Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بقايا بدلة زرقاء وآمال سردية وطنية... عيد العمال في مصر

تقدر أعدادهم بالملايين لكن تظل تساؤلات: أي عمال وإنتاج؟ وأية مطالب ومنحة مشروعة في ظل دائرة مفرغة حول واقع هذه الفئة؟

عمال مصريون في مصنع للحافلات بمدينة الـ10 من رمضان (رويترز)

ملخص

تكشف رحلة العامل المصري مع مرور الزمن تحولات عميقة من رمز صناعي تقليدي إلى قوة واسعة في الاقتصاد غير الرسمي، حيث تتداخل الطموحات مع التحديات، وتبرز أسئلة جوهرية حول الإنتاج والعدالة وفرص المستقبل.

سواعد تبني ووطن يرتقي، ثروة حقيقية، العمود الفقري للاقتصاد، عرقهم يشيد وجهدهم ترسخ وعملهم يقوي، تضحيات، وتفانٍ، وأماني. يصنعون الحضارة، ويبنون المجد، ويكتبون التاريخ. بنوا الأهرام أول من أمس، وحفروا قناة السويس الأصلية والجديدة أمس، واليوم يبنون مزيداً: طرقاً وجسوراً، أبراجاً أيقونية، مسارات للسكك الحديد وطرقاً للمواصلات فوق الأرض وتحتها، ملابس جاهزة، منتجات غذائية ودوائية ومنظفات، حرفاً يدوية، شحن وتفريغ في الموانئ، "أسطوات" و"صبية" (مساعدي) سباكة ونجارة وحدادة وكهرباء. وكما صنعوا حضارة الأمس يبنون حضارة اليوم والغد.

المخزون الأدبي والدرامي والثقافي لـ"العمال" وصورتهم الذهنية ينافس واقع العمال في مصر. الأكبر سناً في مثل هذا الوقت من كل عام يستحضرون صورة العامل المصري المطبوعة على طوابع البريد، وأغلفة كتب المدارس، وملصقات الشوارع والوزارات والهيئات الحكومية، وكذلك استعراضات الاحتفالات في عيد العمال في ستينيات القرن الماضي.

إنه الرجل الذي يرتدي بدلة العمل في المصانع الزرقاء، ويحمل "مفتاح الربط" الكلاسيكي ملوحاً به في الهواء، ليقدم نفسه وتترسخ صورته في العقلية المصرية على مدى أعوام باعتباره المنتج المثالي للمعدات والسلع والماكينات والأدوات وكل ما يجري إنتاجه في مصانع يعمل فيها الآلاف بلا كلل أو ملل، في الأقل ظاهرياً.

إنه العامل المتمحور حول الدولة ومصانعها الوليدة مصدر الفخر الوطني في نسخته الجديدة، والأمل القومي بتصوره الستينياتي. هو البطل القومي في سردية الدولة في ثوبها الجديد، تصنيع ثقيل وخفيف، صناعات جديدة وأخرى جرى تحديثها وإعادة بعثها، مشروعات قومية كبرى من سد عال وغيره، سياسات اشتراكية دغدغت مشاعر الجميع حيث العامل شأنه شأن المدير، حقوق غير مسبوقة، تمثيل في مجالس إدارات الشركات والمصانع، وقائمة من الميزات والمكاسب المادية والمعنوية لم تطرأ على بال الثلاثينيات أو خاطر الأربعينيات وما سبقها.

منصة وغاية سياسية

عيد العمال في مصر في الستينيات تحول إلى أداة ومنصة وغاية سياسية. الرئيس الراحل جمال عبدالناصر اتخذ من الأول من مايو (أيار) من كل عام فرصة للدق على أوتار المجتمع المصري الحساسة. خاطبهم بـ"أمل الأمة" و"العمود الفقري لمسيرة الإنتاج" و"القوة الطليعية في قوى الشعب العاملة" حتى إن بقية قوى الشعب العاملة كانت تنتابها مشاعر غيرة من مكانة العمال في "عيد العمال". ولم لا، وقد جرى ترسيخ "منحة عيد العمال" تقليداً في الأول من مايو من كل عام؟

ظل عمال مصر على حالهم في السبعينيات، بين واقع في مصانع وشركات وجهات عمل أخرى يتأرجح بين الشعور بالفخر، وتكبد عناء العمل الشاق من أجل البناء من جهة، وبدء تسلل تغييرات اقتصادية مصحوبة بتحولات اجتماعية، مع ضغوط متعددة للانتقال من حيز "بدلة العمل الزرقاء" ومفتاح الضبط" مصدر الفخر إلى آفاق عمل أخرى تفتح أبواب رزق أعلى، وعلى رغم ذلك ظل عيد العمال على حاله.

الرئيس السادات سار على النهج نفسه، لقاء بالعمال في عيدهم، خطاب ناري عن "بناة مصر" و"أشرف معركة للبناء". ربط التقدم والتنمية بالإنتاج، وإشادة بالسواعد، وتثمين للجهود، ثم هتافات من الحضور بطول العمر للرئيس، وتذكير بـ"المنحة يا ريس"، معروض فنية تدور في فلك العامل رمز الإنتاج الصناعي، والفلاح رمز الإنتاج الزراعي، مع التلويح المستمر بـ"مفتاح الربط".

ويمكن القول إن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي جرى تطبيقها في منتصف السبعينيات وضعت اللبنة الأولى من لبنات التغيرات الكبرى التي لحقت بالعمال، والبدلة الزرقاء، ومفتاح الربط. هذه السياسة التي غيرت كثيراً من وجه مصر الاقتصادي انعكست تحولات جذرية على فئة العمال والطبقة العاملة برمتها. وبدلاً من محدودية العامل الذي يعمل في مصانع الدولة أو شركاتها أو مؤسساتها، باعتبارها الموظف شبه الوحيد، انفتح السوق، وانفتحت معه جهات التشغيل في الداخل والخارج.

جذب العمل في القطاع الخاص، وفي القطاع العشوائي أو غير الرسمي، وكذلك السفر لدول الخليج، ملايين العمال بحثاً عن أجور أعلى قدرة شرائية أكبر كثير من العمال. وعلى رغم استمرار العمل في مصانع الدولة الكبرى ذات نسب التشغيل العالية مثل الحديد والصلب والسكر والمنسوجات والأقمشة وغيرها، فإن هيكل العمالة ومفهومها بدأ يتغير، مفسحاً المجال لقطاعات لم تكن مألوفة أو معروفة في المجتمع المصري من قبل. وعلى رغم ذلك، بقيت صورة العامل بالبدلة الزرقاء و"مفتاح الربط" في يده علامة من علامات الاحتفال بعيد العمال كل عام.

عمال تحت القبة

ومضت الأعوام، وحافظ نظام الرئيس السابق الراحل محمد حسني مبارك على الصورة النمطية، وذلك على رغم التغيرات الكبرى التي كانت تشهدها منظومة العمل من ألفها إلى يائها.

أصبح خطاب عيد العمال يلقى في مراكز المؤتمرات والمجالس النيابية، وأصبحت الهتافات بطول عمر الرئيس و"المنحة يا ريس" تصدح تحت قبة القاعة، لا سقف المصنع. ومع بدء تفعيل سياسة الخصخصة، وهي الفكرة التي ولدت في السبعينيات، ونضجت في الثمانينيات، وبدأ تفعيلها في التسعينيات، أصبح الرئيس يزور مصانع خاصة، ويلتقي بأصحابها من رجال الأعمال، والعاملين فيها من عمال القطاع الخاص.

رفع كفاءة الإنتاج، وتقليص خسائر القطاع العام، وجذب الاستثمارات وغيرها من الأهداف المعلنة للخصخصة في التسعينيات أثرت في العامل المصري واحتفالات عيده، بما في ذلك "المنحة" التي تبخرت هواء الخصخصة، ولم يتبق منها سوى نفحات للعمالة الهامشية، أو "غير المنتظمة".

اليوم، وفي عيد العمال، يطالع المصريون أخبار المنحة، لكنها مخصصة للفئات الأكثر احتياجاً من العمال، وهم العمال غير المنتظمين، الذين يعملون باليومية، ولا يتمتعون بأية أنظمة تأمين أو تكافل، أو عقود أو ميزات، فقط أخطار ومنحة تقدر بنحو 1500 جنيه مصري (28 دولاراً أميركياً تقريباً).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إنهم العمال غير المنتظمين في قطاعات مثل الزراعة والصيد والباعة الجوالين والبناء والتشييد والحرفيين، شرط أن يكونوا مسجلين رسمياً لدى وزارة العمل، وتقدر أعدادهم بنحو 1.2 مليون عامل. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن العدد الفعلي يبلغ نحو 17.5 مليون عامل في قطاعات شتى، منها على سبيل المثال لا الحصر قطاعات النقل والتوصيل والنظافة والسمسرة والبيع والشراء الهامشية.

هذه الملايين غيرت الصورة الذهنية لدى المصريين عن العمل والعمال وعيدهم، يبقى عمال المصانع جزءاً من المناسبة، لكن تزاحمهم الملايين من العمال الآخرين.

لا توجد إحصاءات رسمية لأعداد التوك توك في مصر. تقديرات غير رسمية تشير إلى أن العدد يفوق 5.3 مليون مركبة، والمرخص منها لا يتجاوز عدده 275 ألف مركبة فحسب، والمركبة الواحدة يعمل عليها عادة ثلاثة أشخاص أو ثلاث ورديات، مما يعني أن عدد "عمال" التوك توك يقدر بالملايين، تصل إلى 15 مليون عامل.

ملايين أخرى تعمل في مجال نقل وتوصيل الطلبات ويطلقون عليهم "طيارين"، ومعظمها مصنف تحت بند "غير الرسمي". وزارة التضامن الاجتماعي أشارت عام 2022 إلى أن نحو 6 ملايين عامل يعملون في مجال توصيل الطلبات، وهو الرقم الذي زاد كثيراً في العامين الماضيين في ظل التوسع الكبير في مجال خدمات التوصيل باستخدام الدراجات النارية والهوائية والسيارات.

خانة العمال في عيدهم تتسع أيضاً للعمالة المنزلية، وهي أعداد في علم الغيب حيث يصعب، وربما يستحيل تقدير أعدادها. تشير ورقة للباحثة في علم الأجناس ندى وهبة عنوانها "تحسين ظروف عمال الخدمة المنزلية في مصر" (2022) إلى أن هذا القطاع يضم ملايين العمال، معظمهم من النساء، وعلى رغم الدور الذي يلعبنه في الاقتصاد، فإنهن يمثلن قطاعاً غر مرئي في مجال العمالة.

قطاعات غائبة عن الأذهان

هذه القطاعات التي تغيب عن الأذهان في عيد العمال تفرض نفسها، إن لم يكن بالصورة النمطية، فبالأعداد والتأثير والتأثر بسوق العمل والاقتصاد. في السردية الوطنية للاقتصاد التي أطلقتها مصر في سبتمبر (أيلول) الماضي، راود حلم عودة العامل المصري بدوره الستينياتي الكلاسيكي في المصنع كثيرين، ولو كانت العودة من بوابة مصانع القطاع الخاص.

وزارة التخطيط المصرية قالت إن العمل سيجري على زيادة عدد المصانع في مصر إلى 100 ألف مصنع بحلول عام 2030، بدلاً من 68 ألف مصنع بحسب تعداد المصانع في نهاية 2024. وفي حال تحقق ذلك، فإن هذا من شأنه أن يزرف مئات الآلاف من فرص العمل، لكنه أيضاً يطرح تحدياً كبيراً أمام الحكومة والمستثمرين، وذلك لتوفير العمالة الفنية المؤهلة والمدربة.

في عيد العمال 2026 تجد العمالة المصرية نفسها تواجه حزمة من التحديات. العمالة الماهرة المدربة عددها قليل، ولأنها ماهرة، فإنها لا تقبل إلا بظروف عمل جيدة ومناسبة من وراتب وبيئة عمل وتأمين وغيرها. أما العمالة نصف الماهرة أو غير الماهرة، فإما تقبل بعمل لا يتطلب مهارة، أو تنصرف عنه إلى قطاع الأعمال غير الرسمية، الذي يضمن دخلاً غير رسمي وغير دائم للملايين.

دائرة مفرغة تواجهها مصر في عيد العمال والإنتاج. العمال بالملايين، لكن أي عمال؟ وأي إنتاج؟ وأية مطالب؟ وأية منحة؟ تظل أسئلة مشروعة.

العمال ليسوا في المصانع فحسب، لكنهم أيضاً على التوك توك غير المرخص، وباعة جوالون وحرفيون وعمال بناء غير مقيدين في جداول أو سجلات رسمية. يسهمون في الاقتصاد، ويدعمهم الاقتصاد أيضاً بمنح موسمية، ومبادرات اجتماعية واقتصادية لتحسين الأوضاع، وأحياناً ثقافية وإعلامية لرفع الوعي بقيمة العمل ومكانة العمال.

في عيد العمال 2026، يتذكر البعض "نسبة الـ50 في المئة عمالاً وفلاحين" في مجلس النواب المصري، التي ظلت مطبقة، في الأقل نظرياً، منذ جرى سنها عام 1964، وإلى أن جرى إلغاؤها من قبل لجنة الـ50 التي وضعت دستور مصر الجديد عام 2013. لم تختلف الأمور كثيراً بعد الإلغاء، ما اختلف على شكل العامل، ونوع العمل، ومنظومة العمالة، وصورة العامل في أذهان المصريين.

الطريف أن الشاشات التلفزيونية محبوسة في خانة مفهوم العمالة في الستينيات ومعايير الاحتفاء بالعمل والعمال التي لم يعد لها وجود في العام الـ26 من الألفية الثالثة. ما زالت "إنجي" ابنة الأكابر تصر على حب "علي" ابن الجنايني (البستاني) في "رد قلبي" (1957)، وما زال البرنس شوكت حلمي يمسك بتلابيب الأرستقراطية الموروثة بلا عمل أو كد أو جهد إلى أن يوقظه حب جديد على قيمة الأيدي غير الناعمة في "الأيدي الناعمة" (1963)، وذلك على الشاشات المصرية في عيد العمال.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات