ملخص
بعد المسارات البحرية للتهريب من إسبانيا إلى المغرب، يأتي في الرتبة الثانية من حيث الأهمية وكثافة الاستعمال المسار البري، متمثلاً في تهريب هذا الصنف من المخدر الترفيهي ضمن عبوات صغيرة داخل سيارات شخصية، عبر مدينتي سبتة ومليلية الواقعتين في الشمال المغربي والخاضعتين للسيادة الإسبانية.
رصد تقرير رسمي صادر عن إدارة الأمن القومي الإسباني تنامياً لافتاً لتهريب المادة المخدرة "أكسيد النيتروز"، المعروفة بـ"غاز الضحك"، التي تحدث شعوراً بالسعادة والانتشاء، نحو المدن الشمالية الساحلية والمناطق السياحية في المغرب خلال فصل الصيف.
وحذر التقرير الأمني السنوي عن حصيلة عام 2025 من عودة قوية للمسارات التقليدية لتهريب هذا النوع من "المخدرات الترفيهية الشبابية رخيصة الثمن" صوب المغرب، بينما دق متخصصون مغاربة ناقوس الخطر من تحول استنشاق "غاز الضحك" إلى بكاء مرير وإدمان قاتل.
مسارات التهريب
تحولت إسبانيا، مع مرور الأعوام من بلد ينتشر فيه غاز الضحك في صفوف الشباب إلى "مخزن حقيقي" في أوروبا، فلم يعد الأمر يقتصر على تجريب هذا المخدر الترفيهي ضمن بالونات تباع في الحفلات الشبابية، بل صارت البلاد أحد أبرز الموزعين إلى باقي دول العالم.
ووفق المعطيات ذاتها، نجحت الأجهزة الأمنية الإسبانية في ضبط أكثر من 25 ألف كيلوغرام من "غاز الضحك" خلال العمليات الأخيرة، مما يظهر حجم انتشار هذا المخدر الشبابي، وانتعشت كميات التهريب الموجهة إلى بعض البلدان المجاورة، وعلى رأسها المغرب.
ويسلك المهربون الإسبان مسارات تقليدية وأخرى متجددة ومغايرة، باستغلال الحركية التجارية الضخمة بين الرباط ومدريد، وبالاستناد إلى شبكة لوجيستية معقدة ومتشابكة تسهل تهريب أسطوانات صناعية كبيرة بدل تهريب الكبسولات الصغيرة لغاز الضحك.
ويظل المسار البحري هو "الشريان الرئيسي" لمهربي غاز الضحك من إسبانيا إلى المغرب، عبر استغلال الرواج التجاري الهائل لميناء طنجة شمال المغرب، على رغم اليقظة الأمنية الكثيفة لضبط وحجز جميع أنواع الممنوعات المهربة.
وشكلت العملية التي شهدها ميناء طنجة المتوسطي قبل بضعة أشهر ضربة قوية لمهربي غاز الضحك، بعدما تمكنت السلطات الأمنية والجمركية من ضبط شاحنة مقبلة من الجنوب الإسباني كانت تخبئ أكثر من 12.500 أسطوانة كبيرة من "غاز الضحك"، وهي كمية تكفي لملء أكثر من 2.5 مليون بالون مخدر.
وتفيد المعطيات المتداولة أمنياً بالمغرب وإسبانيا بأنه بالنظر إلى الوزن الثقيل للأسطوانات مما يصعب إخفاءها مثل المخدرات المعروفة الأخرى، فإن المهربين يهتدون إلى إحداث تجاويف في أسقف أو أرضيات الشاحنات، أو دس شحنات غاز الضحك وسط البضائع القانونية، التي تكون عادة بأوزان ثقيلة، بهدف تمويه أجهزة الفحص بالأشعة.
وبعد المسارات البحرية للتهريب من إسبانيا إلى المغرب، يأتي في الرتبة الثانية من حيث الأهمية وكثافة الاستعمال المسار البري، متمثلاً في تهريب هذا الصنف من المخدر الترفيهي ضمن عبوات صغيرة في سيارات شخصية، عبر مدينتي سبتة ومليلية الواقعتين في الشمال المغربي والخاضعتين للسيادة الإسبانية.
مسارات الداخل
بمجرد ما تتجاوز بالونات أو قنينات "غاز الضحك" المراقبة الجمركية بالموانئ الحدودية، فإن المهربين يسارعون إلى إيصال الشحنات إلى مخازن سرية متفق عليها سلفاً، قصد توزيعها على المدن المستهدفة، خصوصاً مدن الشمال بالنظر إلى قربها من إسبانيا، ولكن أيضاً المدن السياحية الكبرى مثل أغادير ومراكش، والمدن الضخمة مثل الدار البيضاء والرباط.
في هذا الصدد، يقول مدير مركز إدمان بالدار البيضاء والناشط في محاربة المخدرات عصام الإدريسي إن "غاز الضحك"، عندما يُهرب من إسبانيا التي ينتشر فيها هذا المخدر لأسباب قانونية واجتماعية، يُوزع على المدن الأكثر طلباً لهذه المادة، والتي غالباً ما تكون مدناً سياحية تضم الحانات والمراقص الليلية التي تعد وكراً لاستنشاق هذا الغاز الذي يمنح نشوة عابرة مزيفة للمستهلك.
وأردف المتحدث ذاته، انطلاقاً من حالات الإدمان التي يستقبلها المركز، بأن هناك عوامل حاسمة تفسر الإقبال المتزايد للشباب المغاربة على غاز الضحك الإسباني المهرب، أولها أنهم لا يعدون هذه المادة الغازية مخدراً، بل فقط تعد لهواً وترفيهاً وتسلية تثير موجات هستيرية من الضحك، وتحسن المزاج بحسبهم.
وأكمل المتحدث ذاته بأن "غاز الضحك" لم يعد مادة يقبل عليها الشباب الأغنياء في الحفلات والملاهي الليلية فحسب، بل أضحت مادة مخدرة متاحة للشباب الفقير أيضاً، بالنظر إلى انخفاض سعرها المتواصل، بسبب موجات التهريب التي توفر كميات كبيرة رائجة وسط الشباب.
ولفت الناشط إلى سبب آخر لا يقل أهمية عن سابقه، وهو أن الشاب المدمن على "غاز الضحك" يعتقد، واهماً وخاطئاً، أنه لن يدمنه باعتبار أنه مجرد غاز يُستنشق سريعاً وينسحب أثره من الجسم بسرعة موازية، بينما العكس هو الصحيح، إذ يتطور الأمر إلى إدمان مثل باقي أشكال المخدرات الشعبية الرائجة، وأشهرها "البوفا" التي تلقب بـ"كوكايين الفقراء" بالمغرب.
ووفق المصدر أيضاً، فإن الشباب الذي ينتشي باستنشاق غاز الضحك يظن أنه محصن من المتابعات القضائية، لأنه لا توجد قوانين واضحة تعاقب بالتحديد على استنشاق هذا النوع من الغاز المخصص في الأصل لأغراض طبية مثل طب الأسنان.
أضرار صحية بالجملة
غاز الضحك المهرب من إسبانيا تتلقفه أيادي عدد من الشباب المغاربة، خصوصاً في المناسبات الخاصة مثل الحفلات الصاخبة، أو داخل الملاهي والحانات الليلية، أو حتى في النزهات الشبابية، حيث تُتداول بالونات هذا الغاز للانتشاء السريع و"السعادة العابرة".
يرى الباحث في السياسات الصحية الطيب حمضي أن استنشاق الشباب لـ"غاز الضحك" يتحول إلى أضرار صحية بالجملة، بسبب تدمير هذا الغاز لفيتامين ب12، مما ينجم عنه فقر الدم وتلف الأعصاب، وقد يتطور الوضع إلى تلف دائم في الجهاز العصبي، واضطراب الحركة وضعف العضلات، وغيرها من المشكلات الجسدية.
من جهته، أفاد المحلل والمعالج النفسي محمد قجدار أن غاز الضحك له تداعيات نفسية خطرة على الشاب الذي يتخذه لهواً أو ترفيهاً أو لحظة نشوة غامرة، وذلك لأنه يألف ما يراه سعادة ونشوة باستنشاق الغاز المذكور، وبالتكرار يصعب عليه إيجاد لحظات سعادة من دون الاستنشاق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابع المتخصص أن هذا التعود على خلق أحاسيس تبدو ظاهرياً للشاب أنها لذيذة وسعيدة، أو الشعور بمزاج رائق وبانتشاء عابر، يصبح مع مرور الوقت ضرراً نفسياً، لأنه سيعجز لاحقاً عن خلق تلك اللحظات من دون محفز، فيتعرض لتقلبات المزاج التي قد تكون حادة وتؤدي إلى هلوسة أو ضعف إدراك، بل قد يتحول الأمر إلى ظروف نفسية تنذر بالإقدام على الانتحار.
وكانت فتاة قاصر لا تتجاوز 15 سنة تُوفيت قبل أشهر قليلة بمدينة الدار البيضاء بسبب استنشاقها كمية من غاز الضحك، الشيء الذي تسبب لها في مضاعفات صحية انتهت بوفاتها، بينما اعتقلت الشرطة مرافقها ومسير مقهى وصاحب محل تجاري، بتهمة "ترويج مواد مخدرة وتمكين قاصرين من استهلاكها".
استنفار برلماني
وانتقل نقاش محاربة "غاز الضحك" بين المراهقين والشباب في المغرب إلى قبة البرلمان، حيث توالت أسئلة نواب برلمانيين وجهوها إلى الحكومة في شخص وزير الصحة، حول الأضرار والأخطار التي تخلفها لحظات متعة بين الشباب باستنشاق "غاز الضحك".
البرلماني المنتمي إلى حزب الحركة الشعبية إدريس السنتيسي، وجه خطاباً مكتوباً إلى الحكومة قال فيه إن المغرب يعرف في الآونة الأخيرة انتشاراً مقلقاً لاستعمال "غاز الضحك" بين القاصرين، إذ يُستهلك لأغراض ترفيهية دون إدراك خطورته الصحية، وهو ما تسبب في حوادث مأسوية.
ووفق السنتيسي "أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لهذا الغاز، إذ انتشرت مقاطع فيديو تشجع على استهلاكه، مما زاد من إقبال القاصرين عليه دون إدراك عواقبه الصحية"، مردفاً أن "هذا الغاز يؤدي إلى اختلالات عصبية واضطرابات تنفسية وقد يكون مميتاً في بعض الحالات، وعلى رغم ذلك فإنه لا يزال يباع في بعض المحال التجارية ويُتداول بصورة غير مراقبة، مما يضع حياة الشباب والمراهقين في خطر".
وتساءل البرلماني نفسه عن الإجراءات التي تتخذها وزارة الصحة لرصد ومحاصرة انتشار "غاز الضحك" بين القاصرين، وعن الخطط الحكومية لتشديد المراقبة على بيعه والتأكد من عدم وصوله إلى فئات اجتماعية هشة، وبخاصة القاصرين.
من جانبها، أفادت البرلمانية عن حزب "العدالة والتنمية" ثورية عفيف، في خطاب موجه إلى وزير الصحة، بأن غاز الضحك الذي يُستهلك عبر عبوات صغيرة، تحول إلى مادة مخدرة تفاقم مظاهر الانحراف وتهدد سلامة الشباب وتخلق قلقاً لدى الأسر، إلى جانب ما تطرحه من أخطار على الأمن العام، في ظل سهولة الحصول على هذه المادة وغياب تنظيم صارم لتداولها.
وسألت النائبة وزير الصحة عن التدابير الاستعجالية لمواجهة هذا الانتشار المقلق لغاز الضحك وحماية الشباب من مخاطره الصحية والنفسية، وضبط تداول هذه المادة ومنع بيعها دون مبرر مهني أو طبي، علاوة على برامج التوعية والتحسيس للحد من هذه الظاهرة وتعبئة الأسر والمؤسسات التعليمية والشبابية لمواجهتها.