Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دمشق تحتفي باليوم العالمي للرقص رغم هجرة الراقصين

"شرود" عرض يجسد مناخات نفسية رسمتها الأجساد في فضاء شبه فارغ

مشهد من المسرحية السورية الراقصة "شرود" (خدمة الفرقة)

ملخص

في عام 1982 أنشأت لجنة الرقص التابعة للمعهد الدولي للمسرح اليوم العالمي للرقص، وحددت موعده في الـ29 من أبريل (نيسان) من كل سنة، ويمثل ذكرى ميلاد جان جورج نوفير (1727-1810) مؤسس الباليه الحديث.

المرة الأولى التي احتفى المسرحيون السوريون فيها السوريون بهذا الحدث العالمي كان عام 1994، حدث ذلك عبر عرض أخرجه وصمم رقصاته الفنان معتز ملاطية لي، مع فرقته الخاصة "جمرة للرقص الشرقي الحديث". اليوم يواصل الكريوغراف السوري هذا الطقس الاحتفالي، من خلال عرض جديد من إخراجه عنوانه "شرود" (مسرح سعد الله ونوس). يجمع "شرود" عبر لوحاته المتنوعة بين رقصات الشعوب ومدارس الرقص المعاصر، بأسلوب يجعل من حركات الجسد نصاً بصرياً متعدد القراءات.

اختارت لجنة الرقص في المعهد الدولي للمسرح "آي تي آي" مصممة الرقصات الكندية كريستال بايت لكتابة رسالة هذا العام، ومما جاء فيها: "كلنا راقصون، الحياة تحركنا، الحياة ترقص بنا. (..) الرقصة مصنوعة منا، ننحت الفضاء. نكتب بأجسادنا بلغة صامتة مفهومة بعمق، مثل الحياة، تخلق الرقصة نفسها وتدمرها في كل لحظة. كالحب، هو فوق المنطق. أحب أن أتصور الجسد كمكان يحتضن فيه الوجود ويشكل، فعندما نرقص، ننغمس بعمق في وجودنا هناك. أكتب هذا في أوائل عام 2026، في حين يبدو أن القمع والاضطرابات والمعاناة في عالمنا لا نهاية لها. يومياً، ونحن نشهد فظائع ما يقدر عليه البشر تجاه بعضهم بعضاً، وآلات السلطة التي تمول وتغذي عنفاً لا يوصف ضد الناس والكوكب. يبدو الرقص رد فعل سطحياً لا طائل منه، يصعب تخيل ما يمكن أن يفعله فنان رقص في عالم بأمس الحاجة إلى تغيير جذري وشفاء".

الإداء الجسدي

وبالعودة للعرض السوري الراقص نلاحظ أن الفنان معتز ملاطية لي كرس هذا النوع من الاحتفال السنوي، فمنذ تأسيس قسم الرقص التعبيري في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1997، أنجز ملاطية لي -بلا انقطاع- 25 عرضاً تجريبياً مع "مختبر دمشق للرقص المعاصر"، إذ يأتي عرض "شرود" كاستمرارية لمسيرة هذه النوعية من الأداء الجسدي. يمكن القول إن العرض ريبرتوار متنوع من الرقص العالمي من كلاسيك ورقصات الصالونات والجاز والهيب هوب، جنباً إلى جنب مع رقصات التانغو والفالس والسالسا والدبكات الشعبية. العرض السوري لم يكتف بتقديم رقصات الشعوب، على تنوعها وتفردها الفلكلوري والتراثي، بل دخل بقوة إلى مناخات جريئة فنياً على مستوى التجريب، ولا سيما عبر النبش في العالم الداخلي للراقصين والراقصات. مواجهة تكاد تكون نادرة بين الضوء والجسد في بحثه عن الحرية والانعتاق من أغلال الخوف والطاعة العمياء.

ضم العرض 15 لوحة شارك فيها 40 راقصاً وراقصة بمرافقة عزف حي لآلتي الكمان والتشيللو (وضاح نكد، كاريس طوباليان) رفقة مغنية الأوبرا آية الشعراني. عناوين اللوحات أتت في صياغة غير تقليدية لتلاوة كلمة اليوم العالمي للرقص، ومنها "عض شفتيك" و"تحت جلدي" و"في الخفاء"، إضافة إلى اللوحات من قبيل: "تماه" و"دبكة" و"راكب الأمواج". وفيها جميعاً تلاقت الذاكرة مع تراث راقص من أميركا اللاتينية وروسيا، مع لوحات من شرق المتوسط وأفريقيا وأوروبا، من مثل "الحب" و"حصرم بلدي" و"سر الرمال" و"جن الشعب" و"البشر الدمى" و"موج" و"شرود".    

وعلى رغم أن "شرود" لم يتناول مواضيع جادة كما هو حال عروض المختبر، إلا أنه ركز في بعض اللوحات على تكثيف مناخات نفسية يتيح الجسد رسمها في فضاء شبه فارغ، هكذا يلتقي الحب مع قائمة طويلة من الممنوعات الاجتماعية والسياسية. محاورة تلهج الحركة في تدوينها عبر توافق عضلي مع الراقص الشريك. مستويات رمزية لجسد متقلب في أهوائه لا يلبث أن يمحو ويكتب من جديد مسوداته على الخشبة. أسلوبية يتبعها مصمم العرض في مواجهة مع المسكوت عنه، يأتي ذلك من دون التخلي عن جماليات الجسد وقدرته التعبيرية عن تعقيدات الواقع. لا يترك الراقصون فراغات تذكر بين لوحة وأخرى، بل يجري العمل على بنية درامية محكمة يكتبها الجسد بحرفية لافتة. مرة من خلال قصص ثنائية الأداء، ومرات عبر أداء جماعي يبني قصة كل راقص من خلال مونولوغه الداخلي، وكفاحه المستمر لإنجاز عبارات حركية تضج بالرفض والعصيان.

يوميات الرقص

إلى ذلك كان من الواضح أن عرض "شرود" اتكأ على الارتجال في بناء جمله الحركية، وهذا ما يبرر خلو العرض من قصة جامعة، والاشتغال على تدوين يوميات الراقص أو الراقصة، فكل إيماءة أو حركة يجري تنويطها، وفقاً لفرضية تم العمل عليها أثناء البروفات. معادلة تتخذ من الجسد فرشاة للرسم أو ريشة يكتب الراقصون بها حكاياتهم بمعزل عن أي إملاء، من هنا يتم إيجاد تناغم بين المختارات الموسيقية (محمد عزاوي) والإضاءة (حسن حسام الدين) والحركة، وهنا أيضاً يتم توليد لغة الجسد بوصفها الشكل الأكثر كمالاً للمسرح المجرد، فيتحول "الشرود" إلى انتباه متكرر مع كل مرة يقوم المؤدي بصياغة لوحته رفقة الراقص الشريك، فلا حدود مرئية بين قفزة أو أخرى لإتمام مغزى ما أو محاكاة موقف عاطفي.        

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويأتي تقديم عرض "شرود" اليوم في ظل خطر يتهدد استمرار فن الرقص في ظل تراجع الدعم الحكومي، وهجرة عدد من الراقصين، إضافة إلى تفرق شمل فرق المسرح الجسدي المستقلة، ومع أن الأكاديمية المسرحية في البلاد تخرج فيها أكثر من 60 راقصاً وراقصة منذ تسعينيات القرن الماضي حتى الآن، إلا أن معظمهم بات يعمل في كل من أوروبا وكندا وأمريكا ودول الخليج العربي، ومن أبرز الفرق التي اختفت أنشطتها في البلاد كل من "إنانا" و"سما" و"تنوين" و"رماد" و"خطى"، و"أورنينا"، في حين من بقي منهم داخل البلاد يعمل في إحياء حفلات الأعراس والتشريفات وافتتاح المنشآت السياحية.

وآثر عدد من الراقصين والمصممين البارزين منذ اندلاع أحداث الثورة السورية عام 2011 العمل خارج البلاد، من مثل: جهاد مفلح وناصر إبراهيم وعلاء كريميد ويارا عيد وحور ملص، إضافة إلى كل من سعيد هاني وسالي بيتنجاني ومها الأطرش وحمود شباط، مما أضعف من نشاط المسرح الراقص في البلاد، وجعله مقتصراً على عروض خاطفة وشبه معزولة داخل جدران المعهد العالي للفنون المسرحية. ذروة تألق المسرح السوري الراقص كان عام 2009، مع إطلاق الكريوغراف والراقصة مي سعيفان للدورة الأولى من ملتقى دمشق للرقص المعاصر، فعبر دورتين من هذا المهرجان الدولي استضافت دار الأوبرا السورية عروضاً راقصة من ألمانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا ولبنان وفلسطين، إضافة إلى عروض محلية.

وتكافح فرق راقصة داخل البلاد لتقديم عروضها في ظل دعوات تنظر بريبة نحو فن الرقص، وتعتبر الجسد الإنساني منطقة للحرام والعيب والخطيئة. أبرز تلك التجمعات الفنية فرقة "ليش" لمؤسستها الفنانة نورا مراد، التي قدمت أخيراً عرضين بلا جمهور، إذ آثرت مراد أن تقدم كل من عرضيها "وحدن بيبقوا" و"تهويدة غير مرغوب فيها" بلا حضور فيزيولوجي للجمهور، وذلك عبر بثهما لقناة الفرقة على موقع الفيديو العالمي "يوتيوب". هذا الخيار جاء بعد أن حققت نورا معظم عروضها في فضاءات بديلة منذ عام 2006، وكان منها عرض "ألف مبروك" الذي قدمته عام 2007 في سراديب قلعة دمشق، وعرض "إذا ماتوا انتبهوا" عام 2008 وقدمته في غاليري مصطفى علي في دمشق القديمة.

وعن تجربتها في تقديم مسرح حركي راقص بلا جمهور كتبت نورا مراد على حسابها في "فيس بوك"، "لم أختر المسرح شغفاً ومهنة لأنها مساحة حرة وديمقراطية فقط، بل هي أيضاً مساحة لفهم الذات والتعرف إليها ومواجهة مخاوفها، علمتني هذه المساحة ألا أخاف من أمور كثيرة، كما أرتني أن مخاوفي لا تتعلق فقط بهواجس أو تخيلات، بل تتعلق بالأدوات أيضاً، لكن كيف لي أن أعرف ماذا أفعل في اختبار ظرف جديد كلياً، وربما يحتاج إلى أدوات غير التي اعتدت على استخدامها من قبل، خصوصاً وأنها تثبت لي كل يوم بفقدان صلاحيتها. بالنسبة إلي، هذا هو سؤال هذه المرحلة المشبعة بالخوف".

اقرأ المزيد

المزيد من فنون