ملخص
في حين يتحرك مجال التصدير بصورة لافتة، تتحدث الهيئات المالية الدولية بإيجابية عن الاقتصاد الجزائري، ومنها البنك الدولي الذي أوضح في نشرة لشهر أبريل، حول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن نمو الاقتصاد الجزائري خلال عام 2026 من المنتظر أن يقفز إلى 3.7 في المئة، مما يجعل الجزائر من بين ثلاث دول فقط في المنطقة التي تمت مراجعة توقعات نموها نحو الارتفاع، مما يعكس مؤشرات إيجابية على مستوى الأداء الاقتصادي العام.
فتح إعلان انطلاق أكبر عملية تصدير نحو الأسواق الأجنبية أبواب التساؤل حول مدى قدرة الجزائر على تطليق الريع النفطي نحو اقتصاد متنوع منتج، لا سيما في ظل التقارير المالية الدولية التي تتوقع ارتفاع صادرات البلاد خارج المحروقات، إذ كشف وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات كمال رزيق عن 35 عملية تصدير باتجاه 19 دولة.
البحث عن مخرج؟
وبات جلياً أن الجزائر تبحث عن مخرج لاقتصادها المبني على الريع النفطي بعد الصدمات المالية والهزات الاقتصادية التي تعرضت لها سابقاً، مما جعلها تضع استراتيجية، وتقوم بجهود حثيثة من أجل الانطلاق في عمليات التصدير في مسعى إلى تنويع المداخيل، ولعل إعلان 35 عملية تصدير تحت عنوان "أكبر عملية تصدير إلى الخارج"، تندرج في هذا السياق، لكن هل تملك الجزائر الإمكانات لمواجهة المنتوجات والسلع التنافسية؟ أم أن الاستمرار في تصدير المواد الخام هو الهدف؟
وسجلت صادرات الجزائر خارج قطاع المحروقات ارتفاعاً بـ16 في المئة خلال الثلاثي الأول من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، لكن يبقى تحقيق الاكتفاء المحلي الخطوة الأولى في مسار نجاح التصدير، وعلى رغم أن ما حدث لا يمكن اعتباره فوضى في التصدير، غير أنه لا يرقى إلى مستوى الدليل الحاسم على حدوث تحول اقتصادي بنيوي عميق في منظومة الصادرات الجزائرية.
التصدير لا يقاس بعمليات ظرفية أو مبادرات معزولة
في السياق، اعتبر أستاذ الاقتصاد حمزة جرايمي أن عمليات التصدير تعكس بلا شك حركية اقتصادية معتبرة وتعبئة لوجستية وتنظيمية لافتة، "إلا أن قراءة هذا الحدث يجب أن تتم ضمن سياق اقتصادي شامل، على اعتبار أن اقتصاد التصدير لا يقاس بعمليات ظرفية أو مبادرات معزولة، بل بمدى الاستمرارية والانتظام، وبقدرة الدولة على بناء منظومة إنتاج متكاملة قادرة على النفاذ المستقر إلى الأسواق الخارجية"، مشدداً على أن السؤال الجوهري المطروح "هو ما إذا كانت هذه العمليات التصديرية تعكس فعلاً تشبع السوق المحلية أم أنها مجرد عمليات تصريف ظرفية لفائض إنتاجي موسمي؟". وأوضح جرايمي أن حقيقة بيانات البنك الدولي تظهر نمو الصادرات خارج المحروقات في الجزائر بصورة لافتة منذ عام 2017، "إذ تضاعفت ثلاث مرات لتصل إلى نحو 5.1 مليار دولار، مع مساهمة تقارب اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مما يدل على وجود مسار تدريجي نحو تنويع الاقتصاد، إلا أن هذا المسار لا يزال في مراحله الأولى ويحتاج إلى ترسيخ أكبر"، مشيراً إلى أن المعيار الحقيقي لتقييم هذا التوجه هو مدى تحوله إلى عقود تصدير دائمة ومستقرة، قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية وتوفير مناصب شغل مستدامة، بدل الاكتفاء بعمليات موسمية أو "جيوب تصديرية" مرتبطة بمنتجات زراعية أو شحنات ظرفية قصيرة المدة.
في المقابل، رد المدير المركزي بوزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات الجزائرية عبداللطيف الهواري أن ديناميكية التصدير الحالية لم تعد ظرفية أو عابرة، "وإنما تحولت إلى توجه اقتصادي مستدام، بخاصة مع توجه بعض المؤسسات إلى إنتاج سلع موجهة للأسواق الخارجية"، وقال إن الحكومة تسعى إلى طمأنة المتعاملين الاقتصاديين، بخاصة الجدد منهم، من خلال مرافقتهم وتقاسم الأخطار معهم، وتشجيعهم على التوجه نحو الأسواق الأفريقية التي تعد الأقرب جغرافياً والأقل كلفة من حيث النقل.
معارض تستهدف التصدير نحو أفريقيا
في سياق تشجيع التصدير، ومن أجل الاستمرار في العملية، تستعد وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات لتنظيم معرض المنتجات والخدمات الجزائرية الموجه للتصدير بولاية تندوف، جنوب غربي الجزائر، وذلك من الـ24 إلى الـ27 من أبريل (نيسان) الجاري، تحت شعار "تندوف بوابة التصدير نحو دول أفريقيا الغربية"، وقالت الوزارة إن تنظيم هذا المعرض يأتي في سياق مساعي الدولة إلى دعم الصادرات خارج المحروقات، وترسيخ حضور المنتجات والخدمات الجزائرية في الأسواق الأفريقية، بخاصة في منطقة غرب أفريقيا، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي لولاية تندوف كبوابة نحو العمق الأفريقي. وأضافت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات أنه من المرتقب أن يشكل الحدث منصة اقتصادية مهمة تتيح للمتعاملين عرض قدراتهم الإنتاجية في مختلف القطاعات، إلى جانب تعزيز فرص الشراكة والتعاون، واستكشاف أسواق جديدة للتصدير.
تقارير مالية دولية مشجعة
وفي حين يتحرك مجال التصدير بصورة لافتة، تتحدث الهيئات المالية الدولية بإيجابية عن الاقتصاد الجزائري، ومنها البنك الدولي الذي أوضح في نشرة لشهر أبريل، حول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن نمو الاقتصاد الجزائري خلال عام 2026 من المنتظر أن يقفز إلى 3.7 في المئة، مما يجعل الجزائر من بين ثلاث دول فقط في المنطقة التي تمت مراجعة توقعات نموها نحو الارتفاع، مما يعكس مؤشرات إيجابية على مستوى الأداء الاقتصادي العام، وأضاف أن هذا التحسن يرتبط بانتعاش عائدات الصادرات التي من شأنها دعم التوازنات الخارجية وتعزيز احتياطات البلاد، في وقت تواصل فيه الجزائر تسجيل درجة من الصمود الاقتصادي، مدفوعة أساساً بحركية القطاعات خارج المحروقات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشار البنك الدولي إلى أن النشاط الاقتصادي غير النفطي حافظ على وتيرة نمو قوية خلال عام 2025، مستفيداً من تسارع وتيرة الاستثمار وتحسن مستويات الاستهلاك، مما يعكس بداية تحول تدريجي في هيكلة الاقتصاد نحو تنويع مصادر النمو، مبرزاً أنه على صعيد سوق العمل، تم رصد تحسن نسبي، مع تسجيل خلق مئات آلاف مناصب الشغل وتراجع معدل البطالة، مما يعكس ديناميكية اقتصادية داخلية متنامية، على رغم استمرار بعض الاختلالات الهيكلية المرتبطة بطبيعة النمو الاقتصادي في البلاد، وختم أن هذه المؤشرات تعكس توجهاً إيجابياً للاقتصاد الجزائري على المدى القصير، مدعوماً بإصلاحات واستثمارات متواصلة، غير أن الحفاظ على هذا المسار يظل رهيناً بمواصلة جهود التنويع الاقتصادي وتقليص الاعتماد على المحروقات، بما يضمن نمواً أكثر استدامة وتوازناً.
ضعف وتحديات
وعلى رغم التفاؤل الحكومي وإيجابية التقارير الدولية، إلا أن أستاذ الاقتصاد خالد عباسي أشار إلى التحديات التي تعوق تحقيق هذا المشروع بالصورة المطلوبة، على اعتبار أن المحروقات لا تزال تستحوذ على أكثر من 90 في المئة من إجمالي الصادرات، "وبالتالي فإن المجهودات المبذولة تندرج ضمن المرحلة الانتقالية التي تؤدي إلى تطليق التبعية للمحروقات"، موضحاً أن الجودة والامتثال للمواصفات الدولية، تعتبر أكبر تحد أمام المنتجات الجزائرية، بخاصة عند ولوج الأسواق الأوروبية التي تفرض معايير صارمة، إضافة إلى التحدي اللوجستي الذي يصنف كنقطة محورية في عمليات التصدير، إذ تمثل تكاليف النقل والخدمات اللوجستية في الجزائر بين 20 في المئة و30 في المئة من كلفة المنتج النهائي، وهي نسبة مرتفعة جداً مقارنة بالمنافسين الإقليميين الدوليين. وواصل عباسي أن الجزائر عمدت إلى ضخ الأموال المحققة من الجباية البترولية مباشرة في شرايين القطاعات الاستراتيجية البديلة، وعلى رأسها قطاعا المناجم والفلاحة، مبرزاً "أن الفلسفة الاقتصادية الحالية تقوم على مبدأ التدوير المنتج، أي تحويل الثروة الناضبة، النفط والغاز، إلى ثروة مستدامة عبر مشاريع هيكلية ضخمة، بهدف فك الارتباط تدريجاً وبصورة علمية بقطاع المحروقات، والاستفادة من الفوائض المالية الحالية لبناء قاعدة تحتية صلبة تضمن استمرار النمو حتى في حال تراجع أسعار الطاقة عالمياً في المستقبل".
الرهان على 29 مليار دولار بحلول 2030
وتراهن الجزائر للوصول إلى عتبة 15 إلى 20 مليار دولار من الصادرات خارج المحروقات، و29 مليار دولار بحلول عام 2030 على المدى المتوسط، وهو الرقم الذي سيشكل نقطة الانعطاف الحقيقية لفك التبعية الطاقوية، وعلى رغم التحسن المسجل في هذا الإطار غير أن النجاح الحقيقي لن يقاس فقط بحجم الدولارات التي تدخل إلى الخزانة، بل بمدى قدرة هذه المنظومة على الصمود والاستمرارية، وخلق نسيج اقتصادي متنوع وقوي، يؤسس لجزائر قادرة على المنافسة في اقتصاد عالمي لا يعترف إلا بالأقوياء والمبتكرين.
وشهدت الصادرات الجزائرية خارج المحروقات نمواً قوياً عام 2025، إذ بلغت قيمتها أكثر من 4.3 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، بارتفاع 26 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.