Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أطفال حرب السودان: حياة قاسية ومستقبل مفتوح على المجهول

جاءوا إلى الحياة تحت القصف بلا رعاية طبية ويقضون طفولتهم بلا غذاء أو إيواء والطموحات محاطة بتحديات الصحة والتعليم

بخلاف فقدان الرعاية الصحية وتدني الظروف المعيشية ينشأ الأطفال في بيئة مشبعة بالخوف والعنف (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ملخص

تشير التقديرات الأولية إلى ولادة نحو 5.6 مليون طفل سوداني في ظروف استثنائية، تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان والرعاية منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، وبين بداية حياة قاسية وأسئلة مفتوحة عن المستقبل، يبرز جيل كامل ولد تحت القصف، يواجه تحديات صحية ونفسية وتعليمية عميقة، في ظل واقع إنساني معقد يطرح تساؤلات ملحة حول المستقبل الذي ينتظر هؤلاء الأطفال.

في إحدى زوايا مركز إيواء مكتظ بمدينة الدبة، ولدت "سلمى" على ضوء هاتف محمول، بعد ما انقطعت الكهرباء وغابت أبسط مقومات الرعاية الطبية، فلم يكن هناك سرير ولادة، ولا طبيب مختص، فقط أم مرهقة وامرأة من الجيران تحاول إنقاذ الموقف بما تملك من خبرة بسيطة.

لم تسمع سلمى أولى كلمات الترحيب بالحياة، بل فتحت عينيها على أصوات القصف البعيد، وصراخ أطفال آخرين يشاركونها المكان ذاته.

والدتها، التي نزحت من منزلها قبل أشهر، لم تكن تفكر في اسم طفلتها بقدر ما كانت تفكر، كيف ستحميها؟ كيف ستطعمها؟ وهل ستنجو أصلاً داخل بلد تتآكل فيه الخدمات يوماً بعد يوم؟

قصة سلمى ليست استثناء، بل واحدة من ملايين القصص لأطفال ولدوا في السودان منذ اندلاع الحرب خلال أبريل (نيسان) 2023، إذ تشير التقديرات إلى ولادة نحو 5.6 مليون طفل في ظروف استثنائية، تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان والرعاية.

وبين بداية حياة قاسية وأسئلة مفتوحة عن المستقبل، يبرز جيل كامل وُلد تحت القصف، يواجه تحديات صحية ونفسية وتعليمية عميقة، في ظل واقع إنساني معقد يطرح تساؤلات ملحة، فأي مستقبل ينتظر هؤلاء الأطفال؟

قلق وانهيار

يرى طبيب الأطفال عبدالرحمن الزين أن "الوضع الصحي للأطفال المولودين خلال الحرب في السودان يثير قلقاً بالغاً، لا سيما في ظل ضعف خدمات الرعاية الأولية وانهيار عدد كبير من المرافق الصحية، كما أن عدداً من الأطفال يولدون في ظروف غير آمنة، دون إشراف طبي كافٍ، مما يزيد من أخطار الوفاة المبكرة أو التعرض لمضاعفات صحية خطرة".

ويشير الزين إلى أن "نقص اللقاحات يمثل تهديداً مباشراً، إذ تعطلت برامج التحصين داخل مناطق عدة، مما يفتح الباب أمام عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها بسهولة، كما أن سوء التغذية بين الأمهات ينعكس مباشرة على صحة المواليد، إذ يولد كثير منهم بوزن منخفض، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض وضعف المناعة".

ويؤكد الطبيب أن "الأطفال في مخيمات النزوح يواجهون ظروفاً صحية قاسية، تشمل نقص المياه النظيفة وانتشار الأمراض المعدية وغياب الرعاية المستمرة، كما أن الضغط الكبير على المرافق الصحية القليلة المتبقية يؤدي إلى تدهور جودة الخدمات".

 

 

ويرى طبيب الأطفال أن "التدخل العاجل يتطلب دعماً دولياً لإعادة تشغيل المراكز الصحية وتوفير اللقاحات وتحسين خدمات الأمومة والطفولة، إضافة إلى برامج تغذية تستهدف الأمهات والأطفال، لضمان الحد الأدنى من الرعاية الصحية لهذا الجيل".

صدمة نفسية

لا تقتصر آثار الحرب على الجوانب المادية بل تمتد إلى أعماق النفس، إذ ينشأ الأطفال في بيئة مشبعة بالخوف والعنف، مما يترك آثاراً طويلة الأمد على نموهم النفسي والعاطفي.

تؤكد متخصصة الأمراض النفسية مودة حسن أن "الأطفال الذين يولدون أو ينشأون في بيئات النزاع المسلح يواجهون أخطاراً عالية للإصابة باضطرابات نفسية، حتى وإن لم يكونوا واعين بالكامل لما يحدث حولهم، والتعرض المستمر لأصوات القصف، ومشاهد النزوح، وفقدان الأمان الأسري، يترك بصمات عميقة على الجهاز العصبي للطفل".

وتشير حسن إلى أن "هذه التجارب قد تؤدي إلى اضطرابات مثل القلق المزمن، واضطراب ما بعد الصدمة، وصعوبات في التكيف الاجتماعي لاحقاً، كما أن غياب الاستقرار الأسري، وفقدان أحد الوالدين أو كليهما، يزيد من حدة هذه التأثيرات، فالأطفال في مخيمات النزوح غالباً ما يُحرمون من مساحات اللعب الآمنة والتفاعل الاجتماعي الطبيعي، مما يؤثر في نموهم العاطفي والمهارات الاجتماعية، إضافة إلى أن الأمهات أنفسهن يعانين ضغوطاً نفسية شديدة، وهو ما ينعكس على قدرتهن على توفير بيئة داعمة لأطفالهن".

وتشدد متخصصة الأمراض النفسية على "أهمية إدماج برامج الدعم النفسي ضمن الاستجابة الإنسانية، مثل إنشاء مساحات صديقة للطفل، وتقديم جلسات دعم للأمهات، وتدريب العاملين في المجال الإنساني على التعامل مع الصدمات النفسية، للحد من الآثار طويلة المدى على هذا الجيل".

تعليم مهدد

في ظل الحرب، يصبح التعليم من أولى الضحايا، إذ تتوقف المدارس وتدمر البنية التحتية التعليمية، مما يهدد مستقبل ملايين الأطفال الذين يولدون أو يكبرون خارج مقاعد الدراسة.

يرى الباحث التربوي البشير عبدالله أن "استمرار الحرب في السودان ينذر بظهور جيل مفقود تعليمياً، وبخاصة بين الأطفال الذين وُلدوا خلال النزاع أو في سنواته الأولى، إذ تتوقف العملية التعليمية داخل عدد من المناطق، إلى جانب نزوح الأسر، وهو ما يجعل الوصول إلى التعليم شبه مستحيل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع عبدالله أن "الأطفال في مخيمات النزوح يفتقرون إلى المدارس النظامية، وإن وجدت، فإنها تعاني اكتظاظاً شديداً ونقصاً في المعلمين والمواد التعليمية، كما أن الأولويات المعيشية للأسر النازحة تدفعها أحياناً إلى إهمال التعليم لمصلحة العمل أو تأمين الحاجات الأساس".

ويضيف الباحث التربوي أن "الانقطاع الطويل عن التعليم يؤدي إلى تراجع المهارات الأساس مثل القراءة والكتابة، ويزيد من احتمالات التسرب الدائم من المدرسة، كما أن الأطفال الذين لم يلتحقوا بالتعليم من الأساس يواجهون صعوبة مضاعفة في الاندماج لاحقاً".

ويؤكد الباحث التربوي أن "الحلول تتطلب تبني نماذج تعليم مرنة، مثل التعليم في حالات الطوارئ والمدارس الموقتة، والتعليم عبر الوسائط البديلة، إضافة إلى دعم المعلمين وتوفير بيئة تعليمية آمنة، لضمان عدم ضياع حق هذا الجيل في التعليم".

استجابة إنسانية

بالنظر إلى تعقيدات المشهد، تلعب المنظمات الإنسانية دوراً محورياً في محاولة احتواء آثار الحرب على الأطفال، وبخاصة في مجالات الصحة والتغذية والدعم النفسي.

 

 

تقول خديجة آدم وهي مسؤولة في إحدى المنظمات الإنسانية العاملة في السودان إن "الأطفال المولودين خلال الحرب يواجهون بداية حياة قاسية في بيئات تفتقر إلى أبسط مقومات العيش الكريم، وفرق العمل الميدانية ترصد يومياً حالات لأطفال يعانون سوء التغذية ونقص الرعاية الصحية وغياب الخدمات الأساس، وبخاصة في مناطق النزوح".

ونوهت آدم إلى أن "التحدي الأكبر يتمثل في الوصول إلى هذه الفئات، في ظل استمرار النزاع وصعوبة الحركة، مما يعوق إيصال المساعدات بصورة منتظمة، إضافة إلى أن الضغط على الموارد محدود للغاية مقارنة بحجم الحاجات، إذ تتزايد أعداد الأطفال المحتاجين للدعم بصورة يومية".

واستطردت المتحدثة قولها إن "المنظمات تعمل على توفير حزم متكاملة تشمل الرعاية الصحية الأولية وبرامج التغذية والدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب إنشاء مساحات آمنة للأطفال، غير أن هذه الجهود تظل غير كافية دون وجود استقرار يسمح بتوسيع نطاق التدخلات".

ومضت آدم في القول "الاستثمار في هؤلاء الأطفال يجب أن يكون أولوية عاجلة، لأن تجاهل حاجاتهم اليوم سيؤدي إلى أزمات أكبر في المستقبل، سواء على المستوى الصحي أو الاجتماعي، بالتالي فإن إنقاذ هذا الجيل يتطلب تنسيقاً أكبر بين الحكومة والمنظمات الدولية، إضافة إلى دعم مستدام يضمن استمرارية الخدمات".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير