Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عصر التكتلات الاقتصادية... كيف تعيد الاتحادات رسم خريطة القوة العالمية؟

من أوروبا إلى آسيا والخليج... الدول لم تعد تنافس منفردة بل عبر كتل اقتصادية عملاقة تعزز النفوذ والنمو والاستقرار

 يرى العريمي أن مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس عام 1981، نموذجاً للتكامل الإقليمي (أ ف ب)

ملخص

يتجه العالم نحو عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى باعتبارها أداة للقوة والنفوذ والاستقرار. ومع تصاعد الأزمات والمنافسة العالمية، أصبحت الاتحادات الإقليمية محركاً للنمو والتأثير السياسي، فيما تبرز تجارب أوروبا وآسيا والخليج وأفريقيا كنماذج تعيد تشكيل موازين الاقتصاد العالمي ومستقبل التنمية.

يرى الكاتب الصحافي والمحلل الاقتصادي محمد بن علي بن حمد العريمي أن العالم لم يعد يُدار بمنطق الدول المنفردة كما كان في القرن الماضي، بل بات يدار بمنطق الكتل الكبرى التي تمتلك القدرة على فرض شروطها في الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. وأوضح "في لحظة تاريخية تتشابك فيها الأزمات المالية مع التحولات الجيوسياسية، وتتقاطع فيها المنافسة الاقتصادية مع الثورة الرقمية، بدأت الدول تدرك حقيقة جديدة مفادها أن القوة لم تعد تقاس بحجم الدولة وحده، بل بقدرتها على الانتماء إلى تكتل اقتصادي قادر على حماية مصالحها وتعزيز نفوذها، ومن هنا، لم يكن الاتجاه المتزايد نحو الاتحادات الإقليمية الاقتصادية خياراً تكتيكياً موقتاً، بل كان تحولاً استراتيجياً يعكس طبيعة المرحلة التي يعيشها العالم".

وأضاف العريمي "يكشف تتبع تطور الاتفاقات الاقتصادية الإقليمية حجم هذا التحول، فبحسب منظمة التجارة العالمية، إذ ارتفع عدد الاتفاقات التجارية الإقليمية من أقل من 50 اتفاقاً عام 1990 إلى أكثر من 350 اتفاقاً مسجل بحلول عام 2024، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو نصف التجارة العالمية تتم اليوم داخل تكتلات اقتصادية إقليمية، مقارنة بنحو 25 في المئة فحسب في بداية التسعينيات". وأشار إلى أن هذه الأرقام لا تعكس مجرد توسع في الاتفاقات، بل تعكس تغيراً عميقاً في طريقة تفكير الدول في شأن مستقبلها الاقتصادي، ولا يمكن فهم هذا التحول من دون العودة إلى الأزمات الاقتصادية التي هزت العالم خلال العقود الأخيرة، فالأزمة المالية العالمية عام 2008 أدت إلى خسائر تجاوزت تريليوني دولار، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 1.3 في المئة عام 2009، وفق صندوق النقد الدولي، ثم جاءت جائحة كورونا عام 2020 لتكشف عن هشاشة الاقتصادات الوطنية وسلاسل الإمداد العالمية، إذ انكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1 في المئة، بينما تراجعت التجارة العالمية بنسبة 8.5 في المئة، وفق منظمة التجارة العالمية".

ولفت المحلل الاقتصادي إلى أنه في ظل هذه الصدمات المتتالية، أدركت الدول أن الاعتماد على القدرات الفردية لم يعد كافياً، وأن التعاون الإقليمي أصبح خط الدفاع الأول ضد الأزمات، ومن جهة أخرى فرضت المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى واقعاً جديداً جعل التكتلات الاقتصادية أداة رئيسة لتعزيز النفوذ الدولي، فالاقتصاد الأميركي بلغ نحو 27.4 تريليون دولار عام 2023، بينما بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين نحو 17.7 تريليون دولار، وفق بيانات صندوق النقد الدولي. وتابع "في المقابل، يشكل الاتحاد الأوروبي كتلة اقتصادية يبلغ حجم ناتجها نحو 16.6 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 14.5 في المئة من الاقتصاد العالمي، وهذه الأرقام توضح أن الدول التي تعمل ضمن تكتلات قوية تمتلك قدرة تفاوضية وتأثيراً أكبر في النظام الاقتصادي العالمي مقارنة بالدول المنفردة".

تجربة الاتحاد الأوروبي

وأكد العريمي أن تجربة الاتحاد الأوروبي تعد مثالاً واضحاً على قوة التكامل الاقتصادي، فمنذ تأسيس الجماعة الاقتصادية الأوروبية عام 1957، مروراً بإطلاق العملة الموحدة اليورو عام 1999، وصولاً إلى السوق الموحدة الحالية، شهدت أوروبا تحولاً اقتصادياً عميقاً، إذ تشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن حجم التجارة البينية داخل الاتحاد بلغ نحو 3.9 تريليون يورو عام 2022، بينما تمثل التجارة البينية نحو 60 في المئة من إجمال تجارة دول الاتحاد، وأسهمت السوق الموحدة في زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزيز النمو الاقتصادي، مما جعل الاتحاد الأوروبي أحد أبرز مراكز القوة الاقتصادية في العالم".

وعن آسيا يقول الكاتب "تتجسد ديناميكية التكامل الاقتصادي في اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة  (RCEP)التي دخلت حيز التنفيذ في مطلع يناير (كانون الثاني) 2022، وتضم 15 دولة تمثل نحو 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و30 في المئة من سكان العالم، وأكثر من 28 في المئة من التجارة العالمية، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاتفاق يضيف نحو 186 مليار دولار إلى الدخل العالمي بحلول عام 2030".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف العريمي "تبرز رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، التي تضم 10 دول ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 3.6 تريليون دولار عام 2023، لتصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم إذا اعتبرت كتلة واحدة، بينما دخلت أفريقيا مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي مع إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية  (AfCFTA)التي دخلت حيز التنفيذ رسمياً في مطلع يناير 2021، وتضم 54 دولة وسوقاً، ويتجاوز عدد سكانها 1.3 مليار نسمة، ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي للقارة نحو 3.4 تريليون دولار، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاتفاق يمكن أن يرفع دخل أفريقيا بنحو 450 مليار دولار بحلول عام 2035، وأن تزيد التجارة البينية بنسبة تصل إلى 81 في المئة".

ويستدرك الصحافي الاقتصادي "لكن مع ذلك، فإن التجارة البينية الأفريقية لا تزال عند حدود 15 في المئة فحسب من إجمال التجارة، مقارنة بـ60 في المئة في أوروبا و40 في المئة في آسيا، مما يعكس حجم التحديات التي تواجه التكامل الاقتصادي في القارة، في حين في أميركا الجنوبية، يمثل تكتل (ميركوسور)، الذي تأسس عام 1991، تجربة مهمة رغم التحديات السياسية والاقتصادية التي واجهها، ويضم التكتل البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي، ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدوله نحو 2.4 تريليون دولار". ويشير إلى أن التكتل أسهم في زيادة التجارة البينية بنسبة تجاوزت 300 في المئة خلال العقد الأول من تأسيسه، على رغم التذبذب الذي شهدته لاحقاً بسبب الأزمات الاقتصادية والخلافات السياسية.

ويؤكد العريمي أنه لا يقتصر تأثير الاتحادات الإقليمية في الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى البعد السياسي والجيواستراتيجي، فالتكامل الاقتصادي غالباً ما يقود إلى تقارب سياسي وأمني، كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان الهدف الأساس من إنشاء الجماعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1951 منع اندلاع صراعات جديدة.

مجلس التعاون الخليجي

وحول الخليج العربي فيمثل مجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس عام 1981، نموذجاً آخر للتكامل الإقليمي، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدوله نحو 2.1 تريليون دولار عام 2023، وقد نجح في إنشاء اتحاد جمركي عام 2003 وسوق خليجية مشتركة عام 2008، ومع ذلك، فإن التكتلات الاقتصادية ليست خالية من التحديات، فالتفاوت في مستويات التنمية بين الدول الأعضاء يؤدي أحياناً إلى توزيع غير متكافئ للمكاسب الاقتصادية، إضافة إلى أن الالتزام بسياسات اقتصادية موحدة قد يحد من استقلالية الدول في اتخاذ قراراتها". ويتابع "تشير دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن بعض الدول الصغيرة داخل التكتلات الاقتصادية تستفيد بنسبة أقل من الدول الكبرى، مما يخلق فجوات اقتصادية داخل التكتل نفسه، وتواجه بعض التكتلات صعوبات سياسية تعوق مسار التكامل، كما هو الحال في بعض دول أميركا الجنوبية وأفريقيا".

ويوضح العريمي أنه على رغم هذه التحديات، فإن الاتجاه العام في النظام الدولي يشير إلى أن مستقبل الاقتصاد العالمي سيكون للتكتلات الكبرى، فبحلول عام 2030، تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن أكثر من 70 في المئة من النمو الاقتصادي العالمي سيتركز في آسيا وأفريقيا، معظمها داخل تكتلات اقتصادية إقليمية، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الدول المنضوية في تكتلات اقتصادية تحقق معدلات نمو أعلى بنحو 1.5 نقطة مئوية مقارنة بالدول غير المنضوية في مثل هذه التكتلات.

وهكذا، يتضح أن الاتحادات الإقليمية الاقتصادية لم تعد مجرد إطار للتعاون التجاري، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة في النظام الدولي المعاصر، ففي عالم تحكمه المنافسة الشرسة وتتصاعد فيه الأزمات الاقتصادية والسياسية، لم يعد ممكناً تحقيق التنمية والاستقرار من دون تكامل اقتصادي إقليمي فعال. وبينما تختلف تجارب التكتلات الاقتصادية في مستوى النجاح والتكامل، يبقى القاسم المشترك بينها هو السعي إلى بناء قوة اقتصادية قادرة على مواجهة تحديات العصر.

واختتم الكاتب مقاله قائلاً "في النهاية، يمكن القول إن الدول التي تدرك أهمية التكامل الاقتصادي وتستثمر في بناء تكتلات إقليمية قوية ستكون الأكثر قدرة على حماية مصالحها وتحقيق تطلعات شعوبها، بينما ستجد الدول التي ترفض هذا المسار نفسها على هامش النظام الاقتصادي العالمي. وبذلك، تتحول الاتحادات الإقليمية من خيار اقتصادي إلى ضرورة تاريخية، ومن فكرة سياسية إلى واقع يعيد رسم خريطة القوة في العالم، ويمكن القول إن الاتحادات الإقليمية الاقتصادية ليست مجرد إطار للتعاون التجاري، بل هي مشروع استراتيجي يعيد تشكيل العلاقات الدولية ويحدد مواقع الدول في خريطة القوة العالمية، فالدول التي تمتلك رؤية واضحة للتكامل الاقتصادي، وتنجح في توظيف موقعها الجغرافي ومواردها الاقتصادية ضمن التكتلات الإقليمية، ستكون الأكثر قدرة على تحقيق النمو والاستقرار". ويشير إلى أنه في هذا السياق، تمتلك سلطنة عمان مقومات حقيقية تؤهلها لأداء دور فاعل في التكتلات الاقتصادية الإقليمية، إذا ما نجحت في تحويل موقعها الاستراتيجي ورؤيتها التنموية إلى قوة اقتصادية مؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي.

اقرأ المزيد