ملخص
بينما تلقي بعض السيدات اللوم على الأطباء في دفعهن نحو الولادة القيصرية، للحصول على عائد مالي أكبر للمستشفى والطبيب، فإن كثيراً من الأطباء يعزون الانتشار الواسع للولادة القيصرية إلى السيدات أنفسهن، اللاتي يطلبن إجراء جراحة شق البطن بدلاً من الولادة الطبيعية، بسبب معتقدات خاطئة مثل سهولة وسرعة انتهاء الولادة، ومزاعم تأثير الولادة الطبيعية سلباً على الحياة الجنسية، إضافة إلى عدم ممارسة الحوامل الرياضة خلال الحمل ما يصعب قابلية الجسم للولادة الطبيعية.
مع استمرار الارتفاع الكبير في معدل الولادة القيصرية في مصر، شهدت الأيام الأخيرة صحوة حكومية في التحرك للحد من هذا الصداع الذي يؤرق السلطات الصحية، في ظل تصدر مصر معدلات الولادات القيصرية عالمياً، وهو ما يؤدي إلى تداعيات سلبية على صحة الأم والمولود، ويكبد الدولة كلفة مادية باهظة.
قرارات وزارة الصحة الأخيرة سارت في اتجاهي تفعيل الرقابة والتشجيع على الولادة الطبيعية، إذ أعلنت الوزارة اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية تجاه أحد أشهر المستشفيات الخاصة، وإيقاف عمليات النساء والتوليد بالمستشفى، بعد رصد لجان التفتيش عدم التزامه بالدلائل الإرشادية الخاصة بالولادات الطبيعية. وبعد يوم من القرار السابق أعلن وزير الصحة والسكان خالد عبدالغفار الموافقة على أن تجرى الولادة الطبيعية الأولى لكل سيدة مجاناً داخل مستشفيات الوزارة بجميع محافظات الجمهورية، في خطوة للتشجيع على الولادة الطبيعية.
وبحسب الأرقام الرسمية، تصل نسبة القيصرية إلى 80 في المئة من الولادات في مصر، مسجلة أعلى المعدلات على مستوى العالم، بينما تنص توصيات منظمة الصحة العالمية أن تكون الولادة القيصرية من 10 إلى 15 في المئة فحسب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبينما تلقي بعض السيدات اللوم على الأطباء في دفعهن نحو الولادة القيصرية، للحصول على عائد مالي أكبر للمستشفى والطبيب، فإن كثيراً من الأطباء يعزون الانتشار الواسع للولادة القيصرية إلى السيدات أنفسهن، اللاتي يطلبن إجراء جراحة شق البطن بدلاً من الولادة الطبيعية، بسبب معتقدات خاطئة مثل سهولة وسرعة انتهاء الولادة، ومزاعم تأثير الولادة الطبيعية سلباً على الحياة الجنسية، إضافة إلى عدم ممارسة الحوامل الرياضة خلال الحمل ما يصعب قابلية الجسم للولادة الطبيعية.
وفق المسح الصحي للأسرة المصرية الذي أجري عام 2021، بلغ معدل إجراء الولادة القيصرية في مستشفيات القطاع الخاص 80 في المئة، في مقابل 63 في المئة بالمستشفيات الحكومية.
هل الولادة القيصرية ضارة؟
وبعدما كان من غير المألوف إجراء ولادة قيصرية إلا في حالات طبية معينة، تشير الإحصاءات إلى تغير في نمط الولادات خلال العقدين الأخيرين في مصر، إذ كانت نسبة الولادات القيصرية في مصر ضمن المعدل العالمي حتى بداية القرن الحالي، لكنها تضاعفت بحسب المسح الصحي السكاني من 6.6 في المئة عام 1995، إلى 20 في المئة عام 2005، وقفزت إلى 52 في المئة عام 2014، وفق تصريحات صحافية لنائب وزير الصحة السابق لشؤون السكان طارق توفيق.
القرار الأخير بحق أحد أغلى وأشهر المستشفيات في مصر، حظى باهتمام واسع باعتباره التطبيق الأبرز لقرار أصدرته وزارة الصحة العام الماضي، يلزم المستشفيات الخاصة بعدة إجراءات أبرزها استخدام أداة "البارتوجرام" لرصد تطور مراحل المخاض، مما يتيح للأطباء رصد أي تحديات مبكراً، والتدخل في الوقت المناسب لضمان سلامة الأم والجنين، إضافة إلى تطبيق "تصنيف روبسون" الذي يوثق كل حالة ولادة، وتحديد ما إذا كانت العملية القيصرية ضرورية طبياً.
يرى أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب قصر العيني التابعة لجامعة القاهرة، محمد ممتاز، أن الأهم من الرقابة على المستشفيات هو "توفير الأجهزة الطبية اللازمة، وضمان وجود أطباء تخدير وطواقم تمريض مدربة، وبخاصة في ظل النقص الواضح في الكوادر والتجهيزات داخل المستشفيات، بخاصة الحكومية".
يقول ممتاز، لـ"اندبندنت عربية"، إنه لا يمكن الجزم بأن الولادة القيصرية ضارة في المطلق، وهناك بعض الحالات تحتاج إلى التدخل الجراحي، لكن يمكننا تكثيف برامج التوعية بالولادة الطبيعية وإبراز مزاياها، معتبراً أن "تخويف" السيدات من الولادة القيصرية قد أدى إلى رهابهن من الولادة بصورة عامة، ومؤكداً أن الأفضل تشجيع السيدات على الولادة الطبيعية بشرح خطواتها بأساليب مبسطة وواضحة، مشدداً على ضرورة تجهيز المستشفيات التي تجري الولادات الطبيعية من خلال توفير أجهزة مراقبة الجنين أثناء الولادة، وضمان وجود أطباء تخدير على مستوى عالٍ من الكفاءة في جميع الأوقات، إضافة إلى توافر كل المعدات الطبية اللازمة.
ولفت أستاذ أمراض النساء والتوليد إلى أهمية تدريب الأطباء على إجراء الولادة الطبيعية، نظراً إلى ارتفاع نسبة الولادات القيصرية خلال الأعوام الأخيرة، مما جعل التمرن على العمليات القيصرية يفوق الولادة الطبيعية، منوهاً بأن العنصر الأهم هو توفير طاقم تمريض مدرب على الولادة الطبيعية، لرعاية السيدة أثناء الولادة وقراءة أجهزة مراقبة الجنين بدقة، مشيراً إلى أن هناك تحديات كثيرة تواجه تطبيق تلك التوصيات، أهمها النقص الحاد في أطباء التخدير، ونقص تدريب الممرضات على رعاية السيدات، إضافة إلى ضرورة توافر حقن التخدير التي تحقن في الظهر "إبيديورال" وكلفتها ليست باليسيرة.
كانت نائب وزير الصحة عبلة الألفي قالت إن الوزارة وضعت استراتيجية وطنية لدمج القابلات تدريجاً في منظومة الولادة الطبيعية، بحيث تتابع القابلة المخاض باستخدام مخطط الولادة (البارتوجرام) تحت إشراف الطبيب المختص. وأضافت في تصريحات صحافية أن مصر تحتاج إلى 20 ألف قابلة مدربة، في حين لا يتجاوز عددهن حالياً 1000 قابلة فحسب. ولذلك، بدأت وزارة الصحة خطة تدريب شاملة تتضمن دورات مدتها 18 شهراً، وبرنامج البورد المصري للقبالة مدتها ثلاث سنوات، وإعادة إدراج تخصص القبالة في كليات التمريض.
بحسب منظمة الصحة العالمية، فإن نسب الوفيات الناتجة من الولادة القيصرية تتعدى بـ4 إلى 10 أضعاف، نسبها لدى اللاتي وضعن ولادة طبيعية على مستوى العالم، سواء للطفل أو الأم. وحذرت من أن "اللجوء إلى الولادة القيصرية من دون مبرر طبي، قد يتسبب في ارتفاع إمكانية إصابة النساء بعدها بالنزف أو العدوى، ومضاعفات التخدير، واكتئاب ما بعد الوضع، فضلاً عن زيادة احتمالات العقم".
كذلك، ذكرت نائب وزير الصحة جانباً آخر من أضرار الولادة القيصرية، إذ قالت إن مضاعفات تلك الولادات تكبد البلاد نحو 120 مليار جنيه سنوياً من كلف المنظومة الصحية، إذ تزداد حاجة الطفل المولود قيصرياً إلى البقاء في الحضانات، التي تكلف مصر 87 مليار جنيه سنوياً.
وتصف وزارة الصحة الولادة القيصرية بأنها "كارثة محتملة" على صحة المولود وقد تكون أحد أسباب السمنة، مما دفعها إلى إطلاق القرارات الأخيرة لخفض العمليات القيصرية غير المبررة طبياً.
طب قائم على الجودة والمحاسبة
ويؤكد مقرر المجلس القومي للسكان السابق عمرو حسن أن قرار وزارة الصحة بإلزام المستشفيات تسجيل روبسون واستخدام البارتوجرام يعد تحولاً "نحو طب قائم على الجودة والمحاسبة"، بحيث تتحول جهود الحد من الولادة القيصرية إلى التأكد من أن كل عملية قيصرية كانت ضرورية فعلاً، وكل ولادة طبيعية تمت كانت بأمان كامل، لأن حياة الأم والطفل لا تحتمل العشوائية.
وأوضح حسن لـ"اندبندنت عربية" أن تصنيف روبسون هو نظام معتمد من منظمة الصحة العالمية يقسم السيدات الحوامل بهدف تحليل كل حالة بصورة علمية، وفهم أسباب وأماكن ارتفاع حالات القيصرية، والتفرقة بين "الضرورة الطبية" و"القرار غير المبرر"، أما البارتوجرام فهي أداة متابعة أثناء الولادة الطبيعية تتيح تتبع حالة الحامل والعمل على التدخل في التوقيت الصحيح وتجنب أي قرارات متسرعة بالولادة القيصرية، بالتالي التصنيف والأداة مكملان لبعضهما، ينقلان الولادة من قرارات فردية إلى نظام طبي مبني على الأدلة.
"صحوة" مواجهة الولادة القيصرية وصلت إلى البرلمان أيضاً، إذ تقدم عضو مجلس النواب محمد سليم باقتراح موجه إلى رئيس الحكومة ووزير الصحة لإعداد وتنفيذ خطة وطنية متكاملة للحد من معدلات الولادة القيصرية غير المبررة، وتعزيز الولادة الطبيعية الآمنة.
ذكر النائب في المذكرة الإيضاحية للاقتراح أن الخطة المقترحة تستهدف أن تقتصر على الحالات التي تستدعي التدخل الجراحي وفق دوافع طبية موثقة، مع إنشاء منصة إلكترونية مركزية لتسجيل ومراجعة جميع حالات الولادة القيصرية، وتطبيق نظام التصنيف العالمي "روبسون" لتقييم الحالات بصورة علمية دقيقة. ويتضمن المقترح مساواة أتعاب الطبيب في حالتي الولادة الطبيعية والقيصرية، وتأهيل الكوادر الطبية لدعم الولادات الطبيعية.