحصول على طرد أو لمس الكرة باليد عمداً، واكتشف أن ذلك يرجع إلى تورط 13 لاعباً بالفريق في المراهنات الإلكترونية، مشيراً في تصريحات هاتفية إلى أن سعر الحصول على بطاقة حمراء يصل إلى 15 ألف جنيه.

وأرجع المدير الفني السابق للنادي محمد الدبسي في تصريحات صحافية تورط لاعبي الدرجات الأدنى في ألعاب المراهنات إلى ضعف الرواتب، ونقص الاهتمام والموارد المادية للأندية في الدرجات الدنيا من الكرة المصرية.

مواجهة "التفويت"

إلا أن نجم الكرة المصرية وعضو اتحاد الكرة المصري المصري السابق مجدي عبدالغني قال لـ"اندبندنت عربية" إن عملية التلاعب بالمباريات تعود إلى ضمير اللاعب وأخلاقه، بعيداً من سوء الرواتب في "دوريات المظاليم".

وأكد أنه يجب على الجهات المتخصصة التدخل لمواجهة ظاهرة المراهنات ومن بينها التلاعب في نتائج المباريات لمصلحة "شبكات المراهنات"، مضيفاً أنه لمواجهة ظاهرة "تفويت المباريات" يجب اتباع السياسة الأوروبية بإشراك الشرطة في مراقبة عمليات التلاعب في المباريات ونتائجها واعتقال المشاركين فيها لمصلحة شبكات المراهنات بالخارج.

وقال نجم منتخب مصر السابق إنه نشر فيديو يحذر من خطورة المراهنات الرقمية، التي أصبحت خطراً على الشباب في ظل "استسهال المكسب"، داعياً إلى اشتراك النجوم والمشاهير في التوعية بأخطار المراهنات الرقمية وتأثيرها السلبي في حياتهم الاجتماعية والأسرية والوظيفية.

وعلى مدى العقدين الماضيين شهد قطاع الألعاب الإلكترونية، الذي يشمل المقامرة والمراهنات عبر الإنترنت، نمواً كبيراً. وبحسب موقع iGamingbusiness، بلغ إجمال الأرباح ما يقارب 139 مليار دولار في عام 2023، ومن المتوقع أن يصل إلى 266 مليار دولار بحلول عام 2030.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات