ملخص
بين ضغوط الحرب والانقسامات الأوروبية، يبدو أن القارة العجوز تدخل مرحلة جديدة في علاقتها مع إسرائيل، عنوانها الانتقال التدرجي من لغة التنديد السياسي إلى اختبار أدوات العقوبات والضغط المباشر، في مسار قد يعيد رسم ملامح الموقف الأوروبي من الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة.
في تصعيد دبلوماسي جديد بين باريس وتل أبيب، أعلنت فرنسا منع وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير من دخول أراضيها، على خلفية نشره مقطع فيديو أثار موجة استنكار واسعة، ظهر فيه ناشطون من "أسطول الصمود" المتضامن مع غزة وهم يتعرضون لمعاملة مهينة أثناء احتجازهم. وجاء القرار الفرنسي، الذي كشف عنه وزير الخارجية جان نويل بارو ليعكس تنامي التوتر في شأن تعامل الحكومة الإسرائيلية مع النشطاء الداعمين للقضية الفلسطينية.
وندد بارو بــ"تصرفات لا يمكن وصفها" في حق مواطنين فرنسيين وأوروبيين كانوا على متن "أسطول الصمود العالمي" الذي اعترضته إسرائيل قبالة سواحل قبرص واعتقلت ناشطيه قبل ترحيلهم. وطالبت إيطاليا وإسبانيا الخميس الماضي الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على بن غفير، فيما حضّ رئيس وزراء إيرلندا مايكل مارتن التكتل على اتخاذ "مزيد من الإجراءات" ضد إسرائيل.
ويطرح هذا التطور تساؤلات حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي مستعداً للانتقال من بيانات التنديد إلى إجراءات سياسية ودبلوماسية أكثر صرامة، وما إذا كانت باريس قادرة على دفع العواصم الأوروبية نحو موقف موحد أكثر تشدداً تجاه الحكومة الإسرائيلية.
À compter de ce jour, Itamar Ben-Gvir est interdit d'accès au territoire français.
— Jean-Noël Barrot (@jnbarrot) May 23, 2026
Cette décision fait suite à ses agissements inqualifiables à l'égard de citoyens français et européens passagers de la flottille Global Smud.
Nous désapprouvons la démarche de cette flottille…
إيلي نيسان: فرنسا دولة معادية لإسرائيل
ويقول المحلل السياسي الإسرائيلي إيلي نيسان إن "ما قام به إيتمار بن غفير مرفوض لدى شريحة واسعة من الإسرائيليين، وكذلك داخل الحكومة"، معتبراً أن "تصرفاته وضعت إسرائيل في مواجهة مع الاتحاد الأوروبي"، وأوضح أن "الاتحاد الأوروبي يدرس فرض عقوبات، ليس فقط على بن غفير شخصياً، بل قد تمتد لتشمل إجراءات ضد إسرائيل نفسها، بحكم كونه وزيراً وشريكاً في الائتلاف الحكومي"، وأضاف نيسان أن "تحركات بن غفير تضر بمصالح إسرائيل على الساحة الدولية"، مشيراً إلى أن "رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإسرائيليين أدانا ما قام به واستنكراه بصورة واضحة".
وأكد المتحدث ذاته أن "بن غفير لا يتحرك انطلاقاً من صالح إسرائيل، بل وفق حسابات انتخابية مرتبطة بجمهوره وناخبيه، بخاصة مع اقتراب انتخابات قد تُجرى في الـ15 من سبتمبر (أيلول المقبل)". وبرأيه، فإن "مواقف بن غفير الحالية تخدم أهدافاً انتخابية داخلية أكثر مما تخدم المصالح الإسرائيلية الخارجية".
وعن إمكان نجاح باريس في دفع أوروبا نحو موقف أكثر تشدداً تجاه الحكومة الإسرائيلية، رأى نيسان أن "ذلك غير مرجح، بسبب وجود دول أوروبية، مثل التشيك، تتبنى مواقف مختلفة وترفض بعض الطروحات التي تدفع بها دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي".
في سياق متصل، اعتبر نيسان أن "فرنسا بقيادة إيمانويل ماكرون لم تعد حليفاً لإسرائيل كما كانت في السابق، بل أصبحت"، وفق تعبيره، "دولة معادية لإسرائيل"، وأضاف أن "ماكرون لا يستطيع تحديد مصير إسرائيل في الشرق الأوسط، كذلك فإن إسرائيل بدورها لا تستطيع فرض رؤيتها على الجميع في المنطقة".
مجيد بودن يشرح الأسس القانونية للتحرك
يؤكد المحامي وأستاذ القانون الدولي مجيد بودن أن "موقف فرنسا من حماية مواطنيها يستند إلى مبادئ راسخة في الدستور والقانون الفرنسيين، إضافة إلى قواعد القانون الدولي"، ويوضح أن "سلوك المواطن الفرنسي، سواء كان مقبولاً أو مرفوضاً من قبل الحكومة، لا يشكل مبرراً للتخلي عنه أو لاتخاذ إجراءات تمس حقه في الحماية"، وأضاف مجيد بودن أن "الدولة الفرنسية تعتبر أن قضايا مواطنيها تُعالَج وفق القانون، كذلك فإن فرنسا ملتزمة مبدأ أساساً يتمثل بحماية رعاياها أينما وجدوا".
وأشار إلى أن "هذه الحماية تتم على مستويين: الحماية الدبلوماسية والحماية القنصلية، وهما حقان تكفلهما قواعد القانون الدولي للدول تجاه مواطنيها في الخارج"، وأوضح كذلك أنه "عندما يتعرض مواطن فرنسي لمعاملة يعتبرها القانون الدولي غير مقبولة، فإن العلاقة بين فرنسا والدولة المعنية تخضع لأحكام القانون الدولي، الذي يمنح باريس الحق، بل والواجب، في التدخل لحماية مواطنيها"، وأكد أن "فرنسا، بغض النظر عن هوية الشخص المعتدي أو الدولة المسؤولة عن الانتهاك، تلتزم تطبيق مبدأي الحماية الدبلوماسية والحماية القنصلية دفاعاً عن مواطنيها".
وأوضح المحامي أن "الحماية التي توفرها فرنسا لمواطنيها تبدأ أولاً بمطالبة الدولة التي يُتهم مسؤولوها بالاعتداء على المواطنين الفرنسيين بوقف تلك الممارسات فوراً"، وأشار إلى أن "باريس طالبت الحكومة الإسرائيلية بالإفراج عن المواطنين الفرنسيين المعنيين، وعدم تعريضهم لأي اعتداء أو معاملة مهينة، مع احترام سلامتهم الجسدية وحقوقهم الأساسية".
وأضاف أن "المرحلة الثانية تتمثل في اتخاذ إجراءات ردعية إذا ثبت وقوع اعتداءات". واستشهد بما قام به إيتمار بن غفير من نشر مقاطع فيديو قال إنها "تضمنت تباهياً بإهانة والاعتداء على حقوق مواطنين فرنسيين"، معتبراً أن ذلك "يمنح الحكومة الفرنسية مبرراً قانونياً وسياسياً لاتخاذ خطوات ردعية في حقه".
وأوضح مجيد بودن أن "من بين هذه الإجراءات منع بن غفير من دخول الأراضي الفرنسية، ومن ثم حرمانه من الحصول على تأشيرة دخول إلى فرنسا، وبما أن فرنسا عضو في فضاء منطقة شنغن الذي يضمن حرية التنقل بين الدول الأعضاء، فإن هذا المنع قد يمتد عملياً إلى كامل فضاء شنغن، سواء عبر رفض إصدار التأشيرة أو إلغاء أي تأشيرة سابقة"، وأشار كذلك إلى أن "فرنسا دعت الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات مماثلة على المستوى القاري"، مضيفاً أن "إيطاليا دعمت هذا التوجه وقدمت الطلب نفسه، بهدف إصدار قرار أوروبي سريع يمنع بن غفير من دخول جميع الدول الأوروبية، وتدعم دول أوروبية عدة التوجه الفرنسي، من بينها إسبانيا والمملكة المتحدة، إضافة إلى دول أخرى"، موضحاً أن "الاتحاد الأوروبي قد يتخذ أيضاً إجراءات إضافية ضد إيتمار بن غفير ووزراء إسرائيليين آخرين".
وأوضح أن "العلاقات الدولية خلال العقود الثلاثة الأخيرة أصبحت تقوم بصورة متزايدة على قواعد القانون الدولي، وهو ما يمنح الدول حق مقاضاة دول أخرى، وكذلك مقاضاة المسؤولين والوزراء بصفتهم الشخصية، لأن الدولة في القانون الدولي تُعد شخصية اعتبارية لا تتحرك إلا عبر ممثليها ومسؤوليها"، وأضاف أن "مبدأ الردع يجب أن يشمل الدولة نفسها والأشخاص المسؤولين داخلها، حتى لا يتمكن الأفراد من الاحتماء بمؤسسات الدولة وارتكاب أفعال من دون تحمّل مسؤولية شخصية، في حين تتحمل الدولة وحدها تبعات المحاكمات أو العقوبات".
واعتبر مجيد بودن أن "هذا التوجه يعكس تطوراً مهماً في الموقف الفرنسي، إذ باتت فرنسا تعتبر منذ أعوام، وبخاصة خلال المراحل الأخيرة، أن أي اعتداء على مواطن فرنسي يُعد اعتداءً على الدولة الفرنسية نفسها، ولهذا تطالب باريس بوقف هذه الانتهاكات واتخاذ إجراءات ردعية في حق المسؤولين عنها، مؤكدة أنها لا تقبل بأي اعتداء على مواطنيها مهما كانت توجهاتهم أو خلفياتهم أو الأنشطة التي يمارسونها".
وأوضح المحامي وأستاذ القانون الدولي مجيد بودن أن "فرنسا لم تؤيد ولم تبارك التحرك الذي قامت به المجموعة الصغيرة من النشطاء المتوجهين إلى قطاع غزة، لكنها في الوقت نفسه تعتبر هذا النوع من التحركات جزءاً من نشاط منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية"، وأضاف أن "موافقة الدولة الفرنسية على هذه التحركات أو عدم موافقتها لا تؤثر في موقفها القانوني، لأن واجب الدولة الأساس يبقى حماية مواطنيها مهما كانت آراؤهم أو أنشطتهم"، وأكد أن "تقاعس الدولة عن حماية مواطن فرنسي قد يفتح المجال أمامه للجوء إلى القضاء المحلي، وحتى إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لمقاضاة حكومته بسبب الإخلال بواجب الحماية".
وأشار إلى أن "احترام هذا المبدأ يعزز مكانة المواطن الفرنسي ويؤكد أن أي اعتداء عليه يستدعي تحركاً سريعاً من الدولة لحمايته، وهو ما يدفع أيضاً دولاً أوروبية أخرى إلى تبني النهج نفسه في حماية مواطنيها من أي انتهاكات أو اعتداءات خارجية"، وأضاف مجيد بودن أن "المواقف الأوروبية الحالية تعتبر أن السلوك الإسرائيلي لا يتوافق مع قواعد القانون الدولي، وترى فيه انتهاكاً لهذه القواعد، ولذلك تطالب إسرائيل بوقف هذه الممارسات والانتهاكات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وشدد المتحدث ذاته على أن "الدول الأوروبية، عندما يتعلق الأمر بمواطنين أوروبيين أو فلسطينيين يتعرضون لانتهاكات، فإنها تتخذ مواقف رافضة لهذه التصرفات وتعمل على حماية مواطني الدول الأوروبية"، معتبراً أن "هذا التوجه أصبح عنصراً أساساً في السياسة الأوروبية خلال المرحلة الحالية". وأوضح أن "مجلس الاتحاد الأوروبي يواصل إصدار بيانات وتحذيرات في شأن الانتهاكات المرتبطة بالقانون الدولي"، معتبراً أن "هذه المواقف، على رغم أهميتها، لم تعد كافية وحدها، بل يجب أن تترافق مع إجراءات عملية وتحقيقات ملموسة"، وأشار إلى أن "هناك تحركات أوروبية متزايدة تتعلق بفرض قيود على بعض المسؤولين الإسرائيليين، من بينها منعهم من دخول عدد من الدول الأوروبية"، وأضاف أن "دولاً مثل بلغاريا وسويسرا وهولندا وإسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا تتجه نحو اتخاذ مواقف أكثر تشدداً في هذا الإطار"، وأضاف أن "تحرك الاتحاد الأوروبي يهدف إلى حماية القانون الدولي ومنع انتهاكه، باعتبار أن احترام هذا القانون يمثل مصلحة عامة ترتبط بالحفاظ على النظام العام الدولي".
وأكد كذلك أن "فرنسا تنسق مع عدد من الدول الأوروبية من أجل الدفع نحو إجراءات أكثر فاعلية، قد تشمل منع السفر، وتجميد الأصول والأموال في حق أشخاص متهمين بانتهاك القانون الدولي أو باستغلال الأوضاع لتحقيق مكاسب غير مشروعة"، وأشار إلى أن "الاتحاد الأوروبي سبق أن استخدم آلية تجميد الأموال ضد أشخاص متهمين بانتهاك القانون الدولي أو بالاستيلاء على ثروات دول أخرى"، معتبراً أن "هذه الإجراءات أصبحت جزءاً من أدوات الردع الأوروبية في المرحلة الحالية".
وشدد المحامي وأستاذ القانون الدولي مجيد بودن على أن "التزام فرنسا والاتحاد الأوروبي تطبيق القانون الدولي ستكون له آثار كبيرة على المستوى الدولي، لأن أي جهة تنتهك هذا القانون ستدرك أن هناك ملاحقة ومحاسبة فعلية قد تطاولها". وأوضح أن "غياب المحاسبة في السابق لا يمكن أن يشكل ذريعة للاستمرار في انتهاك القانون الدولي، والمرحلة الحالية تتجه نحو تعزيز آليات المتابعة والمساءلة".
We demand an explanation from the Spanish government regarding its treatment of the flotilla anarchists pic.twitter.com/k2bbkKq7tm
— Israel Foreign Ministry (@IsraelMFA) May 23, 2026
الانتقال من دبلوماسية الاستنكار إلى سياسة العقوبات ضد إسرائيل
في الخصوص يقول الكاتب الصحافي نبيل شوفان أن "قرار فرنسا منع دخول بن غفير يعكس تحوّلاً أوروبياً تدريجاً من الاكتفاء بالإدانة السياسية إلى تبني أدوات ضغط وعقوبات مباشرة ضد شخصيات في الحكومة الإسرائيلية، على خلفية الحرب في غزة وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية".
وحسب رؤية شوفان فإن "باريس تحاول الدفع نحو موقف أوروبي أكثر تشدداً عبر الدعوة إلى عقوبات جماعية، ودعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومراجعة اتفاق الشراكة الأوروبية - الإسرائيلية، إضافة إلى طرح تقييد تصدير السلاح والتكنولوجيا الأمنية كوسيلة ضغط على تل أبيب"، وتابع، "تبقى المهمة الفرنسية صعبة بسبب الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بين دول تدعو إلى خطوات أكثر صرامة مثل إسبانيا وإيرلندا وبلجيكا، وأخرى تتحفظ على العقوبات الواسعة مثل ألمانيا والتشيك، مع التركيز على تنامي الدعوات الأوروبية لدعم التحقيقات الدولية ومحكمة الجنايات الدولية في حق شخصيات إسرائيلية متطرفة متهمة بالتحريض على العنف والاستيطان"، ويضيف، "لكن يمكن الجزم بأن أوروبا بدأت فعلاً اختبار الانتقال من دبلوماسية الاستنكار إلى سياسة العقوبات".
وبين ضغوط الحرب والانقسامات الأوروبية، يبدو أن القارة العجوز تدخل مرحلة جديدة في علاقتها مع إسرائيل، عنوانها الانتقال التدرجي من لغة التنديد السياسي إلى اختبار أدوات العقوبات والضغط المباشر، في مسار قد يعيد رسم ملامح الموقف الأوروبي من الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة.