ملخص
قرار عسكري بمصادرة 7 آلاف متر مربع من حي الجابريات بهدف إنشاء قاعدة عسكرية جديدة للجيش داخل منطقة "أ"، على بعد 200 متر من حدود مخيم جنين.
أصدر الجيش الإسرائيلي 8 أوامر وضع يد على أراضٍ في جنين، طاولت 674 ألف متر مربع لما سماها "دواعي أمنية".
في كل مرة كانت عائلة قبها تخرج من منزلها في حي الجابريات بمدينة جنين شمال الضفة الغربية لـ"ضرورات أمنية" بأوامر عسكرية من الجيش الإسرائيلي، كانت تيقن بأنها ستعود عاجلاً أم آجلاً. فالحي الفلسطيني المعروف بأنه أعلى نقطة في جنين ويطل مباشرة على مخيمها، مأهول بالسكان ومصنف كمنطقة "أ" ويتبع بالكامل لسيطرة السلطة الفلسطينية مدنياً وعسكرياً. إلا أن الأطماع الإسرائيلية هذه المرة حطمت كل ما تبقى لهم من طمأنينة، فقائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، آفي بلوت، أصدر قراراً عسكرياً بمصادرة 7 آلاف متر مربع من الحي بهدف إنشاء قاعدة عسكرية جديدة للجيش داخل منطقة "أ"، على بعد 200 متر من حدود مخيم جنين، الذي جاء امتداداً لأمرين عسكريين سابقين صدرا في مارس (آذار) الماضي، استهدفا أراضي بلدة عرابة جنوب غربي المدينة من خلال الاستيلاء على 128.6 ألف متر مربع، لغرض توسعة موقع عسكري شرق البلدة، وأمراً آخر بالاستيلاء على نحو 4 آلاف متر مربع، بغرض شق طريق في المنطقة ذاتها. وبحسب منظمة "كرم نابوت" الإسرائيلية المتخصصة برصد أنشطة الاستيطان، فإن الهدف من إقامة قاعدة عسكرية في حي الجابريات وهو منطقة فلسطينية خاصة، يهدف إلى حماية مستوطنتين ستقامان قريباً على بعد بضعة كيلومترات شرق هذه القاعدة، أخليتا في عام 2005 ضمن خطة "فك الارتباط"، وقررت الحكومة الإسرائيلية أخيراً إعادة بنائهما.
ضغوط كبيرة
ووفقاً لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، تنفذ القوات الإسرائيلية منذ الـ21 من يناير (كانون الثاني) 2025، عمليات عسكرية واسعة في شمال الضفة الغربية بمخيمات جنين وطولكرم، وسميت العملية "السور الحديدي"، وأدت إلى نزوح ما يقرب من 40 ألف فلسطيني. وإلى جانب تكثيف الاقتحامات اليومية للمدينة وبلدات المحافظة وقراها، قتلت القوات الإسرائيلية منذ بدء العملية حتى مطلع العام الجاري في محافظة جنين وحدها، أكثر من 87 فلسطينياً، وأصابت أكثر من 300 آخرين، فيما لا تزال أعمال التجريف والهدم في حارات المخيم وأحيائه، تمارس بصورة يومية مع شق الطرق وتواصل تعبيدها، وسط إغلاق كامل للمخيم من جميع مداخله ومنع الدخول إليه. وبحسب بلدية جنين، فقد هدمت السلطات الإسرائيلية ما يقارب 600 منزل بالكامل، و1000 وحدة سكنية جزئياً، حيث طال الدمار ثلثي مساحة المخيم، وأجبرت نحو 22 ألف مواطن على النزوح من داخله ومحيطه، في وقت تواصل إغلاق مقرات "أونروا" ومنع السكان من تلقي الخدمات والتعليم، إضافة إلى إغلاق مدرستين حكوميتين في محيطه، مما أثر بصورة مباشرة في انتظام الطلبة الذين توزعوا على مدارس المحافظة بحسب مناطق نزوحهم. وأفادت غرفة تجارة جنين بأن الاقتصاد في المحافظة لا يزال يعاني حتى اليوم ضغوطاً كبيرة، نتيجة الاقتحامات اليومية التي تجبر أصحاب المحلات على الإغلاق بحلول الساعة الخامسة مساء، حيث تسببت العملية العسكرية بإغلاق قرابة 1200 منشأة تجارية، وقدرت الخسائر الاقتصادية في المحافظة بنحو320 مليون دولار، إضافة إلى خسائر يومية في قطاع البنية التحتية تتجاوز 8 ملايين دولار.
خطة مفصلة
ووسط مطالبات فلسطينية متواصلة بتدخل دولي عاجل لوقف الانتهاكات وضمان حماية المدنيين الفلسطينيين، في ظل استمرار العمليات العسكرية اليومية والاقتحامات، جاءت المصادرة الأخيرة في مناطق "أ" في سياق سياسي متصاعد داخل إسرائيل يعيد طرح مشروع قانون يقضي بإلغاء اتفاقية أوسلو التي أبرمت في عام 1993 ومنع إقامة دولة فلسطينية. وبحسب ما أفادت به "القناة 12" الإسرائيلية، تناقش اللجنة الوزارية الإسرائيلية للتشريعات حالياً مشروع القانون الذي تقدمت به نائب رئيس الكنيست، ليمور سون هار ميليخ، لاعتبارها أن اتفاقات أوسلو "لم تحقق السلام، بل أدت إلى تصاعد العنف والإرهاب"، على حد تعبيرها. مضيفة أن الوقت قد حان لما وصفته بـ"التصحيح الوطني". ودعت ميليخ في منشور لها عبر منصة "إكس"، إلى إلغاء الاتفاقات بالكامل، وضرورة تعزيز الاستيطان في المناطق المصنفة "أ" و"ب" وفق اتفاقات أوسلو، مؤكدة التزامها منع قيام دولة فلسطينية. وبحسب نص مشروع القانون، فإنه يقضي بإلغاء جميع الاتفاقات الموقعة سابقاً بين إسرائيل و"منظمة التحرير" الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، بحيث لا تعود ملزمة للدولة أو لأي جهة تابعة لها. كذلك يتضمن المشروع إلغاء التشريعات المرتبطة بتنفيذ تلك الاتفاقات، بهدف إعادة الوضع القانوني والأمني إلى ما كان عليه قبل توقيع اتفاق أوسلو في واشنطن عام 1993.
ويربط مقدمو المشروع من حزب "عوتسما يهوديت" بين الاتفاقات والواقع الأمني الحالي، وأعربوا عن اعتقادهم بأنها شكلت، وفق ادعائهم، أساساً للتطورات التي أدت إلى أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، مشيرين إلى أن "اتفاقات أوسلو تسببت بآلاف القتلى وأضرت بأمن إسرائيل". وأعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قبل أيام عن خطة مفصلة ينوي طرحها على المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية، تهدف إلى إنهاء التصنيفات الجغرافية (أ وب وج) التي أُقرت ضمن اتفاقات أوسلو، وتوسيع صلاحيات الوزارات والشرطة الإسرائيلية لتشمل مختلف مناطق الضفة الغربية. وخلال كلمة ألقاها قبل أيام، خلال احتفال أُقيم في مدرسة دينية بالقدس، قال سموتريتش في تصريحاته إن حكومته تسعى إلى تغيير الواقع القائم في الضفة الغربية، مضيفاً "سنزيل الخطوط التي تفصل بين مناطق (أ وب وج). لقد وضعت هذا الأسبوع خطة مفصلة على طاولة رئيس الحكومة، مع خرائط دقيقة ومنظمة، وأدعو رئيس الحكومة إلى عقد الكابينت وإقرارها لأن أرض إسرائيل كلها لنا". وبحسب سموتريتش، فإن المرحلة الأولى من الخطة ستتضمن حصر صلاحيات السلطة الفلسطينية في إدارة بعض الملفات المدنية مثل النفايات والصرف الصحي، وذلك بدعوى "منع التلوث البيئي الذي قد يؤثر على المستوطنين"، إلى جانب توسيع صلاحيات الوزارات الإسرائيلية، كالمياه والآثار والشرطة، لتشمل المناطق المصنفة "أ". كذلك أشار إلى أنه سيجري تحميل السلطة الفلسطينية أعباء مالية تتعلق بفوائد متراكمة على ديون شركات الكهرباء والمياه والتحويلات الطبية، مع وقف تحويل أي أموال يُشتبه في استخدامها للتحريض ضد إسرائيل، بحسب تعبيره.
استيطان قديم
وفي خطوة تعكس توجهات سموتريتش لإعادة ترسيخ الوجود الاستيطاني من السكن الموقت إلى إقامة بنية استيطانية دائمة في المناطق التي أُخليت سابقاً، خصوصاً في محافظة جنين، صادق المجلس الأعلى للاستيطان، للمرة الأولى منذ 20 عاماً، على خطة لبناء 126 وحدة سكنية في مستوطنة "صانور" على أن تشمل بيوتاً خاصة إلى جانب مبان سكنية متعددة الطوابق، وذلك في محيط القلعة التاريخية داخل المستوطنة. ورأى رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية، يوسي دغان، أن هذه الخطوة تشكل "تصحيحاً حقيقياً لجريمة الإخلاء التي جاءت ضمن خطة فك الارتباط عام 2005". وكان الكنيست الإسرائيلي قد صادق في الـ14 من مارس 2023، على تعديل قانوني يمهد لإعادة العمل في مستوطنات "صانور" و"غانيم" و"كديم" و"حومش" على أن يجري إخضاع هذه المناطق للسيطرة الأمنية والمدنية الإسرائيلية الكاملة. وبحسب بيانات دائرة التوثيق والنشر في هيئة شؤون مقاومة الجدار والاستيطان، فقد أصدر الجيش الاسرائيلي ثمانية أوامر وضع يد على أراض في جنين، طالت 674 ألف متر مربع لما سماها "دواعي أمنية". ويشير مدير دائرة التوثيق في الهيئة أمير داوود إلى أن السلطات الإسرائيلية كثفت استهداف جنين ومحيطها، خلال العقدين الأخيرين، لتحضير "بنية أمنية" للعودة إلى المستوطنات. من جهته، أوضح الناشط الإسرائيلي درور إتكس من منظمة "كرم نبوت" الإسرائيلية أن القرار يمثل عودة إلى الوراء 30 عاماً، عندما كان الجيش الإسرائيلي يتمركز داخل المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، وكان يحتفظ بوجود مكثف حول مخيمات اللاجئين، مشيراً إلى أن "الجيش يعود للسيطرة على كامل شمال الضفة الغربية عبر ممارسة عنف منفلت". في حين يصف رئيس مركز "يبوس" للدراسات سليمان بشارات، السلوك الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية خصوصاً في محافظة جنين، بـ"إعادة الهندسة الجغرافية والديموغرافية لإعادة تشكيل المنطقة من جديد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أوضاع متدهورة
ووفقاً لما ذكرته قناة "i24NEWS" الإسرائيلية، فإن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية "الكابينت"، الذي صادق في أبريل (نيسان) الماضي "سراً" على إقامة 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، وافق على إقامة مستوطنتي "نوعا" و"عيمق دوتان"، داخل جيوب تقع بين منطقتي" أ" و"ب" شمال الضفة الغربية. وذكرت القناة أن مستوطنة "نوعا" ستقام جنوب "جانيم" و"كاديم" قرب بلدة قباطية جنوب جنين، فيما ستعمل "عيمق دوتان" على ربط مستوطنات "صانور" و"حومش" و"شافي شومرون". وقد تطرقت هيئة الأمم المتحدة، خلال إحياء الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية في نيويورك قبل أيام، إلى استمرار تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، مشيرة إلى تصاعد عمليات النزوح القسري في الضفة الغربية وقطاع غزة. وأكدت أن قوات الجيش أجبرت منذ مطلع عام 2025، أكثر من 40 ألف لاجئ فلسطيني على النزوح القسري من مخيمات شمال الضفة الغربية، في حين يواجه مخيم جنين وسكانه أوضاعاً إنسانية واقتصادية وتعليمية هي الأصعب منذ عقود.