Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجمال في عصر الذكاء الاصطناعي... لماذا تبدو الوجوه متشابهة؟

مع انتشار نزعات الـ "مانوسفير" على الإنترنت، بدأت صورة صارمة للمرأة المثالية تنتقل من تطبيقات تعديل المظهر بالذكاء الاصطناعي إلى عيادات جراحي التجميل، ونحاور خبراء في شأن "وجه ستايسي" الذي يُنظر إليه باعتباره أعلى مراتب الجمال الأنثوي

 قبل وبعد: النتيجة التي حصلت عليها ليديا بعدما طلبت من الذكاء الاصطناعي "تحسين" مظهرها (ليديا سبنسر-إليوت/ إكس)

ملخص

تحول هوس تحسين المظهر عبر الذكاء الاصطناعي ومنتديات "لوكسماكسينغ" إلى سوق قاسٍ يبيع الفتيات والنساء وعداً مستحيلاً بوجه مثالي، من "ستايسي" إلى الجراحة والفلاتر وقوائم العيوب التي لا تنتهي. الخطر لم يعد في معايير الجمال وحدها، بل في صناعة تستثمر في هشاشة المراهقين وتدفعهم إلى مطاردة نسخة مصطنعة من أنفسهم، بينما قد تكون النجاة النفسية في قبول العادية لا الهروب منها.

أنا أحدق في وجهي لكنه لا يشبهني، تغمره نعومة غريبة، كأنه دمية باربي زُرعت فيها عينان بشريتان.

أنفي ضيق على نحو غير طبيعي، وشفتيّ ممتلئتان وبارزتان، ووجنتاي غائرتان برفق، كما لو أنني قضيت أسابيع لا أتناول ما يكفي من الطعام، ولو رأيت هذا الوجه في المرآة غداً، لصرخت فزعاً.

بحسب الإنترنت، وبفضل بعض التحسينات التي أدخلها برنامج الذكاء الاصطناعي "غروك" التابع لإيلون ماسك على وجهي، أصبحت الآن "ستايسي" Stacey، أو "Stacy" بالصيغة الأميركية للاسم، وهو مصطلح نشأ في مجتمعات الـ "مانوسفير" على الإنترنت، ويشير إلى أعلى فئة من الجمال الأنثوي، وفق تصور صارم لصفات بعينها، منها العيون الواسعة، وعظام الخد البارزة، وانخفاض مؤشر كتلة الجسم، والأنف المرفوع، والشفاه الممتلئة، أما من لا تمتلك هذه الصفات، فتُختزل في تصنيف آخر هو "بيكي"، أي المرأة العادية في قاموس هذه المجتمعات.

على مدى العامين الماضيين تقريباً، خرجت هذه المصطلحات من هامش الإنترنت إلى لغته اليومية، وبرز مصطلح "لوكسماكسينغ"، أي تحسين المظهر إلى أقصى درجة ممكنة، في سياق الحديث عن شبان مثل المؤثر كلافكيولار، واسمه الحقيقي برادن بيترز، ممن يروجون لممارسات خطرة مثل محاولات كسر العظام لإعادة تشكيلها، والحميات القاسية، وتكبير الذقن، سعياً إلى ملامح أكثر حدة ونحتاً، لكن الهوس نفسه لم يعد حكراً على الرجال، فالنساء أيضاً يغيرن ملامحهن سعياً إلى بلوغ صورة "ستايسي".

تقدم المؤثرة ألورا زيفا (18 سنة) نفسها بوصفها "المرأة الأولى في لوكسماكسينغ"، وقد حصدت 20 مليون إعجاب على "تيك توك"، ولديها قرابة 250 ألف متابع على "إنستغرام"، وتعرض على معجبيها تعلّم أسلوبها في مقابل 79 دولاراً (58 جنيهاً إسترلينياً) شهرياً، وبدأت شهرتها عندما كانت في الـ 16، بعد ظهورها في بث مباشر مع برادن بيترز، الذي زعمت لاحقاً أنه اعتدى عليها وحقن وجنتيها بعقار "أكواليكس" المذيب للدهون.

ومع ذلك كتبت امرأة في منتدى على "ريديت" مخصص لنصائح "لوكسماكسينغ"، "أريد أن أصبح ستايسي"، مضيفة "أريد نصائح في شأن الجراحة أيضاً، كنت أريد من الحياة أكثر، وأعرف أن الجمال يمنح صاحبه امتيازاً، لذلك قررت أنني إذا لم يعجبني ما أملك، فسأطوّر نفسي، لأنني أستطيع تغيير نفسي، ولا أستطيع تغيير الآخرين".

 

 وتتراوح النصائح بين التمارين الرياضية القاسية وجراحة خفض خط الشعر، ويقول أحدهم "الدهون تفسد كل شيء".

تقول مؤلفة كتاب "اللحم الرقمي: كيف تضر ثقافة الجمال السامة بالنساء"، إيلين أتلانتا، إن "[لوكسماكسينغ] يُنظر إليه في هذه الثقافات باعتباره استجابة عقلانية جداً لتحقيق المكانة والثروة"، مضيفة "لقد وجد المؤثرون والمشاهير في هذا الوجه الواحد طريقاً إلى النجاح، ومن الواضح أن ذلك ينجح، ولذلك يصعب جداً المجادلة ضده".

أما أن تعرض صورتك على منتديات الإنترنت كما لو أنك تلقيها إلى أسماك البيرانا، فهذا أمر مرعب تماماً بالنسبة إليّ، يقول المعالج النفسي ومدير "عيادة علاج صورة الجسد"، توماس ميدجلي، إن "الأشخاص الذين يفعلون ذلك لا يملكون ثقة راسخة ومتعددة المصادر بأنفسهم، لديهم نقص في تقدير الذات ويبحثون عن صورة مثالية يملأون بها ذلك الفراغ، ولذلك فإن الأكثر عرضة للتأثر بهذه الظاهرة أو الانجذاب إليها هم، على الأرجح، الأكثر هشاشة".

على تطبيق الدردشة "ديسكورد"، تبحث فتيات في الـ 13 والـ 14 عن نصائح تساعدهن في الصعود إلى مرتبة "ستايسي"، وحتى إن لم يجدن ضالتهن هناك فيمكنهن اللجوء إلى التطبيقات والذكاء الاصطناعي للحصول على لمحة عما قد يصبح عليه مظهرهن، ومعها دليل مفصل وخطر إلى طريق التحول.

مجاناً أو مقابل مبلغ بسيط، تولد تطبيقات مثل "يوماكس" و"غلويدس" نسخة محسنة منك بدرجة 10 من 10، ثم تحيلك إلى منتجات تزعم أنها قادرة على إصلاح عيوبك، لكن أقسى دليل وأكثره فاعلية عثرت عليه في عالم "لوكسماكسينغ" كان "غروك"، برنامج الذكاء الاصطناعي التابع لإيلون ماسك، ففي أقل من خمس ثوان صقل وجهي حتى بدا كأنه مغطى بطبقة لامعة، ثم أخبرني بأنني قد أستفيد من عملية تجميل بسيطة للأنف، وحشو تحت العينين، وحشو منتصف الوجه، وتحسين الفك عبر مضغ علكة شديدة القساوة يومياً مدة عام، وكتب إلى جانب صورتي الجديدة اللامعة "أنتِ بدرجة 7 إلى 7.5 من 10 طبيعياً، ولديكِ إمكان واضح للوصول بسهولة إلى 8.5 فما فوق بجهد ذكي ومتواصل".

 

قالت لي رفيقتي في السكن عندما أريتها الصورة "أشعر أنها جعلتك تبدين أكبر سناً بطريقة ما"، وكنت أشعر فعلاً بأنني كبرت، وبأن التعب نال مني لمجرد قراءة قائمة عيوبي التي لا تنتهي، فبعد أن فرغ التطبيق من تحليلي بدا أن عليّ تحسين حب الشباب، وشفتيّ الرقيقتين، وجسدي غير المشدود، وشعري الباهت، ووجنتيّ غير المحددتين، ووضعيتي السيئة، وحاجبيّ غير المصبوغين، مع أنني في الصورة التي رفعتها كنت أضع مكياجاً كاملاً، وكنت قد خضعت أخيراً للـ "بوتوكس".

لكن مشكلة "لوكسماكسينغ" أنك لا تبلغ فيه الحد الأقصى أبداً، ويقول ميدجلي "لا يهم كم يبدو مظهرك جيداً اليوم، فالأمر لا ينجح إلا إذا كنت في حال تحسّن مستمر، وهذا هو جوهر المسألة".

وتضيف أتلانتا "تستولي هذه الصناعة في كل مرة على جزء جديد منك، تبدأ في العثور على تفاصيل أصغر فأصغر، وتفصلها عنك لتفحصيها وتقرري أنها خاطئة، تقلق الفتيات في شأن إبطيهن وذقونهن وآذانهن، وهناك صناعة جاهزة لتغيير كل ذلك لكنها ستمنحك دائماً سبباً جديداً للشعور بالنقص، كي تواصل جني المال منك. لا نهاية لهذا الطريق".

وبينما أغلقت حاسوبي المحمول متنهدة بإحباط، كان آخرون يأخذون هذه الصور التي يولدها الذكاء الاصطناعي إلى عيادات جراحي التجميل، طالبين "الحزمة كاملة"، وتقول جرّاحة التجميل نورا نيوجنت "إنه منزلق خطر، لأنه قد يتحول إلى انفصال بين الواقع وصور الذكاء الاصطناعي، وقد يجد المرء نفسه يطارد المستحيل، ونحن نرى بالتأكيد زيادة في هذا النوع من الصور".

 

تروي نيوجنت أن أحد العملاء جاء إلى عيادتها طالباً زرع غرسات في الذقن والخدين والفك، بعدما أخبره الذكاء الاصطناعي بأنه يحتاج إلى هذه الإجراءات، وتقول "لا يمكن أن تضع هذا العدد من الغرسات في وجه أي شخص، فإما أن يبدو مثل الكرة المنتفخة، أو أن تصبح ملامحه محددة بصورة مفرطة ومبالغ فيها جداً، وهناك خط فاصل تتوقف عنده النتيجة عن أن تكون جميلة، وتبدأ في التحول إلى شيء غريب".

وتشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين يلتقطون صور السيلفي وينشرونها بكثرة، ويتعاملون مع أنفسهم كموضوع دائم للنظر والتقييم عبر الإنترنت، يسجلون مستويات أقل من الرضا عن أجسادهم، ومستويات أعلى من القلق، وثقة أدنى بالنفس مقارنة بمن يكتفون بالتصفح من دون مشاركة، وتقول الدكتورة هيلينا لويس-سميث "لا تزال الأبحاث حول 'لوكسماكسينغ' في بداياتها، لكن يمكننا أن نتوقع أنه سيزيد الضغوط المرتبطة بالمظهر أكثر فأكثر".

وتضيف "ما يثير قلقنا بصورة خاصة هو صغر سن مستخدمي هذه المنتديات، وأجسادهم لا تزال تتغير، وهم لا يزالون في طور النمو، ولذلك فهم في غاية الهشاشة".

 

ليست كل التعليقات في منتديات "لوكسماكسينغ" في شأن التحول إلى "ستايسي" سلبية، لكن لويس-سميث تقول إن ذلك لا يغير كثيراً في جوهر المشكلة، وتوضح "حتى التعزيز الإيجابي يزيد التعلق بالمظهر والقلق في شأن صورة الجسد، ونحن نشجع الناس على نقل التركيز بعيداً من المظهر تماماً، وعلى رؤية الأشخاص والاحتفاء بهم لذواتهم، لا لمظاهرهم".

وقد تأتي هذه الحكمة أحياناً مع التقدم في العمر، يقول ميدجلي مطمئناً "تنمو لاحقاً حكمة أكثر تعقيداً، ولا يعود الناس راغبين في أن يُعرفوا بمظهرهم فقط، بل يريدون أن يكونوا أكثر من ذلك"، وأنا في أواخر الـ 29 أشعر أن هذا الإدراك بدأ يتسلل إليّ، وهذه نعمة صغيرة في الأقل، وقد لاحظت أن قلة من مستخدمي هذه المنتديات ممن تجاوزوا الـ 30 يطلبون النصيحة، ومع ذلك يقلق ميدجلي من غياب القيود التي تحمي المراهقين في الوقت الراهن، فحين يفقد المرء تقديره لذاته فقد يحتاج إلى رحلة علاج طويلة لاستعادته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول "تضع أستراليا والاتحاد الأوروبي تدابير حماية قوية لتنظيم استخدام الأطفال للإنترنت، في حين اختارت حكومتنا إعطاء الأولوية للأعمال والذكاء الاصطناعي، إنها عقلية الانتظار والترقب، هل نلحق بأطفالنا ضرراً أكبر بهذه المقاربة؟ على الأرجح نعم".

قبل نحو 30 عاماً كنا نقارن أنفسنا بأكثر شخص جاذبية في قريتنا، أو ربما بأشهر نجم سينمائي، أما اليوم فلدينا مليارات الوجوه المعدلة بالفلاتر في متناول أيدينا، وبينما يتدافع الجميع للحصول على "وجه ستايسي" نفسه، تبدو المفارقة أن أفضل ما يمكن أن تكونه، حفاظاً على سلامتك النفسية، هو أن تكون عادياً، أو إن شئت، أن تكون "بيكي".

يقول ميدجلي إن معظم من يعمل معهم يقفون عند أحد طرفي طيف الجمال، إما أشخاص ظلوا طوال حياتهم موصوفين بأنهم "الجميلون" أو "الرياضيون"، أو أشخاص وُصفوا بالعكس تماماً، ويضيف "ربما يوفر المظهر العادي أو البسيط قدراً من الحماية"، موضحاً أن هذه البساطة قد تجعل الناس أكثر ميلاً إلى بناء قيمتهم حول صفات شخصية، مثل خفة الظل أو اللطف، ومع هذا كله جمعت تطبيقات "لوكسماكسينغ" ضغطت زر الحذف.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات