Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دول البلطيق ساحة حرب محتملة ونقطة احتكاك روسيا و"الناتو"

خلص معهد دراسة الحرب في الولايات المتحدة إلى أن موسكو سرعت حملتها للاستعداد لهجوم محتمل مع حلف شمال الأطلسي وانتقلت إلى مرحلة وضع الأسس المعلوماتية والنفسية

قال رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية إن روسيا قلصت الجدول الزمني لإعداد عمليات عسكرية محتملة في أوروبا، وتخطط لاحتلال دول البلطيق (أ ف ب)

ملخص

لا ينصب السؤال الأساس على ما إذا كانت روسيا ستتحرك، بل على الكيفية: ما الأدوات التي قد يستخدمها بوتين، وكيف يمكن لدول البلطيق وحلفائها الغربيين الرد؟

طرح موقع "ناشونال إنترست" الأميركي قراءة مطولة قدمها العسكري اليوناني السابق الخبير في شؤون الدفاع ستافروس أتلامازوغلو قال فيها، إن روسيا قادرة على احتلال دول البلطيق خلال 90 يوماً من دون إرسال جندي واحد.

في وقت لا تبدو نهاية واضحة في الأفق للحرب الروسية-الأوكرانية، تبرز تساؤلات حول مزيد من نقاط الاحتكاك بين روسيا ودول منطقة البلطيق، لا سيما إستونيا. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي صرح قبل أيام بأنها قد تكون في مرمى نيران الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ضمن ما وصفه بمخططاته التوسعية ومزيد من الحرب مع أوروبا.

وفي الأحد 19 أبريل (نيسان) الجاري، قال زيلنسكي للتلفزيون الأوكراني، إن روسيا قد تخطط لحملة تعبئة عسكرية جديدة، إما لتصعيد حربها في أوكرانيا أو لشن عمليات في بحر البلطيق.

ويرى زيلنسكي أن القيود المستمرة على الإنترنت عبر الهاتف المحمول في روسيا، التي يقول الكرملين إنها تهدف إلى مكافحة الضربات الجوية الأوكرانية وعمليات التخريب، تمهد الطريق لقمع احتجاجات جماهيرية محتملة ضد موجة أخرى من التعبئة.

وأشار زيلنسكي ضمناً إلى إستونيا، الدولة الصغيرة التي كانت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً، والتي تربطها بموسكو علاقات متوترة منذ زمن. وكانت إستونيا من أبرز داعمي أوكرانيا منذ أن أمر بوتين بشن هجوم عليها في فبراير (شباط) 2022.

وتفتح تصريحات زيلنسكي، على رغم اختلاف المواقف الرسمية في إستونيا معها، الباب أمام حديث تزايدت حوله الإشاعات عن نيات بوتين القيام بعمليات عسكرية جديدة في منطقة البلطيق والدخول في مواجهات أوسع مع حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويعيد ذلك طرح مخاوف انزلاق المواجهات من صراع إقليمي إلى حرب أوسع.

هل يخطط الدب الروسي لجولات جديدة من الحرب في البلطيق؟

تأكيد أوكراني ونفي إستوني

لم تكن تصريحات زيلنسكي الأولى من نوعها بشأن احتمال استهداف دول البلطيق. ففي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال كيريلو بودانوف، رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، في مقابلة تلفزيونية، إن روسيا قلصت الجدول الزمني لإعداد عمليات عسكرية محتملة في أوروبا، وتخطط لاحتلال دول البلطيق.

وأضاف بودانوف، أن روسيا خططت في البداية للاستعداد للقتال في أوروبا بحلول عام 2030، لكن تلك الخطط عُدلت إلى جدول زمني أقرب، عام 2027.

وأوضح أن سعي روسيا للاستيلاء على الأراضي ينبع من نظرتها للعالم، التي تصور الغرب مريضاً وضعيفاً ومتردداً. ورأى أنه لكي تتطور أي إمبراطورية، كما يرى الروس أنفسهم، لا بد أن تنتقل دائماً إلى مكان ما لتوسيع نفوذها وأراضيها.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، خلص معهد دراسة الحرب في الولايات المتحدة إلى أن روسيا سرعت حملتها للاستعداد لحرب محتملة مستقلة مع حلف شمال الأطلسي، وانتقلت إلى مرحلة وضع الأسس المعلوماتية والنفسية.

وفي الشهر نفسه، قال بودانوف إن الهجمات الروسية على أوروبا تسعى لتحقيق أهداف رئيسة عدة. ووفقاً له، فإن بوتين يهيئ الرأي العام الروسي، ويسعى إلى "تدمير فكرة أن أوروبا ذات قيمة وأن أوروبا قوية، من أذهانهم".

لكن اللافت في الأيام الماضية كان رفض وزير الخارجية الإستوني، مارجوس تساكنا، مزاعم زيلنسكي بأن روسيا قد تكون في مرحلة استعداد لمهاجمة دول البلطيق، وقال إنه لا يوجد حالياً أي دليل على حشد عسكري قرب حدود "الناتو".

وفي تصريح لإذاعة "ERR" قال تساكنا، "لا نرى روسيا تركز قواتها أو تستعد بأي شكل من الأشكال عسكرياً لمهاجمة حلف ‘الناتو‘ أو دول البلطيق".

وأضاف، "بل على العكس من ذلك، فروسيا ليست في موقف قوي للغاية على الجبهة الأوكرانية، وكذلك من الناحية الاقتصادية".

ولم يقتصر النفي على وزير الخارجية. ففي ديسمبر الماضي، قال رئيس جهاز الاستخبارات الإستوني، إنه لا يوجد ما يشير إلى أن بوتين يخطط لمهاجمة دول البلطيق أو "الناتو"، على رغم تحذيرات متزايدة من مسؤولين أوروبيين من احتمال اندلاع صراع مباشر بين الغرب وروسيا في الأعوام المقبلة.

هل تنكر إستونيا مخططات روسيا تفادياً للتصعيد مع موسكو؟ أم إن أوكرانيا، ومعها أوروبا، تروج لما يعرف بـ"التنبؤات التي تحقق ذاتها"، تحت تأثير ما يسمى "الروسفوبيا"؟

استراتيجية بوتين في منطقة البلطيق

على رغم النفي الإستوني الرسمي، لا يزال سؤال علاقة بوتين بدول البلطيق يشغل كثيراً من المحللين، لا سيما في الغرب. ويبرز السؤال كيف يمكن التنبؤ بما قد يفعله بوتين في الأيام المقبلة في هذه المنطقة؟

منذ مطلع الألفية الثانية، تزايدت تصرفات روسيا التي ينظر إليها على أنها مراجعة للوضع الراهن على الساحة الدولية. وأثار تدخل الكرملين في جورجيا عام 2008، وضم شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم الهجوم على أوكرانيا، مخاوف بشأن وجهة طموحات موسكو المقبلة.

ومن بين الأهداف المحتملة الأكثر تداولاً في دول البلطيق: إستونيا ولاتفيا وليتوانيا. فبعد أن ضمها الاتحاد السوفياتي قسراً، استعادت هذه الدول استقلالها، وسرعان ما اندمجت في النظام الأمني والاقتصادي والسياسي الغربي، وانضمت إلى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي في عام 2004.

ومع ذلك، فإن قربها الجغرافي وروابطها التاريخية مع روسيا يجعلانها عرضة للخطر، ليس فقط للتهديدات العسكرية التقليدية، بل أيضاً لتكتيكات الحرب المعلوماتية. ودأب الكرملين على تحدي الروايات التاريخية المحيطة بسيادة دول البلطيق، وسعى إلى استغلال الانقسامات الداخلية، مما أبقى مسألة شرعيتها حاضرة في الخطاب الروسي.

وعلى رغم أن هذه التكتيكات لا ترقى إلى حد العدوان العسكري المباشر، يرى بعض المحللين أنها تعكس استراتيجية أوسع تقوم على زعزعة الاستقرار والإكراه بدلاً من الدبلوماسية.

وفي هذا السياق، لا ينصب السؤال الأساس على ما إذا كانت روسيا ستتحرك، بل على الكيفية: ما الأدوات التي قد يستخدمها بوتين، وكيف يمكن لدول البلطيق وحلفائها الغربيين الرد؟

ويرجح أن روسيا تنظر إلى دول البلطيق بوصفها "الجزء الأضعف من الغرب" الذي يسهل التلاعب به عبر عمليات نفسية متواصلة، في إطار ما يسمى "حرب المعرفة"، أي الاستخدام المتعمد للمعلومات وإدارتها لتحقيق ميزة تنافسية على الخصوم.

وتجسد مؤسسات إستونيا الشفافة وحوكمتها الإلكترونية الفعالة وعضويتها في "الناتو"، نموذجاً تعارضه روسيا في ظل حكم بوتين. وترى دوائر غربية أن "تقويض نموذج ناجح على حدود روسيا يهدف إلى تعزيز شرعية الحكم الاستبدادي في الداخل".

وفي هذا الإطار، تبدو زعزعة الاستقرار، لا الهيمنة، مفتاحاً لفهم الاستراتيجية الروسية المناهضة للغرب. فبدلاً من امتلاك أيديولوجيا جذابة تنافس الديمقراطية الليبرالية الغربية، تسعى موسكو إلى تقويض شرعية واستقرار جيرانها عبر الحرب النفسية والتضليل والاستفزاز. وقد وجدت إستونيا نفسها في طليعة هذه الحملة منذ عام 2004.

ومن الهجمات الإلكترونية إلى الخلافات المفتعلة، مثل أحداث شغب "الجندي البرونزي" في عام 2007، اختبرت روسيا التماسك الاجتماعي والإرادة السياسية في إستونيا. وتعد هذه الجهود جزءاً من استراتيجية أوسع للحفاظ على النفوذ الروسي في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي. ومن نقاط التوتر اتفاقية الحدود غير المحسومة بين إستونيا وروسيا، التي ينظر إليها باعتبارها إنذاراً مبكراً إلى رغبة موسكو في تعميق صراع النفوذ مع الغرب.

روسيا ووجودها العسكري في البلطيق

تسعى روسيا إلى تأمين مصالحها ليس فقط في حوض بحر البلطيق، بل في المنطقة ككل، لا سيما في الجانب العسكري، عبر خطوات عملية للرد على الوجود المتزايد لـ"الناتو" في البحر.

في 24 يناير (كانون الثاني) 2025، أصدرت روسيا تحذيراً نددت فيه بـ"الانتهاكات" المزعومة التي تقوم بها سفن تابعة لدول أعضاء في حلف شمال الأطلسي في بحر البلطيق.

ومن بين أهداف إصلاح الدفاع والتحول العسكري الروسي في منطقة البلطيق، تحسين جاهزية قواتها وفعاليتها، مع التركيز على التعبئة السريعة والقدرة على التنقل، بما في ذلك عبر المناطق العسكرية، ورفع القوة النارية. وفي حال نشوب أزمة أو صراع مع "الناتو" في البلطيق، ستعتمد روسيا على قدرتها على التعبئة والتحرك وتركيز القوات بسرعة.

وفي كل الأحوال، يظل واضحاً أن إستونيا قد تكون في مقدمة أي مواجهة روسية مع "الناتو" عبر دول البلطيق.

في مارس (آذار) 2025، قال كامبل غراند من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، والأمين العام المساعد السابق للاستثمار الدفاعي في حلف شمال الأطلسي، "إن إستونيا ودول البلطيق الأخرى، تقليدياً، أكثر عرضة للخطر من بقية دول حلف ‘الناتو‘، نظراً لعزلتها الجغرافية عن أعضاء الحلف في أوروبا الغربية".

وفي المقابل، فإن نقاط الضعف المتأصلة وصغر حجم دول البلطيق وجيوشها، يعني أنها، على رغم جهودها، غير قادرة على الدفاع عن المنطقة من دون مساعدة التحالف بأكمله.

ومن مساعي روسيا العمل على كسب تأييد الرأي العام الروسي، وكذلك الأقليات الناطقة بالروسية في دول البلطيق، عبر وسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية. وتعد هذه الوسائل أكثر شعبية بين الروس في البلطيق مقارنة بالقنوات الناطقة باللغات الوطنية في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا. ووفقاً لدراسة استقصائية أجرتها وزارة الدفاع الإستونية، ففي حال وقوع هجوم خارجي يرجح أن تدعم غالبية الأقلية الناطقة بالروسية (70 في المئة) المقاومة ضد أي هجوم روسي.

ويعد تأمين ملاحة ناقلات النفط الروسية في بحر البلطيق سبباً آخر لتعزيز الوجود العسكري في البحر.

وفي هذا الإطار، قال هيلغ أدرينس من معهد الشؤون الدولية والأمنية (SWP) في برلين، إنه يتوقع زيادة كبيرة في مرافقة البحرية الروسية لناقلات النفط الروسية عبر بحر الشمال وبحر البلطيق. ووفقاً لتحليله، فإن "تصعيداً إضافياً في الصراع مع روسيا في منطقة البلطيق وشيك"، مشيراً إلى حزمة العقوبات الأخيرة التي فرضها الاتحاد الأوروبي على صادرات الغاز والنفط الروسية.

هل تخشى روسيا من أن تلعب دول البلطيق دوراً متقدماً في خطط "الناتو" لإلحاق ضرر كبير بها؟

ناريشكين وتصريحات مثيرة

في 15 أبريل (نيسان) الجاري، أدلى مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية (SVR)  سيرغي ناريشكين، بتصريحات قال فيها إن بولندا ودول البلطيق ستكونان أول من يعاني في صراع مباشر بين حلف الأطلسي وروسيا.

وفي حديثه لوكالة الأنباء الروسية "تاس" قال ناريشكين، "إن أي هجوم من جانب ‘الناتو‘ ضد روسيا أو بيلاروس ستكون له عواقب وخيمة على بولندا ودول البلطيق، لا سيما إستونيا ولاتفيا وليتوانيا".

وأضاف "ينبغي عليهم أن يفهموا، أي هجوم من قبل حلف شمال الأطلسي ضد روسيا وبيلاروس، سيلحق الضرر، بالطبع، بكتلة ‘الناتو‘ بأكملها، لكن إلى حد كبير سيكون أول من يعاني هم حاملو هذه الأفكار في الأوساط السياسية في بولندا ودول البلطيق".

وتابع ناريشكين، "هذه الدول أظهرت عدوانية شديدة تجاه روسيا"، متهماً بولندا ودول البلطيق بـ"التلويح المستمر بأسلحتها". وخص بولندا بالذكر بسبب خططها لزرع ألغام مضادة للأفراد على طول الحدود مع بيلاروس وجيب كالينينغراد الروسي شديد التحصين، فضلاً عن طلب وارسو من الولايات المتحدة نشر أسلحة نووية في بولندا.

هل يقع جزء من استفزاز روسيا على دول البلطيق؟

كانت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا أعلنت في 18 مارس الماضي انسحابها من اتفاقية أوتاوا، وهي معاهدة دولية تحظر استخدام وإنتاج وتخزين الألغام المضادة للأفراد، مبررة ذلك بالتهديدات العسكرية المباشرة من روسيا وبيلاروس، التي قالت إنها تزايدت في الآونة الأخيرة.

ووصف ناريشكين هذا الموقف بأنه "محزن"، ولمح إلى أن "الناتو" مسؤول عن الحرب الشاملة التي شنتها روسيا ضد أوكرانيا، وهي رواية يعدها الغرب متكررة يستخدمها الكرملين لتبرير عمليته العسكرية.

وقال ناريشكين، إن "بولندا ودول البلطيق لا تفهمان أن حشد النشاط العسكري على حدود روسيا وبيلاروس أصبح أحد عوامل الأزمة الحالية في القارة الأوروبية".

وتتزامن هذه التصريحات مع تقارير عن توجهات في واشنطن لخفض تمويل الحلف. وكان بعض المقربين من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من بينهم إيلون ماسك، دعوا إلى انسحاب الولايات المتحدة الكامل من "الناتو". كذلك تتحدث تقارير عن احتمال سحب نحو 10 آلاف جندي من الدول الأعضاء في أوروبا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل روسيا قادرة على مهاجمة البلطيق؟

طرح موقع "ناشونال إنترست" الأميركي قراءة مطولة قدمها العسكري اليوناني السابق المتخصص في شؤون الدفاع ستافروس أتلامازوغلو، قال فيها إن روسيا قادرة على احتلال دول البلطيق خلال 90 يوماً من دون إرسال جندي واحد.

وقدم أتلامازوغلو سيناريو افتراضياً قال إنه يستند إلى دروس من التدخل العسكري الأميركي في إيران خلال عملية "الغضب الملحمي".

وينطلق السيناريو من فرضية فوز مارين لوبان، زعيمة حزب "التجمع الوطني الفرنسي" المتشكك في الاتحاد الأوروبي، بالرئاسة في عام 2027، وسحبها المظلة النووية الفرنسية من "الناتو". وفي هذا التصور، تبقى الولايات المتحدة متورطة في إيران بعد حرب امتدت 18 شهراً، واستنفدت ترسانتها من الذخائر بعيدة المدى.

ويفترض السيناريو أن الكرملين يستغل هذه التطورات ليشن هجوماً نارياً واسع النطاق بعيد المدى على دول البلطيق باستخدام صواريخ فرط صوتية و"باليستية" وصواريخ "كروز"، إضافة إلى أكثر من 170 ألف طائرة مسيرة أحادية الاتجاه على مدى 70 يوماً. ويقول السيناريو إن الهجوم يدمر "كل جسر، وكل محطة توليد كهرباء، وكل مستشفى، وكل محطة معالجة مياه" في المنطقة، ما يغرق ليتوانيا، التي يبلغ عدد سكانها 2.8 مليون نسمة، في ظلام مع انقطاع التدفئة واقتراب الشتاء.

ويختتم السيناريو بالقول، "إنه في اليوم الـ90، تصدر موسكو إنذاراً نهائياً تقول فيه: إما أن تقبل دول البلطيق الثلاث بالاحتلال الروسي، أو أن تكون ريغا وتالين هما التاليتين".

وبناء على ذلك، يرجح كاتب المقال أن تستسلم دول البلطيق الثلاث من دون عبور أي جندي روسي للحدود.

هل سيكون هذا أول هجوم روسي على تلك الدول؟

لا. ففي عام 1940، غزاها الاتحاد السوفياتي وضمها، ولم تنل استقلالها إلا بعد انهياره في عام 1991. واقترح دعاة الانتقام داخل روسيا بين الحين والآخر استعادتها، مما أدى إلى توتر العلاقات بين الدول الثلاث وجارتها الشرقية الأكبر حجماً.

هل تستعد روسيا للهجوم بالفعل؟

على رغم تزايد التقارير في وسائل الإعلام الغربية عن احتمال شن روسيا هجوماً على دول البلطيق، لا سيما إستونيا، يرى خبراء أنه لا يوجد حالياً سيناريو واقعي لهجوم شامل.

وفي تصريحات لوكالة أنباء الأمم المتحدة، أنكر كل من المحلل السياسي هينادي دوبوف والخبير الدولي ستانيسلاف جيلخوفسكي وجود سيناريوهات جاهزة "تقوم على فكرة الغزو الروسي لدول البلطيق".

وقال دوبوف، إن الحديث عن سيناريوهات حالية لمهاجمة دول البلطيق مبالغ فيه، حتى لو كانت روسيا تقوم بين الحين والآخر باستفزازات مختلفة، لكن "ذلك لا يعني الاستعداد لغزو شامل".

وأشار إلى أن بعض الحجج المتداولة في وسائل الإعلام تتناقض، مثل القول إن أسعار الطاقة ترتفع بسبب الصراعات العالمية مما يدر على روسيا دخلاً إضافياً، ثم افتراض أنها ستشن عمليات عسكرية في البلطيق تحديداً، على رغم أن ممرات طاقة حيوية تمر عبر المنطقة، بما في ذلك الغاز المسال، مما قد يعرض إمدادات روسيا نفسها للخطر.

ولفت دوبوف إلى أن موضوع الهجوم الروسي المحتمل على دول البلطيق يناقش بنشاط في وسائل الإعلام الألمانية، لا سيما صحيفة "بيلد"، ورأى أن ذلك يرتبط جزئياً بالسياسة الداخلية في ألمانيا وبالنقاشات حول زيادة الإنفاق الدفاعي.

وبالعودة إلى إستونيا، يرد أحياناً سيناريو استفزاز في بلدة نارفا الحدودية، حيث يشكل الناطقون بالروسية نسبة كبيرة من السكان. لكن دوبوف يرى أن هذا السيناريو يتطلب موارد كبيرة.

وأضاف أنه حتى في حال الحديث عن سيناريو "الرجال الخضر الصغار" في نارفا، فإن أي تحرك من هذا القبيل يحتاج إلى موارد عسكرية ضخمة، وهو ما يطرح سؤالاً عن امتلاك روسيا لهذه الموارد، وعن الهدف النهائي لمثل هذه التحركات.

ووفقاً لدوبوف، فإن تصعيداً واسع النطاق قد يؤدي إلى عواقب اقتصادية وخيمة على روسيا، وقد يقود إلى فرض حصار تجاري في بحر البلطيق من قبل دول اسكندنافية وألمانيا ودول أخرى. وفي الظروف الراهنة، يبدو هذا السيناريو بعيداً.

لكن هل يعني ذلك استبعاد فكرة مهاجمة روسيا لدول البلطيق نهائياً؟

يرى مراقبون أن سيناريوهات استفزت روسيا ودفعتها إلى حرب فبراير 2022 يمكن أن تقود إلى تكرار المشهد في البلطيق، وإن كان ذلك لا يبدو خياراً مفضلاً لموسكو.

وفي كل الأحوال، فإن حالة السيولة الجيوسياسية التي يعيشها العالم تفتح الباب أمام احتمالات كانت تبدو غير واقعية. لذلك، ستظل دول البلطيق نقطة توتر محتملة على أطراف أوروبا.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل