Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب تعيد تشكيل اللهجة السودانية بلغة العنف

المجتمع لا يشعر بالتحول لحظياً لكنه يكتشف لاحقاً أن مفرداته نفسها أصبحت أكثر خشونة وأكثر قرباً من لغة الصراع

مفردات العنف تشير إلى شكل من أشكال التكيف الجمعي مع ضغط مستمر في السودان (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ملخص

المجتمعات في حالات النزاع الطويل تميل إلى إعادة تشكيل خطابها اليومي بطريقة تعكس قدرتها على الاحتمال.

منذ اندلاع الحرب في السودان قبل أكثر من ثلاثة أعوام، تسللت مفردات مثل "دانات" و"قصف" و"اشتباكات" و"نزوح" إلى تفاصيل الحديث اليومي، من دون أن تبقى محصورة في نشرات الأخبار، إذ أصبحت تستخدم لوصف الازدحام أو الفوضى وغيرها، كذلك صار يرددها الأطفال أثناء اللعب، محاكين ما يسمعونه من دون إدراك كامل لثقله.

هذا التحول في اللغة لم يكن لحظة مفاجئة، بل جاء تدريجاً مع تكرار المشهد اليومي للحرب، فالكلمات التي كانت تقال بحذر، باتت تستخدم بعفوية، وكأنها فقدت قدرتها على الصدمة، ومع مرور الوقت أصبحت اللغة جزءاً من واقع يتشكل ويتكرر عبرها.

في هذا السياق يبرز سؤال يتجاوز اللغة ذاتها، هل تعكس مفردات الحرب ما يعيشه السودانيون اليوم أم أنها، مع الوقت، تسهم في جعل هذا الواقع أكثر اعتياداً؟

تبلد عاطفي

يقول الاختصاصي النفسي هشام الأمين إن "التغير في لغة الناس ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشراً عميقاً إلى ما يحدث داخلياً"، مضيفاً "كثير من المرضى لا يبدأون بسرد مشاعرهم، بل بوصف يومهم بمفردات مشبعة بالعنف، حتى في غياب خطر مباشر. واستخدام كلمات مثل قصف خفيف أو اشتباك بسيط يعكس ما يعرف نفسياً بالتكيف الدفاعي، حين يحاول العقل تقليل حدة التجربة عبر تخفيف وقعها لغوياً".

واستطرد الأمين أن "اللغة هنا تصبح وسيلة لحماية النفس من الانهيار، لكنها في الوقت ذاته قد تخفي حجم الصدمة الحقيقة، والتكرار المستمر لهذه المفردات يؤدي إلى ما يسمى التبلد العاطفي، إذ تفقد الكلمات قدرتها على إثارة الاستجابة الطبيعية للخطر أو الألم. ومع مرور الوقت قد يصبح التعامل مع العنف، ولو على مستوى اللغة، أكثر اعتياداً وأقل إثارة للرفض".

ويحذر من أن "هذا النمط، إذا استمر من دون وعي، قد يؤثر في الأجيال الأصغر، التي تتشكل مفاهيمها من خلال ما تسمعه يومياً، "فالأطفال لا يفصلون بين اللعب والواقع بسهولة، وعندما تصبح مفردات الحرب جزءاً من لغتهم، فإنهم يطبعونها نفسياً كجزء من الحياة".

ويختم الاختصاصي النفسي حديثه بالقول "اللغة لا تعكس الصدمة فقط، أحياناً تخفيها وأحياناً أخرى تعيد إنتاجها بصمت".

تكيف جمعي

في قراءة لتحول الخطاب اليومي خلال الحرب في السودان، يرى الباحث في مجال الإعلام طه الحسين أن "اللغة لم تعد مجرد أداة محايدة لنقل الأخبار، بل أصبحت جزءاً فاعلاً في تشكيل طريقة إدراك الناس للواقع".

ويشير إلى أن "التكرار المكثف لمفردات مثل قصف ودانات واشتباكات ونزوح في التغطيات الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي، أسهم في انتقالها من سياقها المهني الدقيق إلى الاستخدام اليومي العادي. والإعلام بطبيعته مضطر إلى استخدام توصيفات مباشرة لما يحدث على الأرض، لكن الإشكال لا يكمن في المفردة ذاتها، بل في طريقة تلقيها خارج سياقها الكامل".

وزاد الحسين "مثلاً نجد في الخبر الصحافي كلمة مثل ’قصف‘ تكون مرتبطة بتفاصيل، موقع أو زمن أو خسائر بشرية أو مادية، لكن عندما تنتقل إلى التداول اليومي، تجرد من هذا السياق وتصبح مجرد كلمة وصفية عابرة".

وأردف أن "وسائل التواصل الاجتماعي أدت دوراً مضاعفاً في هذا التحول، إذ لم تعد الكلمات تستخدم فقط لنقل الحدث، بل لإعادة إنتاجه بصيغ مختصرة أو ساخرة أو حتى يومية. هذا النوع من التداول السريع للمفردات يقلل من ثقلها الدلالي، ويجعلها أقرب إلى اللغة العادية منها إلى اللغة المرتبطة بالخطر".

ويرى أن "هذه العملية لا تعني بالضرورة أن الناس فقدوا إدراكهم لحجم العنف، لكنها تشير إلى صورة من صور التكيف الجمعي مع ضغط مستمر، فالمجتمعات تحت الصدمة لا تتوقف عن استخدام اللغة القاسية، لكنها تعيد تنظيم علاقتها بها بحيث تصبح أقل إيلاماً على المستوى النفسي".

ومضى الباحث بمجال الإعلام يقول "في المقابل، هذا التكيف اللغوي قد يحمل أثراً طويل المدى على الوعي العام، إذ يمكن أن يسهم في جعل العنف يبدو مألوفاً أو أقل استثنائية مما هو عليه فعلياً عندما تصبح اللغة اليومية محملة بالعنف من دون حساسية كافية تجاهه، فإن ذلك ينعكس تدريجاً على طريقة فهم المجتمع لما هو طبيعي وما هو غير مقبول".

مرآة مباشرة

من جانبه لفت الباحث في علم الاجتماع سامر عبدالرحمن إلى أن "اللغة في سياق الحرب لا تعد مجرد انعكاس لما يحدث، بل هي في كثير من الأحيان مرآة مباشرة للحال النفسية والاجتماعية التي يعيشها الناس". وبين أن "التحول في المفردات المستخدمة يومياً في السودان خلال الحرب يعكس مستوى الصدمة الجماعية بقدر ما يعكس الحدث نفسه".

وتابع سامر أن "استخدام كلمات مثل: قصف ونزوح في الحديث اليومي لا يمكن فصله عن حال التوتر المستمر التي يعيشها الأفراد، فاللغة هنا تتحول إلى سجل غير مباشر للصدمة، فهي لا تصف فقط ما يحدث، بل تكشف كيف يجري استيعابه داخلياً".

وكشف عن أن "المجتمعات في حالات النزاع الطويل تميل إلى إعادة تشكيل خطابها اليومي بطريقة تعكس قدرتها على الاحتمال، فبدلاً من استخدام تعبيرات محملة بالانفعال، يتم اللجوء إلى لغة أكثر اختصاراً وحياداً نسبياً، كنوع من تنظيم الفوضى النفسية المحيطة. هذا ليس تبسيطاً للواقع بقدر ما هو محاولة للسيطرة عليه لغوياً".

ونوه بأن "هذا التحول لا يحدث بطريقة فردية، بل يتكون تدريجاً عبر التفاعل الاجتماعي، إذ تنتقل العبارات من سياق إلى آخر حتى تصبح جزءاً من اللغة المشتركة، ومع الوقت تفقد بعض الكلمات حدتها الأولى، لكنها في المقابل تكتسب معنى جديداً مرتبطاً بالتجربة الجمعية نفسها".

وأتم الباحث في علم الاجتماع قائلاً "اللغة في أوقات الصدمات الكبرى لا تنفصل عن الواقع، بل تصبح إحدى طرق النجاة منه، لكنها في الوقت نفسه تحمل أثره في كل جملة تقال".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إعادة إنتاج

في المنحى ذاته، يشير الكاتب والباحث في قضايا الخطاب العام عادل موسى إلى أن "أخطر ما في تحول لغة الحرب في السودان لا يكمن فقط في تغير المفردات أو تكرارها، بل في الطريقة التي تعيد بها هذه اللغة إنتاج العنف داخل الوعي الجمعي. عندما تستخدم بصورة يومية لوصف واقع دموي، لا تكتفي بعكسه، بل تسهم في تثبيته كجزء من المألوف".

وأضاف عادل أن "الكلمات حين تستهلك بكثرة تفقد جزءاً من قوتها الصادمة، لكنها لا تفقد أثرها بالكامل، فما يحدث هو أن العنف لا يختفي من اللغة، بل يعاد تقديمه في صورة قابلة للاستهلاك اليومي، وهذا التحول يجعل الحدود بين الاستثناء والاعتياد أكثر ضبابية".

وواصل أن "تكرار مفردات مثل قصف واشتباكات في الإعلام والسوشيال ميديا والحديث اليومي، يخلق نوعاً من الذاكرة اللغوية المشبعة بالعنف، بحيث يصبح استدعاء هذه الكلمات تلقائياً حتى في مواقف لا تتطلبها، فاللغة هنا لا تصف الواقع فحسب، بل تعيد تشكيل الطريقة التي يفهم بها هذا الواقع".

ويرى أن "خطورة هذا المسار تكمن في أنه يحدث تدريجاً وبلا وعي مباشر، ما يجعل ملاحظته صعبة، فالمجتمع لا يشعر بالتحول لحظياً لكنه يكتشف لاحقاً أن مفرداته نفسها أصبحت أكثر خشونة، وأكثر قرباً من لغة الحرب".

وأكد الباحث في قضايا الخطاب العام أن "إعادة إنتاج العنف لغوياً لا تعني تبريره، لكنها قد تؤدي إلى تطبيعه إذا لم ينتبه إلى أثر اللغة نفسها، فالكلمات ليست مجرد وصف لما يحدث بل هي أيضاً جزء من كيفية استمرار هذا الحدث في الوعي".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير