ملخص
في مدينة الصدر شرق بغداد، يقول مصطفى، وهو خريج جامعي يعمل سائق توصيل، "أنا من جيل شاهد السياسيين يتغيرون ولكن المشكلات بقيت نفسها، الكهرباء والبطالة والفساد، وكلها مستمرة، لذلك أصبح لدينا شعور بأن السياسة مجرد صراع على المناصب".
في مقهى شعبي وسط بغداد يجلس علي، الشاب العشريني الذي تخرج قبل ثلاث أعوام في كلية الإدارة والاقتصاد، يتابع الأخبار السياسية على هاتفه من دون أن يبدي أية حماسة لما يشاهده، يبتسم بسخرية حين يسأل عن إمكان انضمامه إلى حزب سياسي، ويجيب سريعاً "الأحزاب تتذكر الشباب فقط وقت الانتخابات".
هذه الجملة تختصر إلى حد بعيد مزاج شريحة واسعة من الشباب العراقي اليوم، جيل ولد في ظل الحروب أو نشأ في مرحلة ما بعد عام 2003، وشاهد التغيير السياسي الكبير، ولكنه كبر أيضاً وسط أزمات متلاحقة من البطالة والفساد والانقسامات السياسية والاحتجاجات ووعود لم تتحقق، وبينما كانت الأحزاب السياسية تراهن لعقود على استقطاب الشباب بوصفهم القوة الأكثر حيوية، تبدو الصورة اليوم مختلفة تماماً، مع اتساع ظاهرة العزوف السياسي وتراجع حماسة الانتماءات الحزبية التقليدية.
وعلى رغم أن الشباب يمثلون أكثر من نصف المجتمع العراقي لكن حضورهم داخل المؤسسات الحزبية لا يزال محدوداً، وغالباً ما يكون شكلياً أو مرتبطاً بالمواسم الانتخابية، وفي المقابل يتجه كثير منهم نحو فضاءات بديلة للتعبير عن آرائهم، مثل النشاط الرقمي والمبادرات المدنية، والمشاريع الفردية أو حتى الهجرة أو الانكفاء الكامل عن المجال العام.
أزمة ثقة متراكمة
يرى مراقبون أن عزوف الشباب العراقي عن الأحزاب ليس ظاهرة طارئة بل نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية طويلة، فمنذ أعوام تكررت الوعود المتعلقة بالإصلاح وفرص العمل وتحسين الخدمات، لكن واقع الحياة اليومية بقي صعباً بالنسبة إلى كثير من الشباب، خصوصاً في المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية.
في مدينة الصدر شرق بغداد يقول مصطفى، وهو خريج جامعي يعمل سائق توصيل، "أنا من جيل شاهد السياسيين يتغيرون ولكن المشكلات نفسها بقيت، الكهرباء والبطالة والفساد، وكلها مستمرة، لذلك أصبح لدينا شعور بأن السياسة مجرد صراع على المناصب".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا يقتصر هذا الشعور على بغداد فقط، ففي البصرة، المحافظة ذات الثروات النفطية الضخمة، يتحدث حسين (24 سنة) عن إحباط متزايد بين أصدقائه، "كثير من الشباب هنا لم يعد يناقش البرامج السياسية بل يناقش طرق السفر أو الهجرة، والناس فقدت الإيمان بأن الأحزاب يمكن أن تغير حياتها".
ويشير متخصصون في الشأن الاجتماعي إلى أن فقدان الثقة أصبح أحد أبرز ملامح العلاقة بين الجيل الجديد والقوى السياسية، خصوصاً بعد الاحتجاجات الشعبية التي شهدها العراق خلال الأعوام الماضية، وشارك فيها آلاف الشباب مطالبين بالإصلاح وفرص العمل ومحاسبة الفاسدين.
ما بعد الاحتجاجات
يعتبر كثير من الباحثين أن الاحتجاجات التي انطلقت في بغداد ومحافظات الجنوب شكلت نقطة تحول في الوعي السياسي لدى الشباب العراقي، فبدلاً من الانضمام إلى الأحزاب التقليدية بدأ جيل كامل يتجه نحو فكرة الاستقلالية السياسية، رافضاً الاصطفافات الحزبية القديمة، ويقول الناشط المدني السابق أحمد، من الناصرية، إن "الاحتجاجات جعلت الشباب يشعرون بأن صوتهم يمكن أن يصل من دون الحاجة إلى حزب، وكثر صاروا يعتقدون أن الأحزاب جزء من المشكلة وليست الحل".
هذا التحول ترافق مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها منصة سياسية جديدة، فبدلاً من الاجتماعات التنظيمية التقليدية أصبح الشباب يناقشون القضايا العامة عبر منصات رقمية مفتوحة، ويتابعون المؤثرين أكثر من السياسيين، ويتفاعلون مع الحملات الإلكترونية أكثر من المؤتمرات الحزبية، ويقول الباحث في الشأن العراقي مصطفى الربيعي إن "وسائل التواصل غيرت شكل الوعي السياسي لدى الجيل الجديد، فالشاب اليوم يحصل على المعلومات بسرعة، ويقارن بين الواقع المحلي والتجارب العالمية، وهذا جعله أكثر تشككاً تجاه الخطابات التقليدية".
تواجه الأحزاب العراقية تحدياً واضحاً في مخاطبة الشباب، فكثير من الخطابات السياسية لا يزال يعتمد أساليب تقليدية وشعارات قديمة، بينما يتحرك الجيل الجديد ضمن عالم مختلف تحكمه التكنولوجيا والسرعة والاهتمامات المتغيرة.
ومن الموصل يقول الطالب الجامعي عمر إن "السياسيين يتحدثون بلغة لا تشبهنا، ومعظمهم بعيد من مشكلاتنا الحقيقية مثل الوظائف والسكن والتعليم".
ويعتقد شباب كثر أن الأحزاب لم تنجح في تجديد كوادرها أو منح الشباب أدواراً حقيقية داخل هياكلها التنظيمية، فغالباً ما تبقى مواقع القرار بيد القيادات التقليدية، وتوضح الباحثة الاجتماعية زبيدة السامرائي أن "الشباب العراقي اليوم يريد مساحة للتأثير الحقيقي لا مجرد دور ثانوي أو واجهة إعلامية، وعندما يشعر بأن صوته غير مؤثر فإنه ينسحب تلقائياً".
بحثاً عن النجاة
وللعامل الاقتصادي دور محوري في هذا المشهد، فمع ارتفاع نسب البطالة بين الشباب تحولت الأولويات من الاهتمام بالعمل السياسي إلى البحث عن مصدر دخل أو فرصة للهجرة، وفي إحدى مناطق الأنبار يقول الشاب الثلاثيني قتيبة الراوي، الذي يعمل في مهنة حرة، إن "السياسة بالنسبة إلى كثير من الشباب أصبحت ترفاً، ومعظم الناس يفكرون كيف يؤمنون مستقبلهم أولاً".
ويؤكد متخصصون في الاقتصاد أن الضغوط المعيشية دفعت شريحة واسعة من الشباب إلى الابتعاد من النشاط السياسي، خصوصاً مع شعورهم بأن الاصطفاف الحزبي لا يضمن مستقبلاً مهنياً مستقراً مثلما كان يعتقد سابقاً، فالتحولات الاقتصادية العالمية وانتشار العمل الحر عبر الإنترنت غيرا أيضاً اهتمامات الجيل الجديد، وأصبح كثير منهم يركز على بناء مشاريع صغيرة أو العمل الرقمي بدلاً من الانشغال بالنشاط الحزبي التقليدي.
خلال الأعوام الأخيرة تصاعدت رغبة الشباب العراقي في الهجرة، سواء بصورة قانونية أو عبر طرق محفوفة بالأخطار، ويربط متخصصون هذه الظاهرة أيضاً بحال الإحباط السياسي، ويقول الشاب كرار من محافظة بابل، والذي غادر إلى أوروبا منذ أعوام، "لم أعد أؤمن أن الأمور ستتغير قريباً، أريد فقط أن أبدأ حياة جديدة خارج بلدي، وقد بدأتها فعلياً منذ أن غادرت العراق".
ويتكرر هذا الشعور بين كثير من الشباب الذين يرون أن المستقبل خارج العراق يبدو أكثر وضوحاً من المستقبل داخله، وبالنسبة إلى بعضهم فإن الهجرة ليست مجرد قرار اقتصادي بل موقف نفسي من واقع سياسي فقدوا الثقة به، وعلى رغم كل مظاهر العزوف فإن مراقبين يؤكدون أن الشباب العراقي لم يفقد اهتمامه بالشأن العام بالكامل، بل غيّر فقط طريقته في التفاعل معه، فالجيل الجديد لا يزال يناقش القضايا السياسية يومياً لكنه يفعل ذلك خارج الأطر الحزبية التقليدية، إذ باتت الحملات الرقمية، والمبادرات التطوعية، والنشاط الثقافي، وحتى صناعة المحتوى على مواقع التواصل، أدوات جديدة للتأثير والتعبير.
ويوضح الباحث في الشأن السياسي محمد الشمري أن "العزوف الحالي لا يعني موت السياسة لدى الشباب، بل يعني انهيار الثقة في النموذج الحزبي التقليدي، وهناك اهتمام كبير بالقضايا العامة لكن بأدوات مختلفة"، مضيفاً أن كثيراً من الشباب باتوا يفضلون العمل المستقل أو المبادرات الموقتة بدلاً من الالتزام الحزبي الطويل الأمد، معتبرين أن هذا الأسلوب يمنحهم حرية أكبر ويجنبهم الاستقطابات الحادة.
وأمام هذا الواقع تجد الأحزاب العراقية نفسها أمام اختبار صعب يكمن في كيفية استعادة ثقة جيل كامل نشأ في بيئة مختلفة تماماً عن الأجيال السياسية السابقة، ويرى متخصصون أن أية محاولة لإعادة جذب الشباب تحتاج إلى تغييرات حقيقية، تبدأ بتجديد الخطاب السياسي، وفتح المجال أمام القيادات الشابة، وتقديم حلول ملموسة للأزمات الاقتصادية والخدمية، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات التقليدية، فالعلاقة بين الشباب والسياسة مرشحة لمزيد من التحول خلال الأعوام المقبلة، خصوصاً مع اتساع تأثير التكنولوجيا وتغير أنماط التفكير والعمل.