ملخص
بين مبادرات متعددة تبقى نحو مليون قطعة أثرية مصرية بين متاحف العالم أجمع، فهل تنجح مصر في استعادتها؟
منذ سنوات طويلة يثار ملف استعادة آثار مصر من الخارج مع جولات متعددة، بعضها ينجح بالفعل في استعادة بعض القطع، لكنها بالنهاية تقدر بعدد محدود للغاية مقارنة بكم القطع الأثرية الموجودة في متاحف عالمية في كثير من الدول، بعض منها يصنف على أنه من القطع الأشهر في المتحف الذي توجد فيه، مثل حجر رشيد في المتحف البريطاني، ورأس نفرتيتي في متحف برلين، وزودياك دندرة في متحف اللوفر وغيرها من آلاف القطع الأثرية المنتشرة في متاحف العالم.
طبقاً لبيانات صادرة عن وزارة السياحة والآثار فإن مصر في السنوات الـ10 الأخيرة، نجحت في استعادة نحو 30 ألف قطعة أثرية من الخارج، الرقم السابق وإن كان يبدو كبيراً فإنه لا يقارن بعدد الآثار المصرية المعروضة بمتاحف عالمية أو ضمن مقتنيات لجهات مختلفة بالخارج، إذ إنه طبقاً لتقديرات يضم متحف اللوفر بفرنسا 50 ألف قطعة مصرية، والمتحف البريطاني 100 ألف قطعة أثرية، ومتحف بتري في لندن 80 ألف قطعة أثرية، ويضم متحف بوسطن في الولايات المتحدة 65 ألف قطعة أثرية، فيما متحف تورين بإيطاليا نحو 32 ألف قطعة أثرية وغيرها كثير في عشرات المتاحف العالمية، إذ أشارت تقديرات إلى أن هناك نحو مليون قطعة أثرية مصرية معروضة في متاحف عالمية.
قاعة الانتظار
أخيراً، وضمن جهود متعددة تهدف إلى استعادة آثار مصر بالخارج اقترحت أميرة صابر النائبة بمجلس النواب إنشاء معرض تحت عنوان "الذاكرة الرقمية" ضمن قاعات المتحف المصري الكبير، بحيث يمر الزائر بالقطع الموجودة، ثم يواجه فراغات تمثل القطع المنهوبة، مما يخلق تجربة عاطفية تربط بين ما لدينا وما فقد، وقدمت مثالاً بقاعة توت عنخ آمون، فإلى جانب كنوزه المعروضة توضع شاشات هولوغرام أو واجهات عرض فارغة للقطع المهربة، مع لافتة موضح عليها عبارة مثل "قطع من كنوز توت عنخ آمون محتجزة في متحف كذا، ومكانها الحقيقي هنا".
اقترحت النائبة أيضاً تخصيص قاعة صغيرة باسم "قاعة الانتظار" بإضاءة خافتة وفراغات مقصودة وعدادات زمنية، لخلق شعور بالفقدان يترك أثراً نفسياً في الزائر مع استخدام وسائل تكنولوجية لعرض الأثر، والواقع المعزز عبر تطبيق على الهواتف، ونماذج الطباعة ثلاثية الأبعاد، باعتبار التقنيات الحديثة تجعل القضية جاذبة للأجيال الشابة، وتضمن انتشارها عبر وسائل التواصل، مع الإشارة إلى قطع معينة ووضع عبارات مثل "حجر رشيد مفتاح فك رموز حضارتنا ينتظر في لندن منذ 81760 يوماً متى يعود؟ كم طفل مصري لم يشاهده؟".
تضمن الاقتراح استخدام رمز QRلحملة تتضمن عريضة للتوقيع عليها لخلق رأي عام شعبي على المستويين المحلي والدولي حول قضية استعادة مصر لآثارها من الخارج، وإضافة ميزة لمتابعة قطعة أثرية معينة ومتابعة حملتها واستلام إشعارات، مما يخلق علاقة شخصية تضمن استمرارية الاهتمام. وفي كل مرة تعاد قطعة يجري الإعلان في احتفالية وإزالة العرض الرقمي ووضع القطعة الحقيقية، مما يخلق حدثاً إعلامياً يشجع على مزيد من الإعادات، ويجعل كل عودة انتصاراً مرئياً.
لاقى المقترح صدى، وأثار كثيراً من النقاشات حول إمكانية تنفيذه، بخاصة مع حال الزخم الكبير التي أحدثها افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
ليست تلك التجربة الأولى في هذا الإطار، إنما كان لليونان تجربة سابقة، ففي عام 2009 افتتحت متحف الأكروبوليس، وكرد مباشر على رفض بريطانيا إعادة رخام البارثينون جرى ترك فراغات متعمدة، إذ يجب أن تكون القطع المسروقة، ووضعت نسخ جبسية بيضاء ناصعة للقطع الموجودة في لندن، هذه الفراغات حولت القضية من نزاع قانوني ثنائي إلى قضية عالمية يراها ملايين الزوار سنوياً.
مطالبات رسمية وجهود دبلوماسية
خلق حشد شعبي عالمي من خلال مثل هذه المبادرات سواء في مصر أم خارجها، هل يمكن أن يكون له صدى أو أثر حقيقي في أرض الواقع، وفي الحالة المصرية هل يمكن أن يمثل ورقة ضغط بالفعل في سبيل استعادة بعض القطع الأثرية المصرية من الخارج؟
وفق رؤية مونيكا حنا، عميد كلية التراث الحضاري بالأكاديمية البحرية، "المبادرات المطروحة حالياً لها أهمية لخلق وعي شعبي وإثارة القضية داخلياً وخارجياً، وربط الناس بالحدث، لكنها لن تغني عن المطالبات الرسمية والجهود الدبلوماسية، وغير صحيح أن مصر لم يسبق لها المطالبة بآثارها في الخارج، فكان أول طلب رسمي لاسترداد رأس نفرتيتي عام 1947، وكان بإمضاء محمود فهمي النقراشي باشا، وطوال السنوات هناك جهود كثيرة بأشكال مختلفة لاستعادة آثارنا من الخارج".
وتستكمل "يجب التركيز والإشارة دائماً إلى أن غالب القطع الأثرية المصرية بالخارج خرجت في ظروف كانت مصر فيها في وضع استثنائي، مثل وقوعها تحت الاحتلال أو عدم وجود حكومة مصرية أقرت بخروج هذه الآثار، من أهم العوامل التي يمكن أن تدعم المطالبة بعودة الآثار هو خلق تكتل مع دول عدة شبيهة لظروفنا، مثل العراق التي نهبت كثير من آثارها، وكثير من دول أفريقيا، والدعوة إلى حملة دولية بدعم من مؤسسات مثل اليونيسكو وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي فسيعطي هذا لها قوة وتأثير أكبر".
فيما يرى سامح الزهار، الكاتب والباحث في الآثار والتراث، "المبادرات المختلفة المطروحة أخيراً سواء عمل عريضة إلكترونية أو غيرها كلها جهود يمكن أن تسهم في زيادة التعريف بالقضية، وخلق رأي عام شعبي سواء بين المصريين أم الأجانب، لكنها لن تؤدي إلى استرداد الآثار، لأن الأمر يتطلب جهوداً دبلوماسية متواصلة، ولو نجحنا حالياً في استرداد بعض القطع الأثرية فهذا مكسب كبير قد يفتح الباب مستقبلاً أمام عودة قطع أخرى، وما دام لنا حق لا بد أن نستمر في المطالبة به بكل الوسائل، وحالياً هناك اهتمام بهذا الملف، وحالة من التفاعل معه منذ افتتاح المتحف المصري الكبير".
أخيراً وبالتواكب مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أفريقيا أعلن قانوناً متعلقاً بإعادة الآثار الخاصة بدول أفريقيا التي نقلت لفرنسا إبان الاستعمار الفرنسي لبلادها، وطبقاً لما جرى إعلانه فإن هذا القانون سيلغي فكرة ضرورة الحصول على تصريح من البرلمان قبل إعادة كل قطعة أثرية ومعاملة كل قطعة كحالة خاصة، إنما سيجعل الأمر إدارياً، إذ يجري بمرسوم تصدره الحكومة، ومن المفترض أن يؤدي هذا لأن يكون الأمر أكثر سهولة.
المعلومات المتداولة بخصوص القانون تفيد بأنه سيشمل الآثار والأعمال الفنية التي وصلت إلى فرنسا في الفترة ما بين 1815 وهي بداية الإمبراطورية الاستعمارية الثانية لفرنسا، و1972 وهو العام الذي دخل فيه اتفاق اليونيسكو المعني بالآثار حيز التنفيذ، وطبقاً للخبراء فإنه يوجد بفرنسا نحو 55 ألف قطعة أثرية مصرية، وهو رقم كبير، لكن هل ستتمكن مصر من الاستفادة بهذا القانون في عودة جزء من آثارها؟
تجيب مونيكا حنا "حتى الآن لم نر مسودة نهائية لهذا القانون أو نعرف تفاصيله، ملامحه حتى الآن غير واضحة، ومن غير المؤكد من سيستفيد منه بالفعل، هناك عدد كبير جداً من القطع الأثرية المصرية خرجت من مصر إبان فترة الحملة الفرنسية، إضافة إلى عدد كبير من المخطوطات، من بينها مخطوطات من الجامع الأزهر، وهي حقبة تسبق زمنياً الفترة التي قيل إن القانون سيبدأ من تاريخها، لكن إذا جرى إقرار هذا القانون في فرنسا، وبالفعل أعيدت قطع أثرية لدولها سواء في أفريقيا أم غيرها، فإن هذا سيمنحنا سابقة قانونية يمكن الاستناد إليها عند مطالبة فرنسا بآثارنا الموجودة لديهم، فسندعم موقفنا بأننا نرغب باستعادة آثارنا أسوة بهذه الحالات باعتبار أن لها سنداً سابقاً".
خروج شرعي
أطلقت "اليونيسكو" في عام 2025 "المتحف الافتراضي للقطع الثقافية المسروقة"، إذ يعرض نماذج ثلاثية الأبعاد لـ250 قطعة مسروقة من 46 دولة كأداة للضغط لاستعادتها، المتحف مصمم بحيث يحذف كل قطعة تستعيدها بلدها بحيث تتحول كل إعادة لانتصار صغير يجري توثيقه، ويكون دافعاً لدول أخرى للمطالبة بحقوقها في القطع الأثرية المنهوبة.
تساؤل يطرح في هذا السياق، وهو هل طبيعة الطريقة التي خرج بها الأثر من مصر تمثل فارقاً في إمكان عودته أم لا، بعض القطع خرجت بالتحايل وبعضها بالسرقة وكثير منها مع فترات الاحتلال والاستعمار مثل الحملة الفرنسية والاستعمار الإنجليزي، بعض القطع حصلت عليه بعثات أثرية أجنبية كانت تنقب عن الآثار في مصر كنسبة من الاكتشاف، كما كان سائداً، فهل طبيعة الطريقة التي خرج بها الأثر لها عامل في إمكان رجوعه أم لا؟
يوضح سامح الزهار "القانون لا يطبق بأثر رجعي، وإلى جانب القطع الأثرية المسروقة أو المهربة فإنه للأسف كثير من القطع الأثرية المصرية خرجت من مصر بصورة كانت في زمانها تعتبر شرعية، ففي حقب سابقة كانت تجارة الآثار غير مجرمة، وكان يمكن لأجانب شراء قطعة أثرية من تاجر للآثار، إلى جانب الإهداءات التي كانت حينها متعارفاً عليها وغير مجرمة، وهذه الآثار هي المعروضة في المتاحف العالمية حالياً، حتى إن بعض القطع مذكور في بطاقاتها التعريفية في المتاحف طريقة الحصول عليها، ومن بينها أنها جرى شراؤها من تاجر العاديات، فهناك قاعدة في المتاحف أنها لا تعرض آثاراً مسروقة بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن هذه الآثار المسروقة قد تباع في مزادات أو تكون في مجموعة مقتنيات شخصية لأفراد".
ويضيف "مصر لديها فرصة ذهبية حالياً ربما لن تتكرر وعليها استغلالها بوجود رئيس مصري لليونيسكو، وهو وزير سابق للآثار وعلى دراية كاملة بهذا الملف، وله علاقات طيبة واحترام كبير في فرنسا على وجه الخصوص، ووجود وزيرة ثقافة عالمة مصريات ولها علاقات ممتدة بالمتخصصين بهذا المجال في الخارج، إضافة إلى حال الزخم الكبير بالآثار المصرية التي أحدثها افتتاح المتحف المصري الكبير أخيراً، ودعم المؤسسات الدولية مثل اليونيسكو بلا شك يكون له صدى، بخاصة إذا جرى تنظيم حملة عالمية لعودة الآثار المسروقة بصورة عامة، ومن بينها الآثار المصرية ويحتاج هذا إلى جهود دبلوماسية كبيرة".
هل تفعلها التكنولوجيا؟
استخدام كل الوسائل التكنولوجية والذكاء الاصطناعي حالياً أصبح أمراً ذا أهمية كبيرة في ما يتعلق بملف استرداد الآثار المصرية، هذا إلى جانب الوسائل التقليدية المختلفة، وكل ما من شأنه دعم هذا الملف منذ أشهر عدة، وتواكباً مع افتتاح المتحف المصري الكبير قدم شاب مصري متخصص في البرمجيات والذكاء الاصطناعي تصوراً متكاملاً لعرض نماذج من الآثار المصرية التي تسعى مصر إلى استعادتها بتقنية الهولوغرام، مقترحاً أن يجري تخصيص قاعة في المتحف لهذا الغرض، لاقى هذا التصور حينها تفاعلاً ودعماً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي مع انتشار صور التصور المقترح، بخاصة مع حال الزخم التي واكبت افتتاح المتحف المصري الكبير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يوضح محمد المزيودي، المتخصص في البرمجيات والذكاء الاصطناعي، "تجسيد القطع الأثرية المفقودة في المتاحف المصرية عن طريق الهولوغرام سواء وسط القطع الأثرية المعروضة أم في قاعة تخصص لهذا الغرض مع الإشارة إلى طريقة خروجها والظرف الذي كانت تعانيه البلاد وقتها سواء كان احتلالاً أم غيره والتسويق له بصورة جيدة سيكون عنصراً من عناصر الجذب للمتحف، وسيقبل عليها قطاع كبير من السياح، وسيخلق حالة من الدعم الشعبي، والمساندة للقضية من جانب الأفراد، هذا إلى جانب محاولة الحصول على دعم المؤسسات مثل اليونيسكو وغيرها".
ويتابع "استخدام الهولوغرام والتقنيات الحديثة هو الخيار الأفضل وليس وضع مجسم أو قطعة مقلدة، كما اقترح بعضهم في وقت سابق، لكن الصيغة الأفضل هو عرضها بصورة تحاكي الواقع، وهذا ما حاولت القيام به من خلال تطوير النموذج الذي قدمته مع إمكان إرفاق عريضة إلكترونية، للتوقيع عليها، وكل هذه مسارات الهدف منها خلق قاعدة شعبية داعمة لموقف مصر، فبحسب القوانين حالياً فإن غالب القطع الأثرية المصرية بالخارج لن يمكن استعادتها بالسبل القانونية، لكن السبيل هو الجهود الدبلوماسية والحلول الناعمة".