Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الأفروسنتريك"... معركة التاريخ والهوية في مصر

كتاب جديد عن حركة "الأفروسنتريك" يدعم السجال ضد فيلم "أسد"

الحضارة المصرية القديمة (صفحة مصر - فيسبوك)

ملخص

أثار عرض فيلم "أسد"، بطولة محمد رمضان وإخراج محمد دياب، جدالاً مصرياً، تعددت زواياه، ومن بينها زاوية علاقة مضمونه بادعاء حركة "الأفروسنتريك" بأن الشعب المصري من أصل زنجي، وتزامن ذلك مع صدور كتاب يتضمن وجهة نظر مصر الرسمية في هذا الادعاء.

بادر مخرج فيلم "أسد" ومؤلفه محمد دياب إلى نفي أي علاقة للفيلم مع ما تتبناه حركة "الأفروسنتريك"، من آراء حول أصل الحضارة المصرية القديمة، موضحاً أن أول مشهد في العمل يظهر صراحة خطف العبيد من مناطق في أفريقيا وجلبهم إلى مصر، "مما يثبت أنهم ليسوا أصحاب الحضارة المصرية القديمة كما تدعي الحركة". وسبق أن ثار جدل مماثل قبل نحو ثلاث سنوات، عند عرض المسلسل الوثائقي "كليوباترا" على "نتفليكس"، علماً أنه يتبنى زعم مارتن برنال "أثينا السوداء" أن للحضارة الإغريقية أصلاً مصرياً زنجياً. ومن ثم ظهرت الملكة كليوباترا (أدت دورها الممثلة السمراء أديل جيمس) في المسلسل الوثائقي ذاك، سوداء البشرة، مع أنها من أصل مقدوني.

وفيلم "أسد" يقوم على أن مصر شهدت في أواخر عهد محمد علي، وتحديداً في عام 1840 ثورة ضد الاستعباد، قادها أحد العبيد المجلوبين من أفريقيا السوداء، على غرار تلك التي صورها فيلم "سبارتاكوس" الذي تدور أحداثه في عام 73 قبل الميلاد، في زمن الإمبراطورية الرومانية. وبالنسبة إلى فيلم "أسد" فإن منتقديه رأوا أنه قام على أحداث لم يشهدها الواقع المصري في تلك الحقبة الزمنية أصلاً، وإنما شهدها العراق في زمن الدولة العباسية، وعرفت بـ"ثورة الزنج" بين عامي 869 و883 م، وقادها علي بن محمد الذي عرف بـ"صاحب الزنج".

وجهة نظر رسمية

واللافت أن كتاب "حركة الأفروسنتريك وتأثيراتها المستقبلية على مصر" (الهيئة المصرية العامة للكتاب – 2026) يحذر من "تحدٍّ متوقع"، إزاء استهداف حركة "الأفروسنتريك" السردية المستقرة لتاريخ مصر، "ويتمثل في إنتاج أفلام مصرية توظف كوثائق ضد مصر" (ص287). وهذا الكتاب الذي يعكس وجهة نظر مصر الرسمية بالنظر إلى نشره بواسطة أكبر دار نشر حكومية، وانتماء معظم مؤلفيه إلى جهة حكومية هي المعهد القومي للتخطيط.

حررت الكتاب رئيسة قسم الدراسات المستقبلية في معهد التخطيط القومي المصري هبة جمال الدين، وشارك في تأليفه كل من علاء الدين شاهين عميد كلية الآثار السابق، ودينا شكري رئيس قسم طب التشريح في كلية طب قصر العيني، وطارق طه رئيس قسم الخلايا الجذعية في مركز الطب التجديدي بالقوات المسلحة، وبسمة الحداد رئيس مركز الأساليب التخطيطية في معهد التخطيط القومي، وسالي فريد رئيس قسم السياسة والاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية، ومحمود رشوان أستاذ الإحصاء في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وحسن ربيع أستاذ مساعد في معهد التخطيط القومي، وسعد عبدالحميد مدرس مساعد في المعهد نفسه.

ويتألف الكتاب من أربعة فصول، تحليل حركة الأفروسنتريك وأيديولوجيتها، وتفنيد ادعاءات الحركة في شأن الحضارة المصرية القديمة وأصول الشعب المصري، ودراسة تطور الحركة وتحولها إلى فاعل دولي عابر للحدود، واستشراف السيناريوات المستقبلية للحركة وأبرز السياسات اللازمة لمواجهتها. ويعد هذا الكتاب، بحسب محررته، الأول من نوعه باللغة العربية لجهة تناوله حركة "الأفروسنتريك"، "التي تمثل أحد التحديات الفكرية والثقافية الراهنة نظراً إلى ادعائها زنجية الحضارة المصرية القديمة". ويهدف الكتاب إلى تفنيد ذلك الادعاء بالاستناد إلى أدلة أثرية وجينية وبيومترية، مع تحليل طبيعة الحركة وأدواتها ومدى تأثيرها العابر للحدود، مما يجعله "إضافة معرفية مهمة، إذ يناقش مفاهيم حديثة على المكتبة العربية مثل الوطن الجيني والجينات السياسية وتسييس التاريخ وعلم التحليل البيومتري لخدمة أجندات استعمارية".

سردية مثيرة

ويتضمن الكتاب أن حركة الأفروسنتريك (المركزية الأفريقية) هي تيار فكري يهدف لتسليط الضوء على الهوية الأفريقية وإعادة كتابة التاريخ العالمي من منظور أفريقي. وعلى رغم نشأتها كحركة إيجابية لمناهضة التهميش، إلا أن بعض أطرافها يتبنون سردية مثيرة للجدل تدعي أن المصريين القدماء هم "أفارقة سود" وأن الحضارة سرقت منهم.  

نشأت حركة الأفروسنتريك لدعم الحقوق المدنية للزنوج في الولايات المتحدة الأميركية، وفي السبعينيات اكتسبت اسمها وترجمته هي "المركزية الأفريقية"، واتسع نشاطها ليتخذ طابعاً دولياً فيما يتعلق بتأصيل الهوية الأفريقية. في البداية رفعت شعارات قريبة من فكر التحرر من المركزية الغربية وسرعان ما قدمت ذاتها كنظرية للمعرفة أو "بوتقة صهر شاملة لكل المعارف الإنسانية تتمركز حول العرق الأفريقي"، ووظفت في هذا الصدد علوماً شتى، كعلم النفس والفلسفة، ووظفت الآداب والفنون، لترويج أطروحة إسهامات القومية السوداء الحضارية العابرة للحدود.

وفي ضوء ذلك جاءت محاولات ربطها بالحضارة المصرية القديمة من قبل رواد الحركة ومنهم ويليام دوبو والشيخ أنتا ديوب وموليفي أسانتي، فدعمت عدداً من الكتب والدراسات التي تؤصل لما يسمى زنجية الحضارة المصرية. في البدايات كانت بمثابة قومية بين الأميركان من أصول أفريقية، تسعى إلى لتمركز حول الهوية الأفريقية وإعادة وضعها في الحضارة الإنسانية في ضوء تهميشها من قبل الغرب خلال الحقبة الاستعمارية. وبدأت في الادعاء بأنها أصل الحضارة الفرعونية، وأنها حضارة أفريقية، نافية أصول الشعب المصري وارتباطه بالحضارة الفرعونية، مطالبة بحقوق زائفة ضد الدولة المصرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وسرعان ما بدأت الحركة الفكرية في التطبيق لمقولاتها على أرض الواقع عبر سلسلة من المؤسسات والمؤتمرات وكراسي الأستاذية والكليات التي تحمل اسمها، وبدأت في تغيير المستقر عالمياً بإنتاج أفلام وثائقية تزيف التاريخ. يسعى الكتاب للإجابة عن تساؤل رئيسي حول ماهية تلك الحركة وتنظيماتها الدولية، وماهية السيناريوات المستقبلية الممكنة للحركة في مصر، في ضوء تنامي دورها على الصعيد الدولي، وماهية أبرز السياسات التي يمكن اشتقاقها لدعم صانع القرار المصري لمجابهتها واحتواء آثارها.

المجد المزعوم

وعموماً، ترجع جذور تلك الحركة إلى القرن الـ19 عبر ظهرت محاولات بناء مجد جامع للأفارقة الأميركيين يربطهم بالحضارة الفرعونية والادعاء بأنها زنجية، من خلال "فريدوم جورنال"، أول صحيفة سوداء في الولايات المتحدة الأميركية، وغيرها. ومن خلال رسالة دكتوراه أنجزها أنتا ديوب عام 1954 حول الجذور الأفريقية للحضارة الفرعونية نوقشت عام 1960 بعد رفضها في عدد من الجامعات الأوروبية.

وتقوم تلك الحركة على "عنصرية مضادة، إذ إنها تناصب كل ما هو غير أسود البشرة، العداء، على رغم أنه حتى في دول جنوب الصحراء هناك أفارقة من أصول غير أفريقية كالهنود والبنغال والهولنديين واللبنانيين. ويدعو الكتاب إلى التصدي لخطر ما يسمى الوطن الجيني، باعتبار أن الشعوب الأفريقية ليست فقط هي الشعوب الزنجية. ومن ثم نوهت بضرورة مخاطبة مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية ليتحرى الدقة عند توجيه الدعوات للممثلين والفنانين، بخاصة من الأميركيين من أصول أفريقية، وكذلك عند اختيار الأعمال المشاركة في فعالياته، ودعا إلى تدريس تاريخ الأسرة الـ25 (مملكة كوش) باعتبارها تبنت الحضارة المصرية الفرعونية وتشبهت بها.

وأبرز الكتاب في هذا الصدد أن الدراسات الأنثروبولوجيا البيولوجية ودراسات الحامض النووي التي أجريت على المومياوات والعظام البشرية المصرية القديمة أكدت أن المصريين لا يحملون ملامح أفارقة جنوب الصحراء، سواء في شكل الجمجمة أو عرض الوجنات وشكل الأنف أو اتساع وتقدم الفك العلوي، ولا في الشكل الظاهري للشعر، أو طول القامة أو توزيع وكثافة شعر الجسد. وذكر أن عرض نقل 22 مومياء ملكية تلفزيونياً من المتحف المصري تلفزيونيا إلى المتحف القومي للحضارات (2021) كان بمثابة رد من الحكومة المصرية على ادعاء الأفروسنتريك أن النوبيين الإثيوبيين هم الشعب المصري القديم. وجرى في هذا السياق إلغاء عرض الممثل الكوميدي الأميركي كينت هارت الذي كان مقرراً في القاهرة بسبب تصريحاته المسيئة للحضارة المصرية (2023)، وفي العام نفسه تم إلغاء حفلة مغني الراب رافوس اسكوت للسبب نفسه.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة