ملخص
"مسافر زاده الخيال… حوار مع شريف خزندار" (دار أطلس - دمشق) كتاب يفاجئ القراء السوريين واللبنانيين والعرب ، أنجزته الأكاديمية حنان قصاب حسن، ويضم حواراً مستفيضاً مع المخرج والناشط الثقافي المعروف، السروي الفرنسي، شريف خزندار. بل يتخطى مفهوم الحوار الكلاسيكي ليصبح بحثا في اصول الحياة الثقافية والتحولات التي شهدتها بين الستينيات والتسعينيات.
حين انتفض السوريون ضد بشار الأسد لم يكن المقصود شخصه وحده، بل ضد 60 عاماً من التجبر البعثي بخطاباته الجوفاء وعقليته الإقصائية القمعية، وهيمنته التي حولت بعض السوريين إلى نسخ كاريكاتورية من صغار الديكتاتوريين وسمّمت حياة البقية.
كانت أيام مارس (آذار) 2011 وما تلاها لفترة قصيرة، ملأى بالشعارات المدنية والغناء والرقص والغرافيتي على الجدران، مبتكرة نعم، لكنها أيضاً مستلهمة من مرجع محدد، معيش ومتوارث بالمشافهة، "سوريا ما قبل البعث"، وبصورة أدق، سوريا المتنوعة، سوريا الأحزاب الوفيرة والمجلات الكثيرة، سوريا الخمسينيات والستينيات تلك التي طمرها البعث بعنف ثم بعثتها مخيلة المنتفضين عام 2011.
ثمة كتب تؤرخ لهذه المرحلة، ولا سيما للانقلابات المتناسلة، وأخرى تؤرخ لآدابها من رواية وشعر ومسرح وفنون، لكن الكتب التي تروي الحياة الثقافية الغنية بدقة وتلمّ بسياقاتها قليلة، فالسوريون في العموم قليلو الإفصاح وميالون إلى التحفظ، ولعل كتاب "مسافر زاده الخيال… حوار مع شريف خزندار" (دار أطلس - دمشق) لحنان قصاب حسن، واحد من الكتب المهمة التي رسمت صورة أمينة للحياة الثقافية السورية قبل البعث، وللمرء أن يتحفظ على مفردة "حوار" هنا، إذ تحيل إلى نهج صحافي تقليدي، فيما الحديث الممتع بين مثقفين متخصصين في المسرح والإدارة الثقافية، يفيض حقاً عن هذا النهج.
تؤدي قصاب حسن دوراً حاسماً حين تجمع بين المعرفة والممارسة وبين التجربة والاطلاع الواسع، فتبسط السياقات والظروف وتحاجج وتدقق، وتضيء على تاريخية نشوء مفاهيم ومصطلحات، وعلى تجربة سوري استثنائي هو شريف خزندار، ولئن بدأ الحديث من سؤال النشأة والولادة، فإنه سرعان ما ينعطف نحو الشرارة الأولى للشغف بالمسرح والشعر، فقد أصدر خزندار ديواناً بالفرنسية عام 1961، وامتد شغفه بين مدينتين، دمشق وبيروت، فتحضر أمسيات مجلة "شعر" وتحضر أسماء أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط ويوسف الخال وسيسيل جدعون وكريستيان غازي وميشال غريب وروجيه عساف والمترجم خليل الخوري وبول غيراغوسيان، الذي أقام عنده شريف في بداياته الباريسية، وصلاح ستيتية وبالطبع جلال خوري، ويقول خزندار "لقد سمح لي المسرح بأن أتعرف إلى بيروت جيداً".
بين دمشق وبيروت
غير أن اللافت في ما يرويه هو الشغف المتقد لدى مثقفي المدينتين ومبادراتهم الفردية لبناء شيء أصيل، فقد كانوا يتنقلون بين "نادي الدراما" في الجامعة الأميركية و"مدرسة الآداب" حيث أُسس "المركز الجامعي للدراسات المسرحية" عقب نجاح تقديم خزندار وجلال خوري مسرحية "في انتظار غودو" لصموئيل بيكيت، ومن الطريف أن شريف كان على وشك التمثيل أمام فاتن حمامة في فيلم مقتبس من رواية "أيام معه" لكوليت خوري من إخراج هنري بركات، ولكن لم يحدث ذلك وبقي شريف يتنقل بين المدينتين ويكتب بالفرنسية في ملحق "لوريان الأدبي" عن الحياة الثقافية السورية.
هنا يختلط المسرح بالرسم ونكتشف معه، في دمشق، "صالة الفن الحديث العالمي" لمحمد ومحمود دعدوش، ومحترف "فيرونير" الذي أسسه نصير شورى ومحمود حماد، ثم ننتقل إلى الاتفاق مع غاليري "لا بوتو لافوار" في بيروت لتنظيم أول معرض للفنانين السوريين فاتح المدرس وإلياس زيات وعبدالقادر أرناؤوط وعفيف بهنسي وفيوليت عبدي، وبالطبع لؤي كيالي، ومعه أيضاً نكتشف في سوق مدحت باشا الفنان محمد حرب الشهير بـ"أبو صبحي التيناوي"، ولوحاته على الزجاج والورق التي تصور عنتر وعبلة، وكيف ورث تقنيته عن أبيه وجده ثم طورها.
ثم يفصل خزندار في صداقته مع فاتح المدرس وفي كتابهما المشترك "القمر الشرقي على شاطئ الغرب"، وعند الحديث عن المسرح في سوريا يحضر رفيق الصبان الذي عمل بشكل مستقل وأسس "ندوة الفكر والفن" ثم "فرقة الفنون الدرامية".
ويبين شريف، وكان قد عُين خبيراً في المسرح في وزارة الثقافة السورية، إعجابه بعمل الصبان المتقن والنخبوي، وميله إلى الكلاسيكيات وإلى التوافق مع توجهات المسرح الغربي الأوروبي الجاد، فضلاً عن حسه في اكتشاف الموهوبين، وفي المقابل نشأ المسرح القومي الاحترافي الجميل والممتع لكنه السهل، الذي يهدف إلى جذب الجماهير.
لم يكن ثمة صراع بين الاتجاهين، بل مشهد غني ومتنوع نكتشفه عبر خبرة حنان قصاب حسن وتجربة شريف خزندار، فضلاً عن المقالات النقدية التي واكبت النشاط المسرحي، فينفتح المشهد على مجتمع وفير المنابر يتوق إلى المعرفة والثقافة ويتفاعل معهما، ويقول خزندار "ذكرياتي عن تلك الفترة أنها لم تكن صعبة على الإطلاق بل كانت فترة انفتاح ونشاط لا مثيل لهما".
كانت فترة ذهبية لم يلبث أن بترها سيف "البعث"، ويروي خزندار لحظة بعينها، نظرة محددة وكلمة واحدة قيلت بنبرة تغلفها السخرية وتستبطن التهديد "يا بارون"، والقائل هو الضابط البعثي سليم حاطوم، والمشهد في مبنى التلفزيون السوري المحاصر بالمصفحات التي تحرسه بعدما اتخذ حاطوم مكتباً فيه ليراقب ما تبثه الشاشة، فاختار الضابط نبرته ليرعب المخرج المسرحي خزندار الذي كان قد قدم لتوه مسرحية "من الأعماق" لمكسيم غوركي، وأدى فيها دور البارون الأرستقراطي، وكانت تلك اللحظة البعثية كافية لدفع شريف خزندار إلى الرحيل عن سوريا، فغادر أولاً إلى الجزائر ثم إلى تونس حيث عمل مديراً للمسرح في الحمامات، فالمغرب وصولاً إلى باريس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يروي شريف قصة عن المؤلف الموسيقي والباحث بيار شيفير، فقد حدثه عن شغفه بالشعر العربي القديم وعلاقته بالموسيقى وعن مشروعه لتصوير فيلم يغني فيه المخرج السوري عمر أميرلاي الشعر القديم، وقد سُجلت القصائد لكن الفيلم لم يُعرض بسبب وفاة المخرج.
في باريس لم ينقطع خزندار عن المسرح إخراجاً وكتابة ومشاريع مع "البرلينر أنسامبل" ، فقدم "الاستثناء والقاعدة" لبرتولت بريشت بعدما قدمها في دمشق، عطفاً على مشاريع مع "يونيسكو" و"الهيئة الدولية للمسرح" و"لجنة مسرح العالم الثالث"، ثم عمل في الإذاعة والتلفزيون الفرنسيين لستة أعوام قبل أن يصبح مديراً لـ "بيت الثقافة" في مدينة رين، وهناك بدأت تجربته تتبلور وصار فاعلاً لا في الإدارة الثقافية وحسب، بل في السياسات الثقافية أيضاً.
جمع هذا المحب لبريشت طيفاً متنوعاً من العروض في برمجته الثقافية: "مقهى المسرح" و"المسرح الموسيقي" و "عروض الحكي"، إضافة إلى المسرح والموسيقى والأوبرا والرقص، وصولاً إلى إطلاق "مهرجان الفنون التقليدية"، الذي شكّل نواة عمله في منصبه الأشهر مديراً مؤسِساً لـ "بيت ثقافات العالم"، وكان أول ما فعله هناك أن اختار عالم الاجتماع جان دوفينيو رئيساً للمؤسسة.
ومن هنا يتشعب الحديث لنطل على حيوية الحياة الثقافية في باريس وانفتاحها على المختلف بعيداً من نمطية الـ "إكزوتيك"، وعلى صداقته مع الناقد المسرحي اللبناني الأصل روبير أبي راشد، مستشار وزير الثقافة الفرنسي آنذاك جاك لانغ، ونتعرف عن كثب إلى السياسة الثقافية والإدارة الثقافية، لا بالتجربة وحدها بل بالعلم والانفتاح أيضاً.
حوار غني وشامل عن تجربة تكاد تكون استثنائية وعن اكتشافات لا تُحصى، ليس أقلها أن شريف خزندار هو من اجترح مفهوم "التراث اللامادي"، وهو من اكتشف مغنية الأوبرا السورية وعد بوحسون، ويروي عن جلسة الاستماع التي خضعت لها في حلب قبل أن يعترف بها شيوخ الطرب.
ثمة اليوم جائزة تحمل اسم شريف خزندار يمنحها "بيت ثقافات العالم"، وثمة هذا الحديث الشائق الذي يبعث الفرح من جهة والإحباط من جهة أخرى، إذ لا تنتهي المقارنات بين الماضي والحاضر، بين حال الثقافة في بلداننا وحالها في بلدان أخرى.