ملخص
وفقاً لكتاب "قهقهة فوق النيل: اقتباس الكوميديا في السينما"، لأستاذ الدراسات العربية في جامعة يورك في كندا وليد الخشاب، لم يكن مؤلفو الأفلام ومخرجوها في مصر في القرن الـ20 ينظرون إلى الاقتباس عن مسرح وأدب وسينما الغرب، خصوصاً الكوميدي منها، بوصفه سرقة، ولذلك لم يكونوا يذكرون في غالب الأحيان اسم العمل الأصلي الذي اقتبسوا منه.
يقدم الناقد الأكاديمي المصري وليد الخشاب في كتابه "قهقهة فوق النيل: اقتباس الكوميديا في السينما" (دار المرايا) دراسة تاريخية نظرية موجزة للقضايا الفنية والثقافية التي حكمت ظاهرة اقتباس السينما المصرية لأفلام ومسرحيات أوروبية وأميركية، بين الأربعينيات والستينيات من القرن الـ20، وهي الحقبة التي تمثل عصرها الذهبي.
وذلك الاقتباس كان بمثابة "التمصير"، أي تعديل نصوص وأفلام وعروض مسرحية غربية بحيث تكتسي ثوباً مصرياً مقنعاً. وتتناول الدراسة كيف تطور مفهوم التمصير بالتوازي مع تطور وترسخ قيم الواقعية الجمالية والاجتماعية في السينما المصرية عبر تلك العقود. وتحلل الدراسة نحو 20 فيلماً لتثبت في الأخير أن معظم - إن لم يكن كل - كلاسيكيات الكوميديا االمصرية مقتبسة بدرجة أو بأخرى عن أصول أجنبية، لا سيما الأصول الفرنسية والأميركية.
ويركز الكتاب على اقتباس الكوميديا السينمائية المصرية عن مصادر غربية، لكن خطاً رئيساً فيه يتابع وجود "أيديولوجيا الفودفيل"، التي سبق أن رصدها الخشاب في كتابه "مهندس البهجة" الذي تناول أفلام ومسرحيات فؤاد المهندس ما بعد ثورة 1952، وحتى سبعينيات القرن الماضي، القائمة أيضاً على الاقتباس وفكرة الدعاية، الواعية أو اللاواعية، لنظام حكم جمال عبدالناصر، خصوصاً في بعده الاجتماعي القائم على فتح المجال للترقي الطبقي، عبر إلحاق خريجي التعليم الجامعي المجاني بالوظائف الحكومية.
الكوميديا المختلفة
وفي هذه الدراسة يركز الخشاب على الكوميديا في وسائط مختلفة، مع الاهتمام بالسينما تحديداً، وعلاقتها بالأدب والمسرح وبثقافات مختلفة شرقية وغربية، وإن برز دور السينما الأميركية كمصدر فائق الأهمية كماً وكيفاً، لا سيما في الخمسينيات والستينيات، على رغم توتر العلاقات المصرية - الأميركية على المستوى السياسي آنذاك.
وفي كتابه "مهندس البهجة" (المرايا - 2023) لاحظ الخشاب أن الوعد بالترقي الاجتماعي كان يتحقق في أفلام فؤاد المهندس الكوميدية - وكذلك في مسرحياته - بأن يدخل البطل الفقير في الطبقة الوسطى ويتمتع بملذاتها من سكن راق وزوجة جميلة (عادة ما تكون زوجته في الواقع الفنانة شويكار)، في مقابل الولاء لا لطبقة بعينها، وإنما لدولة التحرر الوطني ذاتها ولمؤسساتها، ثم اتضح للخشاب لاحقاً أن هذا الاتجاه كان سائداً في الفترة الزمنية ذاتها في أفلام ومسرحيات أخرى غير تلك التي قام المهندس ببطولتها.
وكما يقول الخشاب فمن أقوى أمثلة تجسد أيديولوجيا الفودفيل تلك في السينما الكوميدية المقتبسة عن السينما الأميركية فيلم "الجريمة الضاحكة" (1963)، بطولة أحمد مظهر وسعاد حسني وإخراج نجدي حافظ والمقتبس عن الفيلم الأميركي "الكشك" من إخراج جورج مارشال عام 1959. والمثير - كما يقول الخشاب - أن قصة الفيلم الأميركي تبدو مقتصرة على التسلية والتشويق الكوميدي، بينما "التمصير" يضفي على القصة نفسها بعداً اجتماعياً وسياسياً يرتبط بتنشيط دعاية أيديولوجيا الفودفيل. ولاحظ المؤلف كذلك أنه دائماً ما تجري السينما المصرية تعديلات على الأصل الغربي عندما تقتبس رواية أو فيلماً، وعندما تختص هذه التعديلات بخلق جو مصري في الفيلم بدلاً من الجو الأوروبي والأميركي في الأصل الغربي، وهكذا يتحقق "التمصير".
لكن عملية الاقتباس تقتضي أيضاً إجراء ما يسميه الخشاب عملية التكييف النوعي، بحيث يدخل الفيلم المصري المقتبس في إطار مواضعات درامية وشخصيات متعارف عليها في صناعة السينما المصرية. تكييف الأصل الغربي نوعياً هو إدراج الفيلم المقتبس في إطار أنواع فنية مألوفة للمشاهد المصري، بحيث لا يشعر بأنه إزاء تمصير لعمل أجنبي. ولعل أقوى مثال على ذلك هو تحويل فيلم "عفريتة إسماعيل ياسين" من أصله الأميركي كفيلم رعب، إلى مجرد فيلم كوميدي بوليسي، وهي النوعية التي تتمتع بجاذبية كبيرة في السوق المصرية. وعموماً تميل السينما المصرية إلى تصوير البطل والبطلة في أقل قدر من الالتباس الأخلاقي، وتجعل منهما أكثر نقاء وأكثر طيبة، أو تجعل من شخصية الغريم أو الشرير أكثر شراً وأكثر سوداوية من الأصل الغربي.
المبالغة في المواقف
ولاحظ الخشاب عبر دراسته تلك أن السينما المصرية تعمد كذلك إلى المبالغة في الإضحاك أو الإبكاء في الأفلام التي تقتبسها من الغرب. ففي حالة الكوميديا يميل الفيلم المصري المقتبس إلى زيادة جرعة الكوميديا البدنية، الحركية، "الفارس"، عن الجرعة الموجودة في الأفلم الأصلية. ففي "الزوجة رقم 13" مثلاً، نرى جرعة خفيفة من الكوميديا البدنية في محاولات الفنانة شادية الانتحار، وقدراً من المبالغة في أداء أبيها (الفنان حسن فايق)، على رغم أن هذه الجرعات تعد خفيفة، مقارنة بالسائد في كوميديا الستينيات، تمشياً مع ذوق رائج في السينما الكوميدية الغربية في الفترة نفسها، إلا أنها تمثل في فيلم فطين عبدالوهاب زيادة عن رسم الشخصيات والمواقف في الأصل الأميركي، "الزوجة الثامنة لذي اللحية الزرقاء" من إخراج إرنست لوبيتش.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تنتمي معظم الأفلام التي أخضعها الخشاب للتحليل الثقافي المقارن، إلى ثلاثة عقود متتالية تنتهي بعام 1970، باستثناء فيلم "إمبراطورية ميم" بطولة فاتن حمامة وإخراج حسين كمال، وهو من إنتاج عام 1972، ويقول الخشاب إنه ربما فعل ذلك من باب التشويق لدراسة أخرى تتناول أفلام السبعينيات وما بعدها. ويرى الخشاب أن "إمبراطورية ميم" هو فيلم كوميدي، على رغم أن ذلك قد لا يكون واضحاً من الوهلة الأولى، وهو مقتبس عن فيلم أميركي على رغم أن صناعه زعموا أنه مأخوذ عن قصة لإحسان عبدالقدوس ومعالجة لنجيب محفوظ.
أما الفيلم الأصلي فهو "الدستة أرخص"، في حين أن الفيلم المصري أضاف جرعة سياسية غير موجودة في الفيلم الأميركي، ويسقط أحداث الفيلم وشخصياته على أوضاع اجتماعية وسياسية مصرية. هذه الإضافات والإسقاطات في الفيلم الكوميدي المصري - يضيف الخشاب - تزيد من مصرية الفيلم، وتعزز التصاقه بالواقع المعيش في مجتمعاتنا، وبالتالي تزيد من واقعية الفيلم.
وأخيراً فإن عنوان الكتاب يحيل إلى فيلم "ثرثرة فوق النيل" للمخرج حسين كمال (سيناريو وحوار ممدوح الليثي) المقتبس من رواية لنجيب محفوظ بالعنوان نفسه، وهو من إنتاج عام 1971. ربما لا يبدو واضحاً تصنيف الفيلم ككوميديا، وإن كان كثير من مشاهده كوميدية، لا سيما تلك التي يغرق الجميع فيها في حالة تغييب للعقل بسبب تعاطي حشيشة الكيف. ويرى الخشاب أن الكوميديا في هذا الفيلم ليست فقط نوعاً فنياً يثير الضحك من الأف إلى الياء، بل هو صيغة تثير الضحك، حتى ولو في جزء من الفيلم أو في بعض ملامحه.
وهي النظرة التي اعتمدها الخشاب للكوميديا وإن كانت غالبية الأفلام التي يتناولها هنا بالتحليل كوميدية بما يدع مجالاً للشك، فهي لا تكتفي بالإضحاك وإنما تحقق ما هو أعلى من ذلك: القهقهة. ويعد كتاب "قهقهة فوق النيل" حلقة ثالثة في مشروع الخشاب لدراسة نماذج اعتماد السينما المصرية عموماً على الاقتباس من الغرب، وبدأ بدراسة عنوانها "الاقتباس والسينما المصرية: نقل الحداثة والواقعية وتكريس القيمة الثقافية"، كتبها بالفرنسية ونشرها ميشيل سرسو في كتابه عن السينما والأدب العربيين الصادر عام 2016. ثم فصل سرسو الفكرة في دراسة نقلها الخشاب إلى العربية في كتاب "الاقتباس من السينما إلى الأدب" عام 2021، والحلقة الثانية مثلها كتاب "مهندس البهجة: فؤاد المهندس ولا وعي السينما" 2023.