Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيزادورا دانكن أسست الرقص الحديث ورسمت مستقبله

استلهمت حركة الرياح والأمواج والنحت الإغريقي وتمردت على الصيغ الجامدة

الراقصة الأميركية إيزادورا دانكن (غيتي)

ملخص

عاشت راقصة الباليه الشهيرة إيزادورا دانكن  50 عاما فقط، لكنها استطاعت أن تشكل ظاهرة ما زال صداها يتردد حتى الان. ولعل كتابها "حياتي" الذي يعد سيرة ذاتية شخصية وفنية، ما برح يصدر في طبعات جديدة وفي لغات عالمية شتى.

تمرداً على الباليه الكلاسيكي وقواعده الصارمة؛ ظهر الرقص الحديث في بدايات القرن العشرين. أراد رواده  وفي طليعتهم الراقصة الاميركية ايزادورا دانكن (1877- 1927) صياغة علاقة جديدة بين الراقص والفراغ وبين الجسد والأرض. وتبنوا فلسفة مغايرة، دعمها ظهور علماء النفس ولا سيما رواد مدرسة التحليل النفسي الفرويدي، فرأوا ضرورة أن تنبع الحركة من داخل النفس الإنسانية، وأن تجسد مشاعرها العميقة، وما تحويه من آلام وصراعات، لا أن تكون مجرد استعراض تقني خارجي كما في الباليه الكلاسيكي.

هيأت التحولات الاجتماعية التي أعقبت الثورة الصناعية، وكان أوجها خلال القرن التاسع عشر؛ مناخاً مناسباً لظهور فن الرقص الحديث، فأسهم صعود الحركة النسوية المبكرة في نشأة حركات فنية جديدة. ولم يكن الرقص الحديث مجرد أسلوب فني جديد، بل اتخذ مساراً فلسفياً، قوامه تحدي مراكز القوة. فقد عمدت النساء اللواتي تحدين التقاليد في الانخراط بحركات تجريبية، أعدن عبرها ابتكار مفاهيم جديدة للرقص، تعبر عن روح التحرر، وتخالف في الوقت نفسه، الرقص الكلاسيكي، الذي كان وثيق الصلة بالماضي، وبالهياكل الارستقراطية الملكية الأوروبية. كذلك تأثر آداؤهن بظهور الفن الحديث والمعاصر، وباتجاه عام ينزع إلى تجريد الواقع في الفن، فلم تعد القصص الخيالية والأساطير موضوعاً تنهض عليه العروض. بل تحولت للاهتمام بالواقع، وإثارة قضايا وأفكار جريئة حول الحرية والمقاومة السياسية.

البداية الأميركية

 لم يكن لهذا الفن أن يتبلور، ويفرض حضوره على الواقع، لولا رواده ومؤسسوه أمثال لوي فولر، روث سانت دينيس، إميل جاك دالكروز، رودلف لابن، وإيزادورا دانكن التي لُقبت ب"أم" الرقص الحديث، وكانت من أول الرافضين للصيغ الجامدة، والمتمردين على الرقص المقولب، حدَّ أنها اعتبرت أن تقنية الباليه تشوه الحركة الطبيعية للجسم، وتجعل الراقصين يتحركون كالدمى. وأعلنت تفضيلها حركات الجسم البهلوانية، عن تلك الهندسية الصارمة في الباليه الكلاسيكي. لذلك كانت دنكن تطلق لجسمها العنان، وتستلهم حركة الرياح والأمواج. كما كانت تستلهم بعض حركاتها من المنحوتات اليونانية القديمة، مثل رفع الذراعين، والقفزات، والوثب بحرية، فقد اعتبرت أن الرقص ينبغي أن يكون التعبير الميتافيزيقي عن الروح الإنسانية.

 هذا التمرد على القواعد دفع البعض لاتهام أسلوبها في الرقص بالفوضوية. والمفارقة أن الفوضوية لم تكن في آدائها الراقص، وإنما تجسدت بكامل معناها في حياتها الشخصية، التي لم تخل من منعطفات درامية خطيرة، وانتهت بمأساة مفجعة.

 نشأت إيزادورا المولودة في سان فرانسسكو عام 1877؛ في أسرة فقيرة. افترق والداها باكراً، وعاشت مع ثلاث أخوات في كنف والدتهن، معلمة الموسيقى. لم يتحقق لها في أميركا ما كانت تتوقعه من نجاح، فقررت في عمر الحادية والعشرين السفر إلى أوروبا.

النجاح والإخفاق

بمدخراتها القليلة أبحرت إيزادورا على متن سفينة لنقل الماشية إلى انجلترا، لتجد التقدير الذي كانت تبحث عنه في حفلات النخبة اللندنية، ولا سيما أن الباليه في ذلك الوقت كان يعاني فترة انحدار. ولم يمض وقت طويل حتى راحت الراقصات يقتدين بها. ورحن يرقصن على المسارح، وفي قاعات الحفلات الموسيقية حافيات الأقدام، وبملابس خفيفة، بدوْن فيها مثل حوريات. وسرعان ما انتشر هذا الأسلوب الجديد في أنحاء أوروبا. وبعد نجاحها سعت دنكن لتأسيس مدارس للرقص، بلغ عددها 6 على مدار حياتها القصيرة، إلا أن أياً منها لم يصمد. ولم يكن نجاح أسلوبها الراقص السبب الوحيد في شهرتها وتصدرها عناوين الصحف، بل كان بعض شهرتها نتاج روحها المتمردة، التي لم تكتف برفض الرقص الكلاسيكي وحسب، وإنما واصلت تحدي الأعراف الاجتماعية المحافظة.

وأودى بها جموحها للوقوع في تجارب عاطفية فاشلة، أثمرت طفلين تعرضا ومربيتهما للغرق في حادث مآساوي، بعد انقلاب سيارتهما في نهر السين في باريس. وكان هذا الحادث لحظة مفصلية وفارقة في حياة دنكن، لم تستطع التعافي منه أبداً. لكنها لم تتوقف عن الرقص وإن لم تجد جولاتها في بعض الدول الأوروبية؛ النجاح الذي اعتادته سابقاً، نتيجة الظروف السياسية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، لذا قررت السفر إلى الاتحاد السوفياتي السابق بعدما دُعيت لتأسيس مدرسة للرقص في موسوكو عام 1920، وهناك التقت الشاعر بيسيرجي ألكساندروفيتش يسينين، الذي كان يصغرها بسبعة عشر عاماً، وتزوجا، ثم اصطحبته في جولة إلى الولايات المتحدة، فاتُهما بالعمالة لصالح البلاشفة لتستمر سلسلة المآسي بمغادرتها الولايات المتحدة إلى أوروبا، ناقمة على موطنها للمرة الثانية. تدهورت الحالة النفسية لزوجها الذي ما لبث أن عاد بمفرده إلى بلده، وبعد عودته أقدم على الانتحار. وبالدرامية ذاتها انتهت حياة دنكن، فعاشت سنواتها الأخيرة غير مستقرة. وتعرضت لحادث مميت حين علق وشاحها الطويل في العجلة الخلفية للسيارة التي كانت تقلها، مما أدى إلى اختناقها عام 1927. وفي العام نفسه نُشرت سيرتها الذاتية، وأعيد نشرها عام 1972.

الرفض والقطيعة

جاء أسلوب إيزادورا دنكن معبراً عن رفض قاطع لكل تقاليد الرقص الكلاسيكي، وخلال تطور الرقص الحديث ظل مخلصاً لفترة من الوقت، لتلك القطيعة، فاعتمد على مفهوم الحركة الطبيعية المستلهمة من المشي والجري والقفز والاهتزاز، بدلاً من الحركات الهندسية المصطنعة. كما تغيرت النظرة إلى الجاذبية الأرضية، فبينما كان الباليه يسعى دائماً للتحليق ونفي الوزن، أصبح الرقص الحديث يعترف بالثقل والجاذبية، ويستخدم الأرض كعنصر أساسي في التعبير، وهو ما تجلى في تقنيات السقوط والاستعادة. ومن الناحية البصرية استبدلت الأزياء الضخمة لتحل محلها الملابس الفضفاضة. كما ظهرت جماليات جديدة تعتمد على قوة الجسد ومرونة العمود الفقري، واستخدام التوتر والزوايا الحادة، والنزوع إلى التعبيرية بدلاً من الانحناءات الانسيابية المثالية، التي كانت تميز الباليه الكلاسيكي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبدا كذلك نوعاً من الانفتاح الثقافي على الرقصات الشرقية، إذ استلهما المصممون، وسعوا لدمجها في لغة جديدة للرقص، لم يُسمح بها، ولم تكن موجودة في الباليه الكلاسيكي. كذلك لم تعد العروض تترجم عبر الرقص حكايات أسطورية عن أميرة مسحورة، أو حب مستحيل، وإنما باتت تعبر عن  قضايا وتجارب اجتماعية. ولم يعد جسد الراقص يبدو -كما في الباليه الكلاسيكي- عمودياً وخفيفاً كأنه يتحدى الجاذبية، واندثر الوقوف على رؤوس الأصابع، والخطوط طويلة للساقين، والحركات المتناظرة الدقيقة التي تسعى إلى الكمال الشكلي والانضباط الصارم. فقد تخلى الرقص الحديث عن كل هذا التكنيك ليتجلى الاستخدام الواضح للجذع والانحناء والتقلص والاندفاع. بات الجسد يتحدث ويصرخ، وباتت الحركة وسيلة لتحقيق الصدق التعبيري لا الكمال التقني. وكما تمرد الرقص الحديث على الباليه في الأسلوب الحركي، تمرد عليه أيضاً في علاقته بالموسيقى. فلم يعد الرقص تابعاً للموسيقى وكأن الجسد عبداً للنوتة الموسيقية، وإنما أصبحت الموسيقى جزءاً من الطقس الكلي للعرض ومكوناً من مكوناته.

 ما بعد القطيعة

مع مرور الوقت تحولت العلاقة بين الباليه والرقص الحديث من الصدام إلى التأثير المتبادل. فعلى الرغم من رفض الرقص الحديث لمبدأ القواعد الصارمة، فإنه ما لبث أن استفاد من الانضباط التقني والقوة الجسدية التي يوفرها تدريب الباليه. ويبدو ذلك واضحاً لدى كوريغرافيين مثل ميرس كانينغهام الذي دمج بين استخدام الجذع المرن في الرقص الحديث وحركات الأرجل السريعة والدقيقة المستمدة من الباليه الكلاسيكي، مبتكراً لغة حركية أقرب إلى الباليه. فبدلاً من التركيز على انقباض وانبساط الحوض كما فعل غراهام، استخدم راقصو كانينغهام عموداً فقرياً قوياً ومرناً، مع مدّ الذراعين والساقين إلى الخارج في كثير من الأحيان. وكان على راقصيه أن يتمتعوا بقوة وتحكم مذهلين لتنفيذ تغييرات الاتجاه التي تطلبتها تصميماته الراقصة. كما أن العديد من راقصي الرقص الحديث في الجيل الثاني والثالث كانوا في الأصل راقصي باليه محترفين، مما جعل خلفيتهم الكلاسيكية تظهر في دقة الخطوط والتحكم العالي في الجسد أثناء أداء الحركات الحديثة.

وكما أثر الباليه في الرقص الحديث تأثر به أيضاً، فاستمد منه الحرية والتعبير النفسي. وبدأ مصممو الباليه في إدخال حركات أكثر مرونة للعمود الفقري. واستخدموا تعبيرات حركية لم تكن مألوفة في الباليه التقليدي. ونجم عن هذا التأثر ظهور ما يسمى بالباليه النيوكلاسيكي والباليه المعاصر، إذ تحرر راقصوه من بعض القيود الهندسية الصارمة، وبدأوا في استكشاف موضوعات واقعية ونفسية معقدة. وتسربت تقنيات الانقباض والانبساط إلى لغة الباليه فمنحته عمقاً تعبيرياً أكبر. هكذا أثمر التأثير المتبادل لغة عالمية موحدة للرقص؛ تستفيد من جمالية الباليه الكلاسيكي جنباً إلى جنب مع صدق وقوة وتعبيرية الرقص الحديث. ولم يعد يُنظر إليهما كعالمين منفصلين، بل كأدوات مختلفة يعبر من خلالها الفنان عن رؤيته للنفس والعالم.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون