Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بؤرة توتر أخرى مع الصين

مثل تايوان، قد يشعل بحر الصين الجنوبي حرباً بين الولايات المتحدة والصين

مناورة عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة والفيليبين في مانيلا، الفيليبين، أبريل 2026 (نويل سيليس/ رويترز)

ملخص

يتحول بحر الصين الجنوبي من نزاع بحري معقد إلى ساحة قد تشعل مواجهة أميركية - صينية، مع تصاعد الاحتكاكات بين بكين والفيليبين، وضعف قنوات الاحتواء، واتساع رهانات الردع المرتبطة بتايوان وحرية الملاحة والقانون الدولي. خفض خطر الحرب لا يمر عبر التراجع أمام مطالب الصين، بل عبر تعزيز ردعها، وتقوية حلفاء واشنطن في جنوب شرقي آسيا، وتوضيح الخطوط الحمراء لبكين قبل أن تتحول حادثة محدودة إلى أزمة كبرى.

حين يتخيل الخبراء كيف يمكن أن تنحدر العلاقات بين الولايات المتحدة والصين إلى حرب، فإنهم غالباً ما يشيرون إلى تايوان بوصفها بؤرة التوتر الأكثر وضوحاً. فالصين صعدت خلال الأعوام الأخيرة حملة الضغوط التي تمارسها على هذه الجزيرة الديمقراطية، فأطلقت صواريخ فوقها، وحاكت فرض حصار عليها خلال مناورات عسكرية بالذخيرة الحية، وهددت بإنزال عقوبات قاسية بالدول الأخرى التي توسع علاقاتها مع تايبيه. وعلى رغم أن الولايات المتحدة لا ترتبط بمعاهدة دفاع مع تايوان، فإن عدوان بكين على الجزيرة، إلى جانب ما تردد عن رغبة الرئيس الصيني شي جينبينغ في أن تصبح بلاده قادرة على غزوها بحلول عام 2027، دفع المؤسسة العسكرية الأميركية ودوائر صنع السياسات إلى تسريع الخطوات الرامية إلى تعزيز الردع عبر المضيق.

لكن إذا اندلع صراع في غرب المحيط الهادئ، فالأرجح أن ينفجر إلى الجنوب الغربي من تايوان، في بحر الصين الجنوبي، إذ تتنازع دول عدة، مطالبات بحرية متنافسة ورؤى متباينة للسيادة والنظام الإقليمي والقانون الدولي. وتطالب بكين بنحو 90 في المئة من بحر الصين الجنوبي، بما يشمل المياه الواقعة قبالة سواحل بروناي وإندونيسيا وماليزيا والفيليبين وفيتنام. وتتعارض المطالبات البحرية لهذه الدول الخمس، فضلاً عن مطالبات تايوان، بعضها مع بعض، لكن مطالبات الصين وتحركاتها كانت أكثر عدوانية بكثير، بما في ذلك نشر مئات السفن وأنظمة صاروخية متقدمة وطائرات مقاتلة في الشعاب المرجانية والصخور والجزر الصغيرة التي تحتلها.

وتبلغ التوترات أعلى مستوياتها بين الصين والفيليبين، إذ تعمد مانيلا باستمرار إلى لفت الانتباه علناً إلى المضايقات الصينية للسفن الفيليبينية التي تعمل بصورة قانونية داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للفيليبين. لكن العنف يندلع أيضاً بصورة دورية بين الصين وأطراف أخرى تطالب بالسيادة. فمنذ عام 2015، قتلت قوات خفر السواحل الصينية والميليشيات والأفراد المدنيون العاملون في المجال البحري عشرات الصيادين الفيتناميين أو إصابتهم في بحر الصين الجنوبي. وخلال العقد الثاني من هذا القرن، دأبت الحكومة الإندونيسية على تدمير السفن المتعدية القادمة من الصين ودول أخرى. وفي الوقت نفسه، تعمل السفن والطائرات الأميركية في مختلف أنحاء بحر الصين الجنوبي، متحدية مطالبات بكين الواسعة، ومؤكدة حرية الملاحة والتحليق، ومساعدة الأطراف المطالبة بالسيادة في جنوب شرقي آسيا على الصمود في وجه المضايقات الصينية.

ما من أحد يريد خوض حرب بسبب مجموعة مغمورة من الصخور في بحر الصين الجنوبي. فلن يكون هناك أبداً رئيس أميركي متحمس لإقناع الشعب الأميركي بأن الدفاع عن حرية الملاحة في آسيا يستحق إشعال صراع بين قوى عظمى. وتفضل الصين الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لسيناريو محتمل يتعلق بتايوان. وحتى في مانيلا أو هانوي، إذ يشكل التمسك بالسيادة البحرية قضية سياسية رابحة، يبقى الميل قوياً إلى الحفاظ على علاقات اقتصادية دافئة مع الصين. ومع ذلك، يظل خطر أن تتفاقم حادثة في بحر الصين الجنوبي سريعاً ويتحول إلى أزمة واسعة النطاق خطراً حقيقياً وكبيراً.

وترتبط واشنطن بالتزام دفاعي ملزم قانوناً تجاه الفيليبين. فمعاهدة الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة والفيليبين لعام 1951 لا تذكر بحر الصين الجنوبي بالاسم، بل تشير بدلاً من ذلك إلى "منطقة المحيط الهادئ". لكن الولايات المتحدة أدرجت منذ عام 2019 بحر الصين الجنوبي صراحة ضمن تلك المنطقة الجغرافية، وبذلك قدمت ضماناً رسمياً لأمن الفيليبين هناك. وأكد البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووزارة الحرب مراراً أن أي هجوم مسلح على القوات المسلحة الفيليبينية أو السفن العامة أو الطائرات في بحر الصين الجنوبي من شأنه أن يفعل التزامات الولايات المتحدة بموجب معاهدة الدفاع المشترك. وفي مظهر نادر من مظاهر الاستمرارية، استخدمت إدارتا ترمب وإدارة بايدن عبارات تكاد تكون متطابقة للتشديد على هذا الالتزام. ونتيجة لذلك، إذا قتلت الصين عسكرياً فيليبينياً، حتى من دون قصد، في بحر الصين الجنوبي، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها بسهولة طرفاً في النزاع.

وبطبيعة الحال، يمكن للولايات المتحدة أن تختار التخلي عن التحالف بدلاً من ذلك. فقد ترى أن الدفاع عن مصالحها في بحر الصين الجنوبي ببساطة لا يستحق هذه المجازفة. ولا شك في أن أهمية هذه المياه قد تبدو أقل شأناً مقارنة بتايوان، وهي ديمقراطية مكتظة بالسكان ومركز تكنولوجي. لكن واشنطن أظهرت منذ عام 2019 قدراً لافتاً من الثبات في دعم مانيلا عندما تتعرض لضغوط في بحر الصين الجنوبي، بل إنها كثيراً ما عرضت تقديم مساعدات تفوق ما طلبته الفيليبين. وبالنسبة إلى واشنطن، فإن الوقوف إلى جانب مانيلا في بحر الصين الجنوبي مهم في حد ذاته. لكنه ضروري أيضاً للدفاع الناجح عن تايوان. فلا يفصل بين الفيليبين وتايوان، عند أقرب نقطة بينهما، سوى 53 ميلاً بحرياً. وفي أي صراع عبر المضيق، سيعتمد المسؤولون الأميركيون على تعاون الفيليبين، ولا يمكن للولايات المتحدة الاحتفاظ بدعم الفيليبين في شأن تايوان إلا إذا أوفت بالتزاماتها تجاه مانيلا في بحر الصين الجنوبي. وبعبارة أخرى، إذا تراجعت واشنطن في بحر الصين الجنوبي، فقد تتقوض قدرتها على ردع الصين في مضيق تايوان على نحو قاتل.

دم في الماء

الفيليبين هي الدولة الوحيدة، من بين الدول الـ36 الحليفة للولايات المتحدة بموجب معاهدات، التي تكبدت خسائر بشرية على يد الصين منذ الحرب الكورية. ففي عام 2023، شنت بكين حملة شرسة على السفن الفيليبينية في بحر الصين الجنوبي، مطلقة بذلك شرارة صراع أوصل الولايات المتحدة والصين إلى حافة مواجهة عسكرية. فقد عمدت سفن خفر السواحل الصينية إلى صدم سفن مدنية فيليبينية واستهدافها بخراطيم المياه، في وقت كانت فيه تلك السفن تحاول إيصال الإمدادات إلى الموقع الفيليبيني في سيكند توماس شول، وهو تشكيل بحري يقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للفيليبين. وبلغ الخطر ذروته خلال يونيو (حزيران) 2024، حين استخدم أفراد من خفر السواحل الصيني الفؤوس والسكاكين ضد بحارة فيليبينيين، وفقد أحدهم إبهامه في الاشتباك.

وطوال الأزمة، أوضحت الولايات المتحدة أنها ستدافع عن حليفتها بموجب المعاهدة. وأشار الأميرال صموئيل بابارو، قائد القيادة الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، إلى أن مرافقة السفن الأميركية للسفن الفيليبينية في المنطقة المتنازع عليها ستكون "خياراً معقولاً تماماً". وتراجعت الصين عن حافة الهاوية، وتوصلت إلى "ترتيب موقت" مع الفيليبين تراقب بموجبه مهام إعادة الإمداد إلى سيكند توماس شول من دون التعرض لها. ومع ذلك، واصل خفر السواحل الصيني مهاجمة السفن الفيليبينية في أماكن أخرى داخل المياه الفيليبينية، على مسافة تزيد على 500 ميل بحري من الساحل الصيني.

وليست الفيليبين الحليف الأميركي الوحيد المعرض للخطر في بحر الصين الجنوبي. فأستراليا واليابان ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو) تسير طائراتها وسفنها عبر مناطق تطالب بكين بالسيادة عليها، واستخدمت الطائرات والسفن الصينية مناورات خطرة للتصدي لوجودها. فخلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 مثلاً، أطلقت مقاتلة صينية شعلات مضيئة على مقربة شديدة من طائرة أسترالية من طراز P-8A كانت تعبر فوق جزر باراسيل. وقد يؤدي أي تحطم أو تصادم ينجم من هذه الاحتكاكات غير الآمنة إلى أزمة خطرة سريعاً، ولا سيما في ظل غياب قنوات فعالة لإدارة الأزمات أو خفض التصعيد في الوقت الفعلي.

ما من مجيب

يبقى التواصل العسكري بين الولايات المتحدة والصين محدوداً حتى في أفضل الظروف، وغالباً ما يتبخر مع بداية أي أزمة. وستغدو هذه القنوات أقل جدوى في ظل حملات التطهير المستمرة التي يشنها شي جينبينغ على كبار ضباط جيش التحرير الشعبي. ويبدو مستبعداً أن يغامر ضابط في جيش التحرير الشعبي بالتحدث إلى الجيش الأميركي من دون تعليمات صريحة، وهي تعليمات قد يستغرق صدورها أياماً أو أسابيع. أما قنوات الاتصال بين الصين والفيليبين فحالها أسوأ. فقد أطلق البلدان خطوطاً ساخنة عدة لإدارة التوترات في بحر الصين الجنوبي، لكن عندما تحاول الفيليبين استخدامها، لا يجيب أحد. ويمكن لفيتنام أن تستخدم قنوات الحزب الشيوعي لاحتواء التوترات مع الصين على المدى الأطول، لكن الخطوط الساخنة القائمة لإدارة الأزمات بين البلدين لا يعول عليها هي الأخرى.

ومما يزيد هذه الصعوبات، أن بحر الصين الجنوبي يفتقر إلى قواعد مفهومة على نطاق واسع لخفض التصعيد أو تجنب النزاع. وعلى النقيض من ذلك، تعاملت الصين وتايوان والولايات المتحدة مع أزمات عدة في مضيق تايوان، وأدارت وضعاً قائماً متنازعاً عليه على مدى ثمانية عقود من التوتر. ومن خلال ذلك، أرست نوعاً من البنية التي تسمح بخفض التصعيد، أو في الحد الأدنى، بتفادي سوء الفهم الكارثي. ففي واشنطن مثلاً، تضبط التوترات حول تايوان أحكام قانون العلاقات مع تايوان، والبيانات المشتركة الثلاثة مع بكين، والضمانات الستة المقدمة لتايوان. وتنتهك بكين الآن بصورة متكررة تفاهمات غير رسمية مثل "خط ديفيس"، الذي يقسم مضيق تايوان إلى شطرين على أساس أن تبقى تايبيه وبكين كل منهما في جانبه. ومع ذلك، لا يزال هذا الخط مهماً، إذ يواصل المراقبون قياس مرات عبور بكين له لاستكشاف موقفها من تايوان. أما بحر الصين الجنوبي فلا يملك بنية مماثلة، باستثناء واحد هو "إعلان سلوك الأطراف" في بحر الصين الجنوبي.

يبقى خطر أن تتفاقم أي حادثة في بحر الصين الجنوبي وتتحول إلى أزمة كبيراً

 

ويعد "إعلان سلوك الأطراف" أحد أهم إنجازات "رابطة دول جنوب شرقي آسيا" (آسيان). فقد وقعت دول جنوب شرقي آسيا والصين هذا الإعلان عام 2002، فثبت عملياً الوضع القائم، من خلال تفاهم مفاده أن الأطراف المطالبة بالسيادة لن تنتزع المواقع التي يسيطر عليها كلٌّ منها في بحر الصين الجنوبي، وأن التشكيلات غير المأهولة ستظل من دون مساس. وعلى مدى عقدين، بدا أن بكين تقبل هذا الإطار الناظم. لكن خلال عام 2023، حين شنت حملتها عند سيكند توماس شول، أظهرت القيادة الصينية نزعة أكثر صراحة إلى تغيير الوضع القائم، إذ أصرت على أن الوجود الفيليبيني هناك، القائم منذ عام 1999، لا يعد جزءاً من هذا الوضع، وعززت موقفها باستخدام قوة قاربت حد استخدام العنف. وخلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025، صدمت الصين سفينة فيليبينية كانت تقترب من جزيرة ثيتو، التي تحتلها الفيليبين منذ عام 1971، ولا تزال تمثل الموقع الرئيس لمانيلا في بحر الصين الجنوبي. وأصرت بكين على أن الفيليبين هي التي "بادرت أولاً إلى أنشطة تعدٍّ واستفزاز"، ووصفت عملية الصدم بأنها من "الإجراءات المشروعة والقانونية" اللازمة "للدفاع عن سيادتها".

إضافة إلى ذلك، أفادت "بلومبيرغ" في أواخر عام 2022 بأن الصين كانت توسع تشكيلات غير مأهولة بوسائل اصطناعية في أنحاء أرخبيل سبراتلي. وبدا أنها تحاول إخفاء بصماتها، إذ كانت تنقل الرمال بكميات صغيرة وعلى نحو وصفته وزارة الحرب الأميركية بأنه "سري". ونفت بكين نفياً قاطعاً قيامها بأي من ذلك، بما يوحي بأنها تدرك أن تصرفاتها لا تنسجم مع الممارسات المقبولة. ويشير هذا التآكل في معايير "إعلان سلوك الأطراف" إلى أن القواعد الوحيدة التي نجحت في تقليص خطر الصراع في بحر الصين الجنوبي ربما أخذت تفقد فاعليتها تدريجاً.

أما "آسيان" فوجدت نفسها عالقة في حياد عقيم، فلا هي رضخت تماماً لبكين ولا هي ساندت أعضاءها عندما تعرضوا لهجمات صينية. وحين استخدم خفر السواحل الصيني الفؤوس في مهاجمة سفينة مدنية فيليبينية داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للفيليبين، لم تتمكن "آسيان" حتى من إصدار بيان يعبر عن القلق.

عاصفة تتشكل في الأفق

تحاول "آسيان" وبكين منذ أكثر من عقدين التفاوض على مدونة سلوك لبحر الصين الجنوبي، وهي وثيقة من شأنها أن تفعل مبادئ إعلان السلوك لعام 2002، وتضع قواعد واضحة قابلة للتنفيذ للحد من خطر التصعيد. وفي كل عام، تتولى دولة جديدة من دول آسيان رئاسة الرابطة بالتناوب، وفي كل عام تؤكد الدولة التي تتولى الرئاسة أن مدونة السلوك ستُنجز. لكن المفاوضات لا تزال تراوح مكانها بسبب مساعي الصين إلى تهميش اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تجعل مطالباتها البحرية الواسعة غير مشروعة.

وتأمل الصين أن تحل مجموعة من قواعد مدونة السلوك المواتية لها محل اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار، بما يمنح بكين أساساً أكثر صلابة لتأكيد ما تسميه "حقوقها التاريخية". وتدرك دول "آسيان" أن الاتفاق يقف إلى جانبها، ولن تتخلى عن الأفضلية الأخلاقية التي يمنحها لها. وحاولت الصين تقييد حقوق أطراف ثالثة مثل الولايات المتحدة، عبر الإصرار على أن نزاعات بحر الصين الجنوبي ينبغي أن يديرها الموقعون على مدونة السلوك وحدهم. ولأن القدرات البحرية لدول "آسيان" محدودة للغاية مقارنة بالصين، فهي تعتمد على الولايات المتحدة وقوى خارجية أخرى لردع بكين. وما دامت الصين ترفض تخفيف مطالبها، فستبقى مدونة سلوك ذات صدقية بعيدة المنال.

أما الأدوات الدبلوماسية غير الرسمية، فهي الأخرى باتت عاجزة عن تحقيق المطلوب. ففي الماضي، كان بوسع الأطراف المطالبة بالسيادة في جنوب شرقي آسيا أن تدفع الصين بصورة منتظمة إلى تراجع تكتيكي، بمجرد تسليط الضوء علناً على أعمال بكين العدوانية. فقد كانت الصين شديدة الحساسية للكلفة التي تلحق بسمعتها إذا بدت في صورة المتنمر على جيرانها. لكن ابتداء من أواخر عام 2023، بدأت هذه الاستراتيجية المجربة تفقد فاعليتها. وبدلاً من ذلك، ردت الصين بحملات إعلامية خاصة بها، فزادت التوترات اشتعالاً بدل تهدئتها. وطالما بقيت الخيارات الدبلوماسية الفعالة لخفض التصعيد بعيدة المنال، فإن خطر اندلاع أزمة غير متعمدة سيزداد.

 

ومن المفارقات أن خطر التصعيد قد يكون أعلى كلما بدت الكلفة المباشرة أقل. فعلى رغم الأهمية العسكرية والتجارية والبيئية لبحر الصين الجنوبي، فإن جانباً كبيراً من نزاعاته يدور حول صخور نائية تكاد تكون غير مأهولة في عرض البحر. وعلى خلاف تايوان، التي يعيش فيها 23 مليون نسمة وتضم معظم صناعة أشباه الموصلات المتقدمة في العالم، يبدو هذا البحر ساحة مريحة نسبياً لإظهار التشدد بلا مساومة، وشحذ النزعة القومية، وتأكيد الصدقية أمام الحلفاء. وهذا ما يجعل جميع الأطراف أقل حذراً وأكثر استعداداً لتحمل الأخطار. فخفر السواحل الصيني لا يشهر الفؤوس في وجه البحارة في مضيق تايوان، لكنه رأى في ذلك وسيلة مقبولة عند سيكند توماس شول. وفي المقابل، مضت الولايات المتحدة في توسيع ضماناتها الأمنية للفيليبين، مع جعلها أكثر صراحة في المناطق المتنازع عليها.

ومع مرور الوقت، لن يزداد مشهد الأخطار في بحر الصين الجنوبي إلا تعقيداً. فهذا البحر، على سبيل المثال، ممر مزدحم بالكابلات البحرية التي تشكل العمود الفقري للإنترنت الحديث، ومع ذلك نادراً ما تسمح الصين لمزودي الخدمات الأجانب بإصلاح تلك الكابلات فيه، علماً أن هذه الألياف الضوئية الرفيعة شديدة الهشاشة أمام التخريب. وخلال عام 2025، وسعت الصين عملياتها بصورة كبيرة حول جزيرة براتاس، وهي إحدى القواعد التايوانية القائمة منذ زمن طويل في بحر الصين الجنوبي، مما أوجد بؤرة توتر جديدة وخطرة تجمع بين تعقيدات الأخطار في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي. وفي الوقت نفسه، ومع ازدياد اعتماد روسيا على الصين في الدعم الاقتصادي والعسكري الذي يضمن استمرار حربها على أوكرانيا، أخذت موسكو تتخلى تدريجاً عن سياسات قديمة كانت تهدف إلى الحفاظ على قدر من التفوق النسبي على بكين، بما في ذلك تأييد دور صيني أوسع في آسيا الوسطى، ومنح الصين وصولاً أكبر إلى القطب الشمالي، وتقاسم تكنولوجيا عسكرية حساسة مع جيش التحرير الشعبي. وإذا استمرت الحرب في أوكرانيا، فقد تتخلى موسكو عن موقفها المائل باعتدال إلى فيتنام في بحر الصين الجنوبي، وتؤيد مطالبات الصين البحرية، بما قد يفضي إلى تداعيات مزعزعة للاستقرار. فميزان القوى في هذا الممر المائي هش أصلاً، وقد يشجع دعم روسيا للصين هناك بكين على اللجوء إلى أساليب أشد عنفاً، وعلى تجاهل القانون الدولي بقدر أكبر من التحدي.

رسم مسار جديد

إذا أرادت الولايات المتحدة تقليص خطر الحرب في بحر الصين الجنوبي، فثمة نهجان يمكنها الاختيار بينهما. الأول هو القبول بالمطالبات الصينية الواسعة. وإذا أبرمت واشنطن اتفاقاً على هذا الأساس، فقد تخلص الدول المطالبة بالسيادة في جنوب شرقي آسيا إلى أنه لا خيار أمامها سوى أن تحذو حذوها، مما قد يقلل احتمال المواجهة في المدى القريب. لكن ذلك قد يفضي إلى تعطيل كبير للتجارة البحرية، إذ ستتمتع الصين بحرية واسعة في عرقلة حرية الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره اليوم ثلث التجارة العالمية. ومن شأن ذلك أيضاً أن يحطم صدقية التزامات الولايات المتحدة تجاه حلفائها، ويجعل الدفاع عن تايوان يبدو بالغ الافتقار إلى المعقولية، ويبعث بإشارة إلى تراجع أميركي أشمل، بما يرجح أن يطلق شرارة صراعات أخرى حول العالم. وحتى إذا قدمت الصين تنازلات في المقابل، فمن المرجح أن تقتصر على بادرات اقتصادية تكتيكية، مثل التزامات شراء المنتجات الزراعية التي تفضلها إدارة ترمب، وهي خطوات لا تفعل شيئاً يذكر لتخفيف التداعيات الاستراتيجية. وقد تعد الصين بإدارة بحر الصين الجنوبي بمسؤولية واحترام حقوق الدول الأخرى في غياب التدخل الأميركي. لكن بكين تعهدت عام 2015 بعدم عسكرة مواقعها المتقدمة في بحر الصين الجنوبي، ثم ما لبثت أن خرقت هذا التعهد على الفور تقريباً.

أما المسار الأجدى، فيقتضي من واشنطن تعزيز الردع في بحر الصين الجنوبي، مع السعي في الوقت نفسه إلى التواصل بوضوح مع بكين في شأن الخطوط الحمراء لكل طرف. ولتحقيق ذلك، ينبغي للولايات المتحدة أن تجعل دعم شركائها في جنوب شرقي آسيا أولوية، وأن تساعدهم على مقاومة العدوان الصيني وصون حقوقهم السيادية. ويمكن لواشنطن أن تساعدهم في تطوير قدرات دفاعية منخفضة الكلفة، مثل المسيرات الجوية والبحرية القادرة على التصدي لأساليب الإكراه الصينية التي تتحرك دون عتبة الحرب، وكذلك لتفوقها البحري. وفي الوقت نفسه، يتعين على واشنطن دعم القدرة الأساس لشركائها على تسيير دوريات في مياههم، وذلك عبر نقل مزيد من السفن البحرية وسفن خفر السواحل إليهم، وتزويدهم بالوقود لإتاحة دوريات أطول، وتبادل البيانات التي تعزز معرفتهم الآنية بالتوغلات الصينية. وتستطيع الولايات المتحدة أن تشجع قدراً أكبر من التماسك بين دول "آسيان" الساحلية، التي تكون أقدر على الإسهام في الردع الإقليمي حين تقف صفاً واحداً. فعلى سبيل المثال، ينبغي لواشنطن أن تشجع على الإسراع في تسوية النزاعات البحرية بين دول جنوب شرقي آسيا، حتى لا تصرف هذه الخلافات الانتباه عن التحدي الأصعب المتمثل في ردع بكين. وينبغي للولايات المتحدة أن توسع برامج بناء القدرات الخاصة بأجهزة إنفاذ القانون البحري في جنوب شرقي آسيا، بما يعزز قابلية هذه القوات للعمل المشترك في الوقت نفسه.

والأهم من ذلك أن على الولايات المتحدة أن تعزز تحالفها مع الفيليبين. فإلى جانب العلاقة العسكرية، ينبغي لواشنطن أن تساعد مانيلا في معالجة مواطن الضعف التي قد تستغلها الصين كسلاح لاكتساب أوراق ضغط في بحر الصين الجنوبي. فعلى سبيل المثال، يجب على الولايات المتحدة أن تتعاون مع الفيليبين لحل أزمة الطاقة التي تلوح في الأفق. فاحتياطات الغاز الطبيعي التي تعتمد عليها مانيلا في توليد الكهرباء ستنضب خلال الأعوام القليلة المقبلة، ولم تضع الحكومة حتى الآن خطة كافية لسد الفجوة في إمدادات الطاقة. وإذا لم يُعثر على حل، فقد تجبر بكين مانيلا على تأييد السيادة الصينية على بحر الصين الجنوبي مقابل الحصول على حقوق تنقيب بحرية هي في أمس الحاجة إليها. وظهر بوضوح مدى هشاشة أمن الطاقة في الفيليبين خلال مارس (آذار) الماضي، حين أعلن الرئيس الفيليبيني فرديناند ماركوس الابن حال الطوارئ الوطنية بسبب إغلاق إيران مضيق هرمز. وبعد أسبوع، وفي ظل غياب بدائل أفضل، قال ماركوس إنه بات منفتحاً على التعاون مع الصين في استكشاف الطاقة في بحر الصين الجنوبي.

ينبغي للولايات المتحدة أن تساعد شركاءها في جنوب شرقي آسيا على مقاومة العدوان الصيني

 

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً أن تدعم الردع عبر تدويل بحر الصين الجنوبي. فمن خلال تشجيع القوات البحرية الأوروبية وقوات المحيطين الهندي والهادئ على الإبحار والتحليق عبر بحر الصين الجنوبي كلما سنحت الفرصة، وعلى تنفيذ مناورات ودوريات مشتركة مع دول "آسيان"، تستطيع واشنطن رفع كلفة التصعيد إلى ما يتجاوز ما ترغب بكين في تحمله، وفي الوقت نفسه توجيه رسالة إلى الدول المطالبة بالسيادة في جنوب شرقي آسيا بأن العالم يقف إلى جانبها، بما يعزز صمودها. وسيكون تعميق الشراكة البحرية بين الولايات المتحدة واليابان والفيليبين، بما في ذلك عبر برنامج موسع لتدريبات خفر السواحل، أمراً أساسياً. وينبغي لواشنطن أن تعمل على بناء توافق دولي مؤيد للحكم الصادر عام 2016 عن هيئة التحكيم التابعة لاتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار، الذي خلص إلى أن الغالبية الساحقة من مطالبات الصين غير مشروعة.

وبالمثل، ينبغي للولايات المتحدة أن تثير باستمرار أهمية بحر الصين الجنوبي في اجتماعاتها مع شي جينبينغ وغيره من المسؤولين الصينيين، وأن تحض الحكومات الأخرى على أن تفعل الشيء نفسه. فشي لا يسعى إلى حرب في بحر الصين الجنوبي، لكن قواته تبدو في كثير من الأحيان وكأنها تقلل بدرجة كبيرة من حجم الأخطار التي تتحملها. ولكي يقيِّم شي ومعاونوه أخطار التصعيد على نحو صحيح، لا بد أن يدركوا أن الدول الكبرى حول العالم لا تنظر إلى بحر الصين الجنوبي باعتباره شأناً داخلياً صينياً.

وفي هذه الاتصالات، ينبغي لواشنطن أن توضح لبكين خطوطها الحمراء بجلاء. صحيح أن التواصل الفعال سيكون بالغ الصعوبة في لحظة الأزمة، لكن الأفق الأطول يتيح فرصاً لدبلوماسية ثنائية ذات مغزى. وفي نهاية المطاف، تأمل الصين في منع الولايات المتحدة من الانخراط بصورة أوسع في بحر الصين الجنوبي. فهي تسعى إلى توسيع مطالباتها إلى أقصى حد ممكن، مع الحرص على البقاء دون العتبة التي قد تستدعي انخراطاً أميركياً أكثر جدية. ومن الضروري أن تساعد واشنطن القيادة الصينية على فهم موضع تلك العتبة، ولا يمكنها الاعتماد على القنوات العسكرية القائمة لتحقيق ذلك. وقد يكون التواصل الواضح بين الخصوم من أصعب مهام الدبلوماسية، لكنه في بحر الصين الجنوبي قد يصنع الفارق بين الحرب والسلام.

 

ترجمة عن "فورين أفيرز" 24 أبريل (نيسان) 2026

هنرييتا ليفين زميلة أولى في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. وشغلت سابقاً مناصب رفيعة في وزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء