Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مونديال 2026... المناخ اللاعب رقم واحد

أكثر من ربع مباريات البطولة مهددة بالوقوع تحت وطأة الإجهاد الشديد مما يترتب عليه تراجع حتمي في المؤشرات البدنية للمشاركين والإعياء الحراري

تصطدم طموحات صناعة الترفيه الكروي بجدار فيزيولوجي صلب تفرضه أزمة المناخ العالمية (أ ف ب)

ملخص

في المقارنة بين الماضي والحاضر، نجد 3 عقود فاصلة بين كأسي العالم على الأرض الأميركية، تخللتها قفزات في التغير المناخي، وتوسع في عدد الفرق وركام من التعقيدات اللوجيستية.

لطالما كانت كرة القدم، إضافة إلى المهارات التكتيكية الذكية، اختباراً بيولوجياً قاسياً لحدود التحمل البشري، إذ لا يقتصر الأمر على مقارعة الخصوم داخل المستطيل الأخضر، بل يمتد ليكون مواجهة صامتة مع ظروف الطبيعة وقسوتها، من الأوكسجين الشحيح في المرتفعات، إلى الرطوبة والحرارة الخانقة.

واليوم، يعيد التاريخ نفسه ليضع إرث المونديال أمام معضلة قديمة متجددة تتلخص في تساؤل جوهري: كيف تلعب كرة قدم حقيقية في أجواء أشبه بفرن مفتوح؟

وفي المقارنة بين الماضي والحاضر، نجد ثلاثة عقود فاصلة بين كأسي العالم على الأرض الأميركية، تخللتها قفزات في التغير المناخي، وتوسع في عدد الفرق وركام من التعقيدات اللوجيستية.

هذا الواقع الجديد يطرح حزمة من التساؤلات التي لم تجد إجابة قاطعة بعد: هل يمكن إقامة بطولة عالمية في صيف أميركا من دون أن يدفع اللاعبون ثمنها من صحتهم؟ فإذا كانت 52 مباراة كافية لكشف وطأة الحرارة على الأجساد وإنهاك اللاعبين في عام 1994، كيف ستكون الحال مع 104 مباريات في 2026؟

توسع جغرافي

بعد 32 عاماً، تعود الولايات المتحدة، ومعها المكسيك وكندا، لاستضافة كأس العالم في الفترة من 11 يونيو (حزيران) إلى 19 يوليو (تموز) 2026. لكن هذه البطولة تختلف جذرياً عن سابقتها، فقد توسعت قاعدة المشاركة إلى 48 منتخباً (كانت 24 في عام 1994)، وفرض هذا التوسع زيادة هائلة في عدد المباريات ليصل إلى 104 مباريات تُقام على مدار 39 يوماً مليئة بالإثارة والضغط البدني.

تتوزع هذه الملحمة الكروية على ثلاث مناطق جغرافية شاسعة، الغرب والوسط والشرق، وتقام على 16 ملعباً عالمياً، موزعة بين ثلاثة ملاعب في المكسيك وملعبين في كندا و11 ملعباً في الولايات المتحدة. هذا التوزيع الجغرافي الواسع يعني أن المنتخبات لن تواجه تحدي السفر وقطع آلاف الأميال بين المناطق الزمنية المختلفة فحسب، بل ستصطدم بتباين مناخي حاد، من درجات حرارة معتدلة نسبياً في المدن الشمالية والساحلية مثل فانكوفر وسياتل، إلى مستويات رطوبة خانقة في ميامي وهيوستن، وصولاً إلى حرارة حارقة في المناطق الجنوبية والداخلية في دالاس ومونتيري ومكسيكو سيتي.

هنا تصطدم طموحات صناعة الترفيه الكروي بجدار فيزيولوجي صلب تفرضه أزمة المناخ العالمية.

الخط الأحمر

تشير تحليلات منظمة إسناد الطقس العالمي (WWA)، وهي المرجع العلمي الدولي الرائد في قياس أثر تغير المناخ على الظواهر الجوية المتطرفة، في تقريرها الحديث، إلى أن الأنشطة البشرية رفعت شدة موجات الحرارة والرطوبة الحالية إلى ضعف ما كانت عليه قبل ثلاثة عقود.

ووفقاً لدراسة تطبيقية اعتمدت على مؤشر درجة حرارة البصيلة الرطبة الكروية (WBGT)، المقياس المعتمد دولياً لتقييم الإجهاد الحراري الفعلي على الجسم، فإن نحو 26 مباراة من أصل 104 تواجه احتمالية عالية جداً للعب في ظروف تتجاوز حدود السلامة الفيزيولوجية.

والأكثر دلالة، أن النمذجة المناخية الحديثة تظهر أن احتمالية تجاوز الحدود الآمنة التي يحددها الاتحاد الدولي للاعبي كرة القدم المحترفين "فيفبرو (FIFPRO) "، قد تضاعفت تقريباً مقارنة بمونديال 1994، إذ ارتفع متوسط درجات الحرارة العالمية بمقدار 0.7 درجة مئوية منذ ذلك الحين.

وبناء على هذه المعطيات، فإن أكثر من ربع مباريات البطولة مهددة بالوقوع تحت وطأة الإجهاد الحراري الشديد، مما يترتب عليه تراجع حتمي في المؤشرات البدنية للاعبين، وقفزة خطرة في معدلات الإصابات العضلية والإعياء الحراري.

لكن هذه الأرقام والتحذيرات ليست مجرد فرضيات مناخية، بل تستند إلى سابقة تاريخية موثقة في الذاكرة المونديالية.

ذاكرة 1994

واجهت بطولة 1994 ظروفاً مناخية قاسية وصفتها "أسوشيتد برس" حينها بأنها "حمام عرق حقيقي"، إذ أجبرت المنتخبات على اللعب تحت شمس الظهيرة الحارقة التي تجاوزت 45 درجة مئوية على أرضية الملعب، بل ووصلت في ملاعب كاليفورنيا إلى نحو 49 درجة مئوية.

حينها، شعر لاعبو ألمانيا وكوريا الجنوبية بحرارة الملعب تتخلّل أحذيتهم وكأن العشب يحرق أقدامهم، واضطر المدرب الإيرلندي جاك تشارلتون لصب الماء على لاعبيه من حافة الملعب، في حين تخلى حارس المرمى البلجيكي ميكائيل برودوم عن طقسه المعتاد بارتداء قميص ناديه القديم تحت القميص الرسمي، لأن الحرارة جعلت ذلك مستحيلاً.

سجِلت مباراة المكسيك وإيرلندا لاحقاً باعتبارها الأشد حرارة في تاريخ كأس العالم، وعانى المنتخب الألماني، حامل اللقب، بشدة بسبب ارتفاع متوسط عمر لاعبيه الذي ناهز 32 سنة.

ولم تقتصر المعاناة على المستطيل الأخضر، بل كانت أقسى على الجماهير في المدرجات المكشوفة، إذ عولج 160 متفرجاً في مباراة واحدة فقط في أورلاندو من الإجهاد الحراري، ونقل 12 شخصاً إلى المستشفى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مغامرة طبية

تحذر الدراسات الحديثة من أن 14 من أصل 16 ملعباً في البطولة الحالية قد تشهد مستويات حرارة خطرة تتجاوز عتبة 28 درجة مئوية بمؤشر (WBGT)، والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن خمس مباريات على الأقل قد تصل إلى مستويات تعتبرها نقابة اللاعبين غير آمنة بالكامل وتوصي بتأجيلها، بما في ذلك المباراة النهائية المقررة في نيويورك/نيوجيرسي، التي تواجه احتمالاً بنسبة 12 في المئة لتجاوز هذه العتبة الخطرة.

وفي سياق متصل، نشر البروفيسور مايك تيبتون، أحد أبرز المتخصصين عالمياً في دراسة تأثير البيئات القاسية على جسم الإنسان، تحليلاً أكد فيه أن "خوض مباريات كرة القدم في ملاعب مفتوحة مثل فيلادلفيا أو بوسطن في فترات بعد الظهيرة، يعد مغامرة طبية غير محسوبة. فاللاعب يفقد ما يقارب ليترين إلى ثلاثة ليترات من السوائل في الساعة، ومع عجز الجسم عن التبريد الذاتي بسبب الرطوبة، يرتفع خطر الإصابة بـ(ضربة الشمس الجهدية)، التي تُصنف كحالة طبية طارئة تهدد الحياة".

تدابير "الفيفا"

أقرت "الفيفا" والمدن المضيفة مجموعة من التدابير للتخفيف من حدة الخطر عبر "نموذج متدرج لتخفيف الحرارة " (Tiered Heat Mitigation Model)، وتشمل هذه الإجراءات إدخال استراحات تبريد إلزامية لمدة ثلاث دقائق في الدقيقتين 22 و67 من كل شوط، ليحصل اللاعبون على الماء والراحة، إلى جانب توفير مقاعد مكيفة للجهاز الفني. علاوة على ذلك، ستشرف فرق طقس متخصصة على مراقبة المؤشرات الحرارية آنياً لتطبيق خطط الطوارئ، التي قد تصل إلى تأجيل المباريات في الظروف القصوى.

أما لوجيستياً، فقد تمت جدولة المباريات النهارية في الملاعب المغلقة والمكيفة (مثل دالاس وأتلانتا)، بينما تُلعب مباريات الأماكن المفتوحة في فترات المساء الأكثر برودة. وبالنسبة للجماهير، ستتوفر مناطق مظللة ومرشات رذاذ مائي وحافلات مكيفة في مناطق المشجعين، مع السماح لهم بإدخال زجاجات مياه مختومة.

جدل علمي

على رغم هذه الجهود، يواجه المنظمون انتقادات حادة من الخبراء. ففي 13 مايو (أيار) الجاري، وجهت مجموعة من 20 عالماً وخبيراً دولياً في الصحة والمناخ رسالة مفتوحة إلى "الفيفا" وصفوا فيها الإجراءات الحالية بأنها غير كافية و"من المستحيل تبريرها" وتتعارض مع العلم الحديث.

وتمحورت الانتقادات حول نقطتين رئيستين، الأولى هي مدة استراحات التبريد، حيث يرى المتخصصون أن استراحة الثلاث دقائق غير كافية، ويجب تمديدها إلى خمس أو ست دقائق على الأقل لتسمح للجسم بخفض حرارته الداخلية فعلياً.

والنقطة الثانية هي عتبة تأجيل المباريات، إذ تطبق "الفيفا" معايير متساهلة جداً للاحتياطات الجادة، التي لا تبدأ إلا عند تجاوز مؤشر الحرارة 32 درجة مئوية، وهي العتبة ذاتها التي يمنع عندها العمال المهاجرون في بعض الدول من العمل في الأماكن المكشوفة، في حين يوصي اتحاد اللاعبين الدولي بالتأجيل أو الإلغاء الفوري بمجرد وصول المؤشر إلى 28 درجة مئوية. وقد وصف الموقعون على الرسالة هذا الفارق بأنه "غير قابل للتفسير".

علاوة على ذلك، يبرز ملف صحة الجماهير كخطر لا يحظى بالتقدير الكافي. فالتشجيع والانتقال في الأماكن المفتوحة يرفعان حرارة الجسم، والمشجعون في النهاية لا يملكون اللياقة البدنية الفائقة التي يمتلكها اللاعبون.

وفي المحصلة، إن مشكلة الحرارة في كأس العالم 2026 ليست جديدة ولا مفاجئة، لكن الجديد اليوم هو ضخامة حجم البطولة وحدة التغير المناخي وعدد الأجساد المعرضة للخطر تحت وهج الشمس.

"الفيفا تتحرك"، لكن الخبراء يرون أن خطواتها أبطأ من تسارع الخطر، والسؤال الذي سيجيب عنه الصيف المقبل ليس من سيرفع الكأس، بل هل حسبت البطولة الأضخم في التاريخ حساباً كافياً للشمس؟

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة