ملخص
"لم يكن في خيال سكان الخرطوم الهادئة أن يصحوا على أصوات الرصاص والمدافع والطائرات التي أحالت العاصمة الوادعة إلى أطلال بعد الدمار والتخريب، مما أدى إلى ضياع الإرث التاريخي لكثير من الأسر بخاصة العلماء والمفكرين والمبدعين، وكذلك الشعراء والفنانين والرياضيين، وباتت الخرطوم بين ليلة وضحاها عاصمة بلا ذاكرة".
لم يكن منزل البروفيسور عبدالله الطيب، أحد أبرز أعلام اللغة العربية في السودان والعالم العربي، مجرد جدران عاش بداخلها قبل رحيله، بل كان يضاهي المتاحف والمراكز الثقافية بما يحتويه من كتب ومقتنيات ولوحات كانت حصيلة تجواله برفقة زوجته البريطانية جريزلدا الطيب، وهما ينشران العلم والفن في أفريقيا والعالم العربي.
في حادثة صادمة لقطاع الثقافة والأدب والفكر في السودان تعرض منزل الطيب في ضاحية بري العريقة بالخرطوم للتدمير والتخريب، واختفت مكتبته ومقتنياته الثقافية النادرة تحت ركام الحرب، وتحول إلى أطلال للذكريات، وبات عبارة عن كومة من الخراب.
وتداولت منتديات السودانيين بمواقع التواصل الاجتماعي صور المنزل الصادمة بكثير من الحسرة والغضب والاستياء كون دمار البيت يتجاوز حدود الخسارة المادية، ويمثل ضياع جزء من الذاكرة الثقافية السودانية.
قيمة تاريخية
في السياق يقول المخرج السوداني الطيب صديق "كنا نزور هذا البيت ونحن أطفال، وكنا نشعر أننا في مكان جميل ومختلف، لكنني أمس شعرت بحزن عميق على ضياع قيمة عظيمة وإرث كان يمكن أن يفيد الأجيال كثيراً لولا لعنة الحرب".
وأضاف "هذا المنزل بالنسبة إلى من يعرفونه، كان تحفة فنية حقيقية، منزل حكومي يتبع جامعة الخرطوم، لكنه يضاهي المتاحف والمراكز الثقافية بما يحتويه من كتب ومقتنيات ولوحات كانت حصيلة تجوال عبدالله الطيب وجريزلدا حول العالم، وهما ينشران العلم والفن في أفريقيا والعالم العربي".
وأوضح صديق "لم يكن المنزل مجرد مسكن عادي، بل فضاء ثقافياً استثنائياً، إذ كانت تفاصيله الصغيرة تحمل قيمة رمزية وتاريخية كبيرة، من الأثاث التقليدي وأقمشة (القانجا) و(الدمورية)، إلى الفوانيس وصواني الشاي المغربية واللوحات النادرة".
ويتابع المخرج السوداني "أجيال من السودانيين كانت ترى في منزل عبدالله الطيب نافذة على عالم مختلف من الجمال والمعرفة، قبل أن تمحو الحرب هذا الإرث بالكامل".
إرث ثقافي
على نحو متصل يوافق الناقد والمنتج التلفزيوني أمير أحمد السيد رأي الطيب صديق، بقوله "بلا شك أن عبدالله الطيب يعد واحداً من أعظم العلماء ليس في السودان فحسب بل في المنطقة العربية بكاملها، الراحل عالم لغوي وشاعر ومفكر بارز، استفادت من علمه وخبراته ومعارفه عدد كبير من الجامعات الأفريقية والعربية، كما أنه يملك إرثاً ثقافياً كبيراً حاله حال الأسر السودانية التي تهتم بالحفاظ على التراث والمقتنيات بالمنازل التي تحولت معظمها إلى متاحف تحوي تاريخ البلاد وحضارتها".
وأردف السيد "لم يكن في خيال سكان الخرطوم الهادئة أن يصحوا على أصوات الرصاص والمدافع والطائرات التي أحالت العاصمة الوادعة إلى أطلال بعد الدمار والتخريب، مما أدى إلى ضياع الإرث التاريخي لكثير من الأسر بخاصة العلماء والمفكرين والمبدعين، وكذلك الشعراء والفنانين والرياضيين، وباتت الخرطوم بين ليلة وضحاها عاصمة بلا ذاكرة، صمتت فيها أصوات الموسيقى وأمسيات الفن، ودوت المدافع، فكانت المحصلة قتل ودمار وتشريد".
ونوه بأن "المبدعين السودانيين لم يخسروا هذا الإرث الثقافي والحضاري وحدهم، بل خسر السودان تاريخ وذاكرة ثقافية، ومن ثم فإننا لا نحزن على دمار وتخريب المباني، بقدر ما نحزن على هذا الإرث الذي فقدناه ولن يعود".
ذاكرة السودان
على الصعيد نفسه، اعتبر الناقد الفني هيثم الطيب أن "منزل عبدالله الطيب الذي يعرفه وزاره من واكتشف ما بداخله يعطي جملة واحدة، وهي (هنا ذاكرة حية للأمة السودانية)، تاريخ ثقافي واجتماعي ترى فيه قيمة الكتاب والعلم بالعين والقلب والعقل، ولعل سنوات عمره كلها سخرها للعلم والمعرفة، وكذلك جمع الكتب على أنواعها والتراث، ليمثل البيت ذاكرة ثقافية للأجيال السودانية".
وأضاف الطيب "كان قلبه على السودان ومستقبل القراءة والعلم، لذلك كان يقول إن (المكتبة صوت تواصل الأجيال كلها)، مكتبة في بيتي للسودان والسودانيين وغيرهم، إن العلم بين الكتب محفوظ بحق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتابع "ما شاهدناه من دمار وضياع لكل هذا الإرث التاريخي يجعلنا نتحسر على خسارة علمية وذاكرة وطن بأكمله".
مسيرة حافلة
ترجع أصول عبد الله الطيب إلى منطقة التميراب بولاية نهر النيل، إذ ولد في عام 1921، ونشأ في بيت "المجاذيب" صاحب الطريقة الشاذلية الصوفية المشهور بالعلم والأدب، حتى إن مدينة الدامر سميت بـ"مدينة المجاذيب"، فكان للدين أثر كبير في حياته.
تلقى الطيب تعليمه الأولي في مدينة بربر، والتحق بكلية غردون في الخرطوم، وحصل على درجة البكالوريوس، واستكمل الدراسات العليا في لندن، ثم حاز الدكتوراه عام 1950.
كرس حياته لخدمة اللغة العربية والقرآن الكريم، وامتدت مسيرته الأكاديمية لأكثر من نصف قرن، تنقل خلالها بين السودان وبريطانيا ونيجيريا والمغرب، وتولى مناصب علمية رفيعة، من بينها عمادة كلية الآداب بجامعة الخرطوم، وإدارة جامعتي الخرطوم وجوبا، إلى جانب رئاسته لمجمع اللغة العربية بالسودان وعضويته في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
ترك عبدالله الطيب إرثاً فكرياً ضخماً، أبرزه موسوعته الشهيرة "المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها"، التي جاءت في خمسة مجلدات ضخمة تجاوزت 3 آلاف صفحة، واستغرق إنجازها نحو 35 عاماً، كما عرف ببرنامجه الإذاعي الشهير "في تفسير القرآن الكريم"، الذي استمر لأكثر من ثلاثة عقود، وقدم خلاله آلاف الحلقات التي رسخت حضوره في وجدان السودانيين والعرب، رحل العلامة السوداني في يونيو (حزيران) عام 2003.
تفاني زوجته
تزوج عبدالله الطيب الفنانة التشكيلية الإنجليزية جريزلدا الطيب التي عشقت السودان وقدمت له كثيراً، تطبعت الطيب بالبيئة والثقافة السودانية، وقررت أن تواصل حياتها في السودان لتكمل رسالتها التي بدأتها بطباعة ونشر أعمال عبدالله الطيب وفي العمل الطوعي ورعاية الأطفال أصحاب الهمم.
وعاشت مع عبدالله الطيب في السودان منذ عام 1950، وصنعت محبة خاصة داخلها للبلاد، لم ترزق بأبناء وقامت بتربية 23 طفلاً من أبناء أخوات عبدالله.
نالت جريزلدا درجة الماجستير في الفولكلور السوداني، وتفوقت فيه ونقلت خبرتها ووثقتها بكتاب باللغة الإنجليزية، فضلاً عن كونها فنانة تشكيلية، وثقت ملامح الحياة السودانية عبر رسوماتها، وكان أول معرض لها تحت اسم "مع عبدالله الطيب في آفاق الدنيا".
رحلت جريزلدا في مايو (أيار) عام 2022 بمدينة عطبرة في ولاية نهر النيل، عن عمر ناهز 97 سنة.