Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مكافحة الجريمة تبدأ من مكيف الهواء... لماذا تزيد الاعتداءات صيفا؟

الجهاز العصبي يصبح أكثر تحفزاً وترتفع وتيرة الغضب فتتسع دائرة العنف الذي يؤدي للجريمة والاحتباس الحراري ينذر بمعدلات كارثية

تغيرت طريقة تعامل الأشخاص مع المواقف، ومن ثم ازدادت حالات العدوان والاعتداء (أ ف ب)

ملخص

النشاط الإجرامي المرتبط بارتفاع درجة الحرارة، مثبت علمياً، ولكن الأمر يبدو قاتماً للغاية في ظل أن البشرية تنتظر كل عام صيفاً أكثر سخونة من سابقه تزامناً مع ظاهرة الاحتباس الحراري المتفاقمة، ولكن هل هذا يعني أن تقلبات الطقس على مدار العام يمكن أن تجلب معها نوعيات جرائم مختلفة؟، ما يسمى بالجرائم الموسمية.

يعيش العالم منذ سنوات كابوس الاحتباس الحراري، وهو أمر يشبه إعادة برمجة للمناخ وللعالم، فأصبحنا نشاهد درجات حرارة غير مسبوقة في دول كانت تتسم بالبرودة أو الاعتدال، فيما باتت المحيطات أكثر دفئاً، ظواهر الطقس المقلقة لا تزعج علماء المناخ فقط، ولكنها أيضاً تجعل أقسام الشرطة أكثر تأهباً، فيما ينشط علماء الجريمة أيضاً لاستكمال أبحاثهم حول العلاقة القوية بين ارتفاع درجات الحرارة ومعدلات الجريمة حول العالم.

فقد كان يُعتقد أن ارتكاب الجرائم متعلق بالبيئة المجتمعية والظروف الشخصية والعوامل الاقتصادية، لكن أثبتت الدراسات أن العوامل الخارجية مثل مدى جودة الطقس تؤثر بقوة في مؤشرات الغضب ودرجة الانفعال، مما يغير طريقة تعامل الأشخاص مع المواقف، ومن ثم تزداد حالات العدوان والاعتداء.

وأخيراً حذر برنامج الاتحاد الأوروبي لمراقبة الأرض وتغير المناخ من أن صيفي 2026 و2027 من المتوقع أن يشهدا ارتفاعات مقلقة في درجات الحرارة، وربما يشكلان ثاني وثالث أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق بعد عام 2024 بدرجات حرارته القياسية، وبالتالي من المتوقع أن ترتفع درجات الانفعال بوتيرة ضخمة، مما قد تنتج منه سلوكيات غير مأمونة العواقب، فتبدو مقاومة تأثيرات الحرارة هنا ضرورية لمحاولة الحد أيضاً من معدل الجريمة، إذ إن العلاقة بين الجانبين علاقة مباشرة ومثبتة علمياً وليست مجرد ترجيح!

مكافحة الجريمة تبدأ بالتهوية!

وعليه فإن سكان المناطق شديدة الحرارة، وبخاصة الأكثر فقراً ممن ليست لديهم وسائل لمكافحة الطقس الحار مثل أجهزة التكييف وتحمل نفقات الخروج للمسطحات المائية، يبدو وكأنهم يعيشون في قدر لا فكاك منه يجعل الجريمة عنواناً رئيسياً لمجتمعاتهم، إذ يمكن القول إن أولى مقاومة الجرائم في تلك المجتمعات يمكن أن تبدأ بخطوة بسيطة، وهي اللجوء لأجهزة التبريد والحفاظ على درجات حرارة معتدلة في أماكن المعيشة، وتجنب الخروج في أوقات الذروة لضمان عدم الاحتكاك بأشخاص آخرين مما يولد مشاحنات يتضاعف أثرها في النفس بسبب الطقس الخانق.

 الأمر ليس مزحة مبالغاً فيها أبداً، ففي دراسة أجريت في جامعة بوسطن الأميركية رصدت الفترة من 2010 وحتى 2019، وجد أن زيادة درجة الحرارة تؤثر بشكل مباشر في ارتفاع نسبة السلوك العدواني، وقد ارتفعت استقبالات الطوارئ بنسبة تقترب من العشرة في المئة في الأيام الأكثر حرارة بسبب تأثيرات الطقس السلبية على الصحة النفسية والعقلية للأشخاص.

وفي بحث نشر في مجلة Injury Epidemiology ـ "علم وبائيات الإصابات"، وجد أن عشر درجات ارتفاعاً في درجات الحرارة عن المعدلات المعتادة رفعت معدلات حوادث إطلاق النار بنسبة 34 في المئة بمدينة شيكاغو الأميركية في الفترة من عام 2012 وحتى 2016، ونفس النسبة تقريباً ارتفاعاً في جرائم القتل، وهي نسبة كبيرة للغاية، ومؤشر قوي على التأثيرات البالغة للطقس غير المريح على السلوك البشري.

الطقس الحار والعنف الأسري

يشرح الطبيب هشام ماجد، استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان، العلاقة الطردية بين معدلات الجريمة وارتفاع درجات الحرارة، مستشهداً بالدراسات العلمية التي أجريت على نطاق واسع وفي مناطق متفرقة من العالم، والتي تقر بأنه مع كل ارتفاع درجة واحدة في حرارة الطقس ترتفع معه معدلات الجريمة بنسبة 2 في المئة، بخاصة في ما يتعلق بجرائم العنف الأسري، ويتابع: "الشرح العلمي هنا يتعلق بأن درجات الحرارة العالية تقلل من نسبة هرمون السيروتونين الذي يُعرف بأنه من ضمن هرمونات السعادة، ولهذا تتضرر الحالة النفسية ويسوء المزاج، ويرتفع التوتر، وهي مؤشرات تؤدي عادة إلى العنف، كذلك السخونة في الجو ترفع تلقائياً هرمون الأدرينالين في الجسم وتجعل الشخص متحفزاً للشجار والقتال".

ويلفت أستاذ الطب النفسي إلى أن الأمر يبدو أكثر تعقيداً في المجتمعات الفقيرة، حيث يعيش جانب كبير من سكانها في بيوت غير جيدة التهوية ومن دون أجهزة لتكييف الهواء، مما يؤدي لاضطرابات في النوم فتنخفض جدواه وتقل ساعاته أو يصبح متقطعاً، مما يزيد من احتمالات الغضب الذي قد يترجم لعنف واعتداء على من هم في المحيط، وعادة يكونون من أفراد الأسرة أو الجيران الذين يحدث معهم احتكاك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اللافت أن تأثيرات البيئة الخارجية المحيطة على طبائع الشعوب بدأت إرهاصاته منذ أزمنة بعيدة، فعلى سبيل المثال أشار عالم الاجتماع العربي ابن خلدون الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي إلى أمر شبيه في مقدمته الشهيرة، إذ طرح فكرة مفادها أن الإنسان هو ابن بيئته تماماً، ولهذا من وجهة نظره فإن المناطق ذات المناخ المعتدل يميل أبناؤها إلى الاعتدال بشكل عام في سلوكياتهم وحتى في التعبير عن معتقداتهم الدينية والأخلاقية، بينما يرتبط المناخ القاسي المتطرف بالجرائم والانحرافات.

جدول الجرائم الموسمية

لكن بما أن الطقس بشكل عام يمر بأربع فصول في العام، ما بين الاعتدال والحرارة الشديدة والبرودة المحتملة والقاسية، فكيف يمكن أن ينعكس هذا على السلوك الإنساني؟ فهل هناك جرائم شتوية وأخرى صيفية؟ وهل معنى ذلك أن المواسم المعتدلة تضمن بيئة خالية من العنف أو على الأقل تجعله في أقل مستوى له؟

وفقاً لدراسة حملت عنوان "جرائم الفرصة أم جرائم العاطفة"، صدرت عن جامعة نورث كارولينا الأميركية عام 2004، استندت إلى بيانات موثقة من 8460 وحدة شرطة في الولايات المتحدة خلال الفترة من 1990 إلى 1992، خلصت بالفعل إلى أن المشاجرات والاعتداءات تزيد بشكل ملحوظ في فصل الصيف، إذ يميل الناس للخروج بحثاً عن نسمة هواء فتزيد فرص التعامل مع الآخرين والتعرض لهم، بينما جرائم السرقة تنشط بصورة ملحوظة في فترات الطقس المعتدل، وفي السياق نفسه يشير أستاذ واستشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان، الدكتور محمد محمود حمودة إلى أن حالات الانتحار تزيد في الطقس شديد البرودة بسبب سمات الاكتئاب المصاحبة لهذه الأجواء.

ويتابع استشاري الطب النفسي بالمجلس القومي للصحة النفسية والأستاذ بكلية الطب جامعة الأزهر قائلاً: "التقلبات الجوية تؤثر بشكل مباشر على الحالة المزاجية، ولهذا فإن المصابين بالاضطراب الوجداني ثنائي القطب يدخلون عادة في نوبات هوس واكتئاب في بدايات فصلي الربيع والخريف".

وفي ما يتعلق بالطقس الحار على وجه الخصوص يؤكد أستاذ الطب النفسي محمد حمودة أن نزعة العدوان تزيد بشكل تلقائي بسبب تأثيرات هذا الطقس المزعج، والذي يؤثر في الجهاز العصبي السمبثاوي مع ارتفاع مستويات الأدرينالين والكورتيزول، المرتبطين بالتصرفات العنيفة، لافتاً إلى أن للزحام تأثيرات مشابهة كثيراً، فكلما قلت المسافة بين الأشخاص عن 8 أمتار زاد تحفز الجهاز العصبي.

علم الجريمة وعلوم المناخ

يبدو واضحاً هنا أن قراءات علماء المناخ وخبراء الطقس للتوقعات القريبة والبعيدة تمثل إرشاداً مهماً للغاية لعلماء الجريمة ودارسي أنماط الاعتداءات والخروج عن القانون، كذلك فإن مكافحة الجريمة مهما كان حجمها يمكن أن تبدأ بالتحايل أولاً على حرارة الطقس، وإيجاد وسائل لتجنبها لكبح جماح الحنق والتحفز، وإطفاء نيران الغضب، بخاصة في ظل تزايد تأثيرات الاحتباس الحراري التي جعلت الصيف طويلاً وممتداً ويلتهم معظم شهور السنة، كذلك بات في معظم أنحاء الكرة الأرضية صيفاً ساخناً جداً بشكل غير معتاد.

وحذرت دراسة حملت عنوان "الجريمة والطقس والتغيرات المناخية"، نشرت عام 2012 في جامعة هارفارد الأميركية، امتدت على مدى 50 عاماً بدءاً من 1960 إلى 2009، واستندت إلى بيانات من نحو 3000 مقاطعة، من أن أمام الولايات المتحدة معدلات جريمة غير مسبوقة في التاريخ قد تصل لملايين الجرائم الإضافية ما بين السطو والقتل والاغتصاب في حال لم تُتخذ إجراءات جدية وسريعة تسهم في إبطاء مسار التغيرات المناخية أو عكس تأثيراتها.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات