Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين محيط مشتعل وداخل منقسم... تشاد تتدارك تسلل الحروب والعنف

تحولت إلى قوة طرد إقليمي تعيد تشكيل التوازنات الاجتماعية والعسكرية في كامل الحزام الحدودي الممتد مع السودان

دخلت تشاد مرحلة أصبحت فيها خطوط التماس السودانية متداخلة مع توازناتها الداخلية الحساسة (أ ف ب)

ملخص

بين شرق مفتوح على ارتدادات دارفور، وغرب مثقل بتهديدات "بوكو حرام" و"داعش غرب أفريقيا"، وشمال متصل بمسارات التهريب والتمرد في ليبيا والنيجر، تبدو تشاد اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً، دولة تملك جيشاً قادراً على خوض الحروب، لكنها لا تزال تكافح لبناء استقرار سياسي قادر على احتواء تداعيات الجغرافيا والانقسامات الداخلية معاً.

لم تكن التحذيرات التي أطلقها الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي مجرد خطاب أمني عابر، بل تعكس قلقاً متزايداً من أن الحرب السودانية المستمرة منذ أربعة أعوام لم تعد شأناً محصوراً داخل السودان، بل تحولت إلى قوة طرد إقليمي تعيد تشكيل التوازنات الاجتماعية والعسكرية في كامل الحزام الحدودي الممتد بين البلدين. فالتداخل القبلي والسيولة الجغرافية والإرث الطويل للحروب بالوكالة، تجعل من شرق تشاد ساحة شديدة القابلية لانتقال العدوى الأمنية، في دولة تقف عند مفترق طرق إقليمي بالغ الخطورة.

كشفت أحداث "وادي فيرا" الأخيرة عن أن العنف الأهلي في تشاد لم يعد منفصلاً عن البيئة الاستراتيجية المحيطة به. فالصراع السوداني، بما يحمله من استقطابات إثنية وعسكرية، يضغط بصورة مباشرة على البنية الداخلية التشادية، خصوصاً في المناطق التي تتقاطع فيها الولاءات القبلية مع شبكات السلاح والحركة العابرة للحدود. ومنذ اندلاع حرب دارفور مطلع الألفية، ظلت العلاقة بين مجتمعات الزغاوة في السودان وتشاد عاملاً حساساً في معادلات السلطة والتمرد معاً، وهو ما يمنح أي اضطراب في السودان قابل للانعكاس على الداخل التشادي. غير أن المعضلة الأعمق تكمن في طبيعة الدولة التشادية نفسها، فمنذ وصول إدريس ديبي إلى السلطة عام 1990، تأسست منظومة الحكم على هندسة أمنية قائمة على التوازنات الشخصية والولاءات الضيقة.

وعلى رغم أن هذا النموذج وفر للنظام قدرة عالية على البقاء، فإنه أبقى الدولة عرضة لهزات بنيوية كلما تصاعد الضغط الإقليمي. ولذلك، فإن أخطر ما تواجهه تشاد اليوم ليس فقط امتداد الحرب السودانية عند حدود الـ1400 كيلومتر الفاصلة بين البلدين، بل يتسلل عبر الروابط القبلية المتشابكة وشبكات الأسلحة المتدفقة وذاكرة جماعية لم تُشفَ من جراح دارفور، ويتحول إلى محفز يعيد إحياء الانقسامات الكامنة داخل بنيتها الأمنية والاجتماعية، خصوصاً أن الحدود لا تزال أضعف من أن تمنع انتقال السلاح والمقاتلين والأزمات في هذه المنطقة، التي نادراً ما تفهم بمعزل عن سياقها التاريخي المتراكم.

انقسامات داخلية

خلال العقدين الماضيين، واجهت تشاد موجات متكررة من التمرد المسلح، أبرزها هجمات المتمردين على العاصمة إنجامينا عامي 2006 و2008 انطلاقاً من دارفور، في ذروة الصراع التشادي - السوداني غير المعلن. وفي المقابل، استخدمت تشاد الأراضي السودانية والليبية مجالاً للمناورة الاستراتيجية ودعم الفصائل الحليفة، مما رسخ نمطاً دائماً من تدويل الصراع الداخلي. كذلك أدت الطفرة النفطية منذ عام 2003 إلى تعزيز الطابع الريعي للنظام وتكريس شبكات الولاء داخل المؤسسة العسكرية.

كشف مقتل إدريس ديبي في أبريل (نيسان) 2021، أثناء مواجهات مع متمردي "جبهة التغيير والوفاق" القادمين من ليبيا، عن هشاشة الدولة العميقة التي بناها طوال ثلاثة عقود. ومع انتقال السلطة إلى ابنه محمد "كاكا" عبر مجلس عسكري انتقالي، دخلت البلاد مرحلة اضطراب سياسي اتسمت بتآكل الشرعية وتصاعد القمع. وقد شكل قمع احتجاجات الـ20 من أكتوبر (تشرين الأول) 2022 نقطة تحول مفصلية، بعدما قتل عشرات المحتجين واعتقل معارضون، وهمشت الجماعات التي طالما شكلت الحراس الموثوقين للنظام، الزغاوة والغوران والتاما والعرب معاً، فانزاح الولاء نحو ميادين أخرى، ودارفور القريبة لم تكن بعيدة.

في موازاة ذلك، عمقت الحرب السودانية الانقسامات داخل النخبة التشادية نفسها، خصوصاً مع انتظام شخصيات عسكرية من "الزغاوة" في القتال إلى جانب أطراف سودانية متنافسة. فتشكلت لدى إنجامينا موازنة إقليمية هي دعم قوات "الدعم السريع"، وتقرأ في المحافل الأمنية التشادية باعتبارها تحوطاً ضد عودة الخرطوم التقليدية التي طالما أشعلت تمرداً من عقر الدار.

كذلك أدى تراجع الحضور الفرنسي وانسحاب قواته مطلع عام 2025 إلى تقليص المظلة الأمنية التي اعتمدت عليها إنجامينا لعقود. وبين شرق مفتوح على ارتدادات دارفور، وغرب مثقل بتهديدات "بوكو حرام" و"داعش غرب أفريقيا"، وشمال متصل بمسارات التهريب والتمرد في ليبيا والنيجر، تبدو تشاد اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً، دولة تملك جيشاً قادراً على خوض الحروب، لكنها لا تزال تكافح لبناء استقرار سياسي قادر على احتواء تداعيات الجغرافيا والانقسامات الداخلية معاً.

اتساع المخاوف

أعادت الحرب السودانية فتح شبكات النفوذ القديمة الممتدة عبر دارفور وشرق تشاد، وأطلقت ديناميات إقليمية تجاوزت قدرة الحدود على احتوائها. وفي بيئة تتداخل فيها القبيلة مع الأمن والاقتصاد مع السلاح، أصبح استقرار تشاد مرتبطاً مباشرة بمسار هذه الحرب.

خلال عام 2023 واجهت إنجامينا تدفقاً كبيراً للاجئين السودانيين، مع عبور مئات الآلاف إلى الولايات الشرقية الهشة أصلاً. وفي الوقت ذاته، بدأت تتزايد الاتهامات الموجهة إلى السلطات التشادية بتسهيل خطوط الإمداد والدعم اللوجيستي لقوات "الدعم السريع"، وهو ما عمق الانقسامات داخل النخبة العسكرية، خصوصاً بين شخصيات زغاوية ترى في الحرب تهديداً مباشراً لتوازناتها التقليدية مع الخرطوم ودارفور.

ومع اتساع الحرب في 2024 و2025، تصاعدت المخاوف من تحول شرق تشاد إلى امتداد ميداني للصراع. فقد تزايد نشاط الجماعات المسلحة والميليشيات العابرة للحدود، فيما أعادت شخصيات تشادية معارضة التموضع داخل الفضاء السوداني. أيضاً أدى اغتيال المعارض الزغاوي البارز يحيى ديلو، وهو ابن عم ديبي في فبراير (شباط) 2024 إلى أزمة داخل مجتمع الزغاوة، في وقت بدأت فيه ولاءات بعض الضباط والفاعلين القبليين تتوزع بين أطراف النزاع السوداني المختلفة.

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أنشأت تشاد قوة مشتركة مع قوات خليفة حفتر في شرق ليبيا لتأمين الحدود الشمالية والشرقية، في مؤشر واضح إلى اتساع المخاوف من تداخل المسارات الليبية والسودانية والتشادية معاً. وفي ديسمبر (كانون الأول)، أصابت طائرة مسيرة جنديين تشاديين قرب بلدة الطينة الحدودية داخل تشاد. وفي يناير (كانون الثاني) سقط سبعة جنود في اشتباكات مع قوات "الدعم السريع" على طول الشريط الحدودي الشرقي. وفي فبراير (شباط) أعلنت إنجامينا إغلاق حدودها مع السودان ونشرت أكثر من 15 ألف جندي على امتداد الحدود المشتركة، لكن الإغلاق لم يوقف الخروق. غير أن الضربة الأكثر حساسية جاءت في مارس (آذار) الماضي عندما استهدفت طائرة مسيرة قرية مبروكة في محافظة الطينة أثناء تجمع للمعزين، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى مدنيين، تزامناً مع معارك عنيفة في الطينة السودانية بين قوات "الدعم السريع" و"القوات المشتركة" المتحالفة مع الجيش السوداني. حينها أصدر الرئيس محمد "كاكا" أوامر مباشرة بالرد على أي هجوم مصدره الأراضي السودانية، معتبراً أن ما يجري لم يعد حادثة حدودية، بل تهديداً للأمن القومي التشادي.

شرخ مؤسسي

تكشف تصريحات الرئيس ديبي في "وادي فيرا" عن أكثر من مجرد قلق أمني مرتبط بالحدود، فخطابه لم يكن موجهاً إلى السكان المحليين وحدهم، بل إلى الجيش والنخب القبلية والفاعلين الإقليميين الذين يدركون أن تشاد دخلت مرحلة أصبحت فيها خطوط التماس السودانية متداخلة مع توازناتها الداخلية الحساسة. فمنذ اندلاعها، أخذت الاصطفافات الإثنية والعسكرية في دارفور تتسرب تدريجاً إلى الداخل التشادي، خصوصاً بين الزغاوة والعرب، وهي جماعات ترتبط بشبكات قرابة ومصالح عابرة للحدود. فبدأت إنجامينا تواجه احتمال انتقال الاستقطاب نفسه إلى الجيش التشادي، الذي يقوم أساساً على توازنات دقيقة بين هذه المكونات.

يمكن فهم انفتاح ديبي الابن على "الدعم السريع"، العدو التاريخي لوالده، باعتباره خياراً براغماتياً هدفه احتواء التهديدات المحتملة القادمة من دارفور، نسبة إلى هيمنة حميدتي على تلك الأرض، ما يعني أن كاكا يخشى التمرد من الداخل أكثر مما يخشى الغارة من الخارج، وهو يراهن على أن هيمنة "الدعم السريع" في دارفور ستقطع الطريق على أي تمرد تقوده مجموعات الزغاوة ضده، غير أن الرهان انعكس عليه، فبينما سعى ديبي إلى حماية نظامه من التهديدات القادمة من الشرق، أدى التقارب مع "الدعم السريع" إلى تعميق الغضب داخل أوساط الزغاوة، بما في ذلك داخل الجيش نفسه. وحين احتفل في بعض المخيمات بسقوط الفاشر، أدرك بعض ضباط الجيش التشادي أن الجرح القبلي قد يتحول إلى شرخ مؤسسي.

 من جهة أخرى لم تعد الممرات الممتدة من أم جرس إلى دارفور، ومن جنوب ليبيا إلى شمال تشاد، مجرد طرق تهريب، بل تحولت إلى شرايين لاقتصاد الحرب، تتداخل فيها تجارة الوقود والسلاح وحركة المرتزقة والمقاتلين. ومع تراجع الوجود الفرنسي، فقدت إنجامينا أحد أهم عناصر الردع الخارجي التي اعتمدت عليها لعقود في احتواء حركات التمرد. لهذا، فإن تحذيرات ديبي من "الأجندات المشبوهة" و"محاولات نقل الحرب إلى تشاد" تعبر في جوهرها عن خوف مركزي، فكلما طال أمد الحرب، ازداد خطر أن تصبح تشاد أسيرة لصراع لم تختره بالكامل، لكنها باتت مرتبطة بمآلاته السياسية والعسكرية والقبلية بصورة يصعب الفكاك منها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيناريوهات محتملة

لم تعد الحرب نزاعاً داخلياً سودانياً بقدر ما أصبحت منظومة إقليمية لإعادة توزيع القوة، وهو ما يضع إنجامينا أمام بيئة أخطار تتجاوز قدرتها التقليدية على الاحتواء. ضمن هذا السياق، يبرز السيناريو الأول، وهو في حال استمرار الرهان التشادي على علاقات براغماتية مع قوات "الدعم السريع"، قد يحقق النظام مكاسب أمنية قصيرة المدى عبر منع تشكل ملاذات معادية له في دارفور، غير أن هذا المسار يحمل أخطاراً تراكمية عميقة، إذ سيؤدي إلى توسيع الانقسامات داخل الجيش التشادي، خصوصاً بين شبكات الزغاوة التي ترى في صعود قوات "الدعم السريع" تهديداً وجودياً لمكانتها الإقليمية. ومع مرور الوقت قد تتحول هذه التصدعات إلى انشقاقات داخلية أو إعادة إحياء لحركات التمرد العابرة للحدود، في ظل تآكل التماسك المؤسسي واعتماد النظام المتزايد على الولاءات الشخصية والوساطات القبلية.

والسيناريو الثاني، إذا انتصرت الخرطوم، فإن إنجامينا ستواجه جاراً يحمل في ذاكرته الدعم التشادي لعدوه. والأخطر من العقاب الرسمي هو تنشيط شبكات الزغاوة العابرة للحدود، وإعادة إحياء نمط الحرب بالوكالة الذي تعرفه المنطقة. تشاد في هذا السيناريو لن تكون ضحية هجوم مباشر، بل ستكون هدفاً لزعزعة بطيئة ومحسوبة، ولن يتغير هذا التهديد إلا إذا أعادت تموضعها كوسيط أمني لا كطرف غير معلن في الحرب السودانية. ويمنح هذا الخيار إنجامينا فرصة لتخفيف الاستقطاب الإثني واحتواء أخطار الانتقام المتبادل بين الفاعلين السودانيين والتشاديين.

أما السيناريو الثالث فيقوم على احتمال تحول السودان فعلياً إلى فضاء منقسم بين سلطات متنافسة وممرات حرب دائمة. في هذه الحالة، ستواجه تشاد بيئة مستدامة من اقتصاد الحرب، تشمل تهريب الذهب والسلاح والوقود وتدفقات المرتزقة وتحول الحدود الشرقية إلى مناطق نفوذ لشبكات مسلحة عابرة للدول. وستصبح الدولة التشادية أكثر عرضة لتآكل سلطتها الطرفية، خصوصاً في الشمال والشرق.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل