ملخص
تواجه أوروبا مخاوف متزايدة من "صدمة صينية" جديدة مع ارتفاع اعتماد صناعاتها على المكونات والواردات الصينية الرخيصة، مما يهدد المصانع المحلية.
تواجه أوروبا ما يصفه محللون ومسؤولون تجاريون بـ"صدمة صينية" جديدة، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي الاعتماد المتنامي على الواردات والمكونات الصناعية الواردة من الصين إلى إضعاف المصانع الأوروبية وفقدان الوظائف وتحول أجزاء من الصناعة الأوروبية إلى ما يشبه "الاستعمار الصناعي" من جانب بكين.
ويرى مراقبون أن انخفاض سعر صرف اليوان الصيني والدعم الحكومي الضخم للشركات الصينية المتعثرة يعيدان إلى الأذهان ما عُرف قبل ربع قرن بـ"الصدمة الصينية" داخل الولايات المتحدة، عندما أدى انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية إلى تدفق هائل للواردات تسبب في إغلاق مصانع أميركية وفقدان ما يصل إلى 2.5 مليون وظيفة.
وقال رئيس غرفة التجارة الأوروبية في بكين ينس إسكيلوند، لصحيفة "الغارديان"، إن المشكلة لا تقتصر على السلع النهائية مثل السيارات الكهربائية، بل تكمن بصورة أكبر في "الحجم الهائل للمكونات الصناعية المستوردة من الصين".
وأضاف "عندما يفكر الناس في الواردات الصينية فإنهم يركزون على السيارات الكهربائية، لكن هذا ليس جوهر المشكلة، فالمشكلة الحقيقية هي الكميات الضخمة من المكونات التي تستوردها أوروبا من الصين، وإذا كان هناك شيء يحدث فعلاً فهو أن أوروبا أصبحت أكثر اعتماداً على الصين".
ومع تغلغل المكونات الصينية بصورة أعمق في الصناعة الأوروبية، تجد بروكسل نفسها أمام خيارات صعبة.
أوروبا وتقليل الاعتماد على الصين
ووفق تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز"، يدرس الاتحاد الأوروبي حالياً إلزام الشركات الأوروبية بشراء المكونات الحيوية من ثلاثة موردين مختلفين في الأقل، في محاولة لتقليل الاعتماد على الصين.
ومن المقرر أن يعقد المفوضون الأوروبيون اجتماعاً طارئاً خلال الـ29 من مايو (أيار) الجاري، لمناقشة الإجراءات الممكن اتخاذها لمواجهة هذا التحدي.
وقال رئيس التجارة الخارجية في رابطة صناعة الآلات والمعدات الأوروبية والألمانية "في دي أم أي" رينه ريشتبرغ، إن المفوضية الأوروبية تبدي اهتماماً كبيراً بالأزمة وتسعى باستمرار للحصول على البيانات وآراء الشركات، على عكس الحكومة الألمانية التي بدت أقل تفاعلاً.
وأشار ريشتبرغ إلى أن الدعم الحكومي الضخم الذي تقدمه بكين للصناعة الصينية، وهو دعم يصعب تطبيقه في أوروبا، يجعل المنتجات الصينية أرخص بكثير.
لكن القلق الأكبر، بحسب محللين، يرتبط أيضاً بتغيرات أسعار الصرف خلال الأعوام الخمسة الماضية.
وقال الاقتصادي الألماني يورغن ماتيس إن اليوان الصيني قد يكون أقل من قيمته الحقيقية بنسبة تصل إلى 40 في المئة مقارنة باليورو، مما يضع مسؤولي المشتريات الأوروبيين أمام خيارات تجارية شبه حتمية.
وأوضح ريشتبرغ "إذا كنت تدير شركة صناعية ورأيت مورداً صينياً يقدم منتجاً بجودة تصل إلى 95 في المئة من الجودة الأوروبية لكنه أرخص بنسبة تراوح ما بين 30 و50 في المئة، فإن اختيار المورد الصيني يصبح قراراً منطقياً".
وأضاف "هذا ما يضرنا حالياً، لا يمكننا قبول هذا الوضع بعد الآن لأنه ببساطة غير عادل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأكد أن الاعتماد المتزايد على الصين يضغط بشدة على الصناعة الأوروبية، مشيراً إلى أن قطاع صناعة الآلات في ألمانيا وحده فقد 22 ألف وظيفة خلال العام الماضي.
وفي تقرير نشره موقع "سوب بوكس" المتخصص في مراقبة التجارة الصينية بالتعاون مع معهد "ميركاتور" الألماني للدراسات الصينية، حذر الباحثون من أن البيانات الحالية تشير إلى "احتمال حقيقي لابتلاع الصناعات الأوروبية"، ووصف التقرير الأرقام بأنها "أكثر إثارة للقلق مما كان متوقعاً".
فعلى سبيل المثال، تستورد أوروبا 52 في المئة من الأحماض الأمينية المستخدمة في الصناعات الغذائية والدوائية من الصين من حيث القيمة، لكن هذه النسبة ترتفع إلى 88 في المئة من حيث الحجم الفعلي للواردات.
أما في قطاع الكحوليات متعددة الهيدروكسيل المستخدمة في صناعة البلاستيك ومستحضرات التجميل والدهانات ومواد منع التجمد، فتصل حصة الصين إلى 96 في المئة من حجم الواردات الأوروبية.
ولا يكمن الخطر فحسب في شراء أوروبا مدخلات صناعية رخيصة من الصين، بل في أن الأسعار المنخفضة تجعل الإنتاج الأوروبي نفسه غير اقتصادي تدريجاً، مما يترك الاتحاد الأوروبي معتمداً بالكامل على المصدر ذاته الذي تسبب في إضعاف صناعاته المحلية.
وتظهر بيانات التجارة أن الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي يتسع بصورة متسارعة.
ويرى بعض المتخصصين أن الرسوم الجمركية التي فرضها الاتحاد الأوروبي عام 2024 على السيارات الكهربائية الصينية، والتي بلغت في بعض الحالات 35 في المئة، جرى عملياً إبطال أثرها بسبب تحركات سعر الصرف.
"الصدمة الصينية"
وقال مدير برنامج آسيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية والمستشار السابق للمفوضية الأوروبية في شؤون الصين أندرو سمول، إن جميع العوامل المرتبطة بـ"الصدمة الصينية" ما زالت قائمة، بينما تبقى الأدوات التي استخدمها الاتحاد الأوروبي حتى الآن غير كافية لمواجهة حجم الواردات الصينية.
وباتت الصين الآن الشريك التجاري الأول لألمانيا، متجاوزة الولايات المتحدة.
ووفق بيانات الجمارك الصينية، تضاعف الفائض التجاري الصيني مع ألمانيا من 12 مليار دولار إلى 25 مليار دولار بين عامي 2024 و2025، بعدما بلغت قيمة الواردات الألمانية من الصين 118 مليار دولار، بينما تراجعت الصادرات الألمانية إلى الصين إلى 93 مليار دولار.
وفقدت ألمانيا نحو 250 ألف وظيفة صناعية منذ عام 2019، وكانت أكبر الخسائر في قطاع صناعة السيارات الذي فقد وحده نحو 51 ألف وظيفة بين عامي 2024 و2025.
وقال إسكيلوند إن الاعتماد المتزايد على الصين بات يشكل "تهديداً وجودياً" للصناعة الأوروبية، مضيفاً "في أحدث استطلاع لثقة الشركات، قال 26 في المئة من أعضائنا إنهم يزيدون وجودهم الصناعي داخل الصين".
وتابع "إذا استمر الوضع بهذا المستوى فسيصبح الأمر بالغ الخطورة. نحن نشهد بالفعل عملية إزالة تصنيع، فألمانيا تخسر ما بين 10 آلاف و15 ألف وظيفة شهرياً، وفي مرحلة ما قد تتحول القضية من أزمة اقتصادية إلى قضية أمن قومي بالنسبة إلى ألمانيا".
من جانبه، قال سمول إن الصين لا تزال لا تحظى بالاهتمام الكافي في النقاش الأوروبي حول أسباب تراجع الصناعة.
وحاول الاتحاد الأوروبي طرح تشريعين لحماية الصناعة المحلية، أحدهما قانون "تسريع الصناعة" المعروف باسم قانون "صنع في الاتحاد الأوروبي"، إضافة إلى تحديث لقانون الأمن السيبراني لعام 2019 يسمح للشركات بوقف شراء منتجات صينية لأسباب أمنية.
لكن هذه الإجراءات لن تدخل حيز التنفيذ قبل عام 2027 أو بعده، مما يضع بروكسل تحت ضغط متزايد لإيجاد حلول سريعة لدعم الصناعة الأوروبية.
ويرى سمول أن فرض رسوم جمركية إضافية لم يعد خياراً عملياً، قائلاً إن أوروبا استنزفت بالفعل قدراً كبيراً من رأس المال السياسي لتمرير الرسوم السابقة على السيارات الكهربائية الصينية.
وأضاف "كان من الواضح منذ البداية أن الرسوم الجمركية وحدها لن تكون كافية لتصحيح الاختلال التجاري بصورة حقيقية، ولا أعتقد أن السياسيين الأوروبيين يرغبون في خوض المعركة نفسها مرة أخرى".
وفي المقابل، تبدو بكين في موقع أقوى، إذ يرى مراقبون أن الصين لا تحتاج إلى تعطيل كل الإجراءات الأوروبية الجديدة، بل يكفيها إبطاء تنفيذها وتعقيدها لضمان استمرار تدفق صادراتها إلى أوروبا.