ملخص
أكثر من 9 ملايين نازح سوداني يعيشون داخل بلادهم، فيما يلجأ ما يزيد على 4.3 ملايين شخص إلى خارج الحدود في دول الجوار، في حين يواجه نحو 19 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في واحدة من أكبر أزمات الجوع في التاريخ الحديث، بحسب تقديرات منظمات دولية.
فرض واقع حرب السودان المندلعة بين الجيش وقوات الدعم السريع وطول أمدها بدخولها العام الرابع، تحولاً كبيراً لدى السودانيين الذين يعيشون في الشتات، سواء في مراكز النزوح داخل البلاد أو في دول الجوار، فكثير منهم بات على قناعة بضرورة التكيف والتطبيع النفسي والاجتماعي مع هذا الواقع، فلم يعودوا يسألون عن متى تنتهي الحرب، بقدر سعيهم وراء التأقلم وكيفية تسيير سبل معيشتهم واستقرارهم.
وبحسب تقديرات منظمات دولية فإن أكثر من 9 ملايين نازح سوداني يعيشون داخل بلادهم، فيما يلجأ ما يزيد على 4.3 ملايين شخص إلى خارج الحدود في دول الجوار، في حين يواجه نحو 19 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في واحدة من أكبر أزمات الجوع في التاريخ الحديث.
صدمة حادة
يقول اختصاصي الطب النفسي عمرو مصطفى إن "هناك تحولاً واضحاً حدث في وجدان كثير من السودانيين، ففي بداية الحرب كان السؤال الغالب هو متى تنتهي، وكان الناس يعيشون على أمل أن ما يجري موقت وأن العودة قريبة، وأن الحياة القديمة يمكن استعادتها بعد قليل من الصبر، لكن مع امتداد الحرب وتكرار الخيبات واتساع الخسائر بدأ هذا السؤال يتراجع شيئاً فشيئاً، ليحل محله سؤال آخر أكثر واقعية وأشد قسوة وهو كيف نعيش وكيف نكمل حياتنا في ظل هذا الواقع؟"، مضيفاً "هذا التحول لا أراه دليلاً بسيطاً على اللامبالاة ولا أراه دائماً استسلاماً، بل أراه في كثير من الأحيان محاولة إنسانية مفهومة للنجاة النفسية، فالإنسان لا يستطيع أن يبقى معلقاً إلى ما لا نهاية، إذ إن الانتظار نفسه مرهق والعيش على حافة الأمل المكسور يستنزف الروح، ولذلك حين يطول أمد الكارثة يبدأ العقل في البحث عن أي شكل من أشكال الاستقرار حتى لو كان استقراراً ناقصاً، وحتى لو جاء داخل واقع غير طبيعي"، متابعاً أن هناك "كثيراً من السودانيين في الشتات لم يعودوا يسألون كل يوم متى تنتهي الحرب؟ ليس لأنهم نسوا وليس لأن القضية بردت في نفوسهم، بل لأن الحياة اليومية فرضت نفسها بقوة، فهناك من عليه أن يتدبر أمر الإيجار ومن عليه أن يبحث عن عمل، ومن يقلق على دراسة أطفاله ومن يلاحق الإقامة والأوراق والعلاج، ومن يحاول فقط أن يحافظ على أسرته من الانهيار، وهنا يصبح التكيف ليس رفاهية بل ضرورة".
واستطرد مصطفى "لكن من المهم جداً أن نفرق بين التكيف والتطبيع النفسي المؤذي، فالتكيف الصحي هو أن يعرف الإنسان أن ما يحدث كارثة، لكنه يقرر على رغم ذلك أن ينظم حياته ويحمي أسرته ويبني ما يستطيع بناءه حتى لا تغلبه الفوضى، أما التطبيع المؤذي فهو أن تتحول الحرب مع كثرة التكرار إلى مشهد عادي في النفس وأن يصبح الفقد شيئاً مألوفاً، وأن يبهت الإحساس بالوجع لا لأن الجرح التأم ولكن لأن الإنسان أرهق إلى درجة التخدر، وهذا في رأيي هو أحد أخطر آثار الحروب الطويلة وهو أنها لا تقتل الناس فقط بل تغيّر تعريفهم لما هو طبيعي، ومع الزمن قد يبدأ الإنسان في التعايش مع ما لم يكن ينبغي أن يُتعايش معه أصلاً".
ولفت اختصاصي الطب النفسي إلى أن أسباب هذا التحول تكمن ببساطة في أن الحرب طالت أكثر مما تحتمله النفوس، فالصدمة الحادة لا تبقى دائماً بالحدة نفسها، فهي مع الزمن تتحول عند كثير من الناس إلى إجهاد مزمن وإلى حال من البراغماتية القاسية، بمعنى أن الإنسان بعد فترة لا يعود يسأل فقط عما يشعر به بل عما يجب أن يفعله ليواصل الحياة، وهنا ينتقل من الحزن المجرد إلى تدبير الممكن، مضيفاً أن "غياب أفق واضح للنهاية كان له دور كبير، فعندما لا يرى الناس نهاية قريبة فإنهم يعيدون ترتيب توقعاتهم، فمن كان ينتظر العودة بعد أشهر بدأ يفكر في أعوام، ومن كان يعتبر الغربة محطة موقتة فقد بدأ يتعامل معها باعتبارها واقعاً قد يطول، وهذا في حد ذاته يفرض تحولاً داخلياً كبيراً لأن الإنسان حين يغير نظرته إلى الزمن يغير نظرته إلى الحياة كلها".
فجوة صامتة
ويرى اختصاصي الطب النفسي أن "انعكاسات هذا الواقع على الأسرة السودانية في الشتات عميقة جداً، وربما أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح، فالأسرة اليوم تعيش بين عالمين، قديم لا يزال يسكن الذاكرة والمشاعر والحنين، وجديد يُفرض عليها كل يوم بلغة مختلفة ونظام مختلف وشروط مختلفة، وهذا التمزق بين الداخل والخارج يخلق ضغوطاً كبيرة داخل البيت نفسه، فقد نجد مثلاً أن الأب أو الأم لا يزال نفسياً في السودان، بينما الأبناء بدأوا يتأقلمون مع المجتمع الجديد بسرعة أكبر وقد يحدث العكس أحياناً، وهنا تنشأ فجوة صامتة داخل الأسرة، بين من يتمسك بالماضي ومن يريد أن يندمج ومن يشعر بالذنب لأنه بدأ يتكيف أسرع من اللازم، وهذه ليست خلافات بسيطة بل أسئلة وجودية تمس الهوية والانتماء والمعنى".
وبيّن مصطفى أن "كثيراً من الأسر انتقلت من مرحلة الحلم إلى مرحلة إدارة النجاة، إذ لم يعد التفكير منصباً على المستقبل البعيد بقدر ما صار منصباً على اليوم، وكيف نعيش ونحافظ على البيت ولا ينهار الأطفال؟ وهذه الواقعية مفهومة لكنها قد تكون قاسية إذا استمرت طويلاً، لأنها قد تسحب من الأسرة مساحة الحلم والفرح والمعنى، وتجعل الحياة كلها مجرد بقاء"، مشيراً إلى أن الحرب والشتات كثيراً ما يغيران الأدوار داخل الأسرة، فقد "تضطر الأم لتحمل أدوار أكبر، وقد يشعر الأب بفقدان مكانته السابقة إذا خسر عمله أو وضعه الاجتماعي، وقد يتحمل الأطفال مسؤوليات فوق أعمارهم، وكل هذا يخلق توتراً خفياً داخل العلاقات حتى لو لم يُقل صراحة".
ويواصل المتحدث أن "انعكاس الحرب على الأطفال والجيل الجديد هو الأخطر والأبعد أثراً، بخاصة من جانب تشوش الهوية، فالطفل الذي ينشأ في الشتات قد يسمع كثيراً عن السودان باعتباره الوطن، لكنه لا يعيشه يومياً بوصفه مكاناً آمناً ومستقراً، فيكبر وهو يحمل وطناً في العاطفة وواقعاً آخر في الحياة، وإذا لم تُحتو هذه الازدواجية جيداً فقد تظهر لاحقاً في صورة حيرة داخلية: أنا من أين ولمن أنتمي وأين بيتي الحقيقي؟ وكذلك فإن الطفل الذي يكبر في بيت مثقل بالخوف والحزن قد يتعلم أن القلق هو الوضع الطبيعي، وقد لا يقول ذلك لكنه يعيشه في جسده ونظرته للعالم فيصبح أكثر ترقباً وأكثر خوفاً من الفقد وأقل ثقة في الاستقرار وأشد حساسية لأي تغير مفاجئ".
ويؤكد مصطفى أن "الحرب كثيراً ما تقطع السردية الأسرية، فالطفل يحتاج إلى قصة يفهم بها نفسه وعائلته وحياته، لكن الحرب تربك القصة، فالبيت اختفى والمدينة صارت بعيدة والأقارب تفرقوا والمدرسة انقطعت والحدود دخلت في تعريف الحياة، وإذا لم تساعده الأسرة في بناء حكاية مفهومة ومتماسكة عمّا جرى فقد يعيش في ضباب نفسي، لا يعرف كيف يضع الأشياء في سياقها"، موضحاً أن "بعض الأطفال يبدون أكبر من أعمارهم وأكثر هدوءاً أو أكثر تحملاً للمسؤولية، لكن هذا لا يكون دائماً نضجاً صحياً، فأحياناً يكون ذلك نوعاً من التكيف القاسي، كأن الطفل شعر باكراً أن عليه ألا يرهق أهله أكثر، أو أن يكون قوياً قبل أوانه، وهذا في ظاهره قوة لكنه في العمق قد يكون حرماناً من طفولة أكثر أماناً وعفوية".
ويبدى المتحدث خشيته من أن يضعف الارتباط الرمزي بالوطن عند بعض الأطفال مع مرور الزمن، بخاصة إذا صار السودان حاضراً في وجدانهم فقط من خلال صور الحرب والخوف والحنين الحزين، فالوطن إذا لم يُنقل للأبناء كحياة وذاكرة وثقافة ولغة ومحبة فقد يبقى مجرد جرح أو خبر أو قصة بعيدة، منوهاً بأن المستقبل قد يحمل مسارات عدة أمام السودانيين في الشتات، فهناك من سينجح في بناء تكيف صحي فيصنع حياة مستقرة نسبياً، ويحافظ في الوقت نفسه على ذاكرته وهويته من دون أن يذوب أو يتخشب، وهناك من سيبدو ناجحاً ومندمجاً لكنه سيعيش داخلياً مع إحساس ثقيل بالذنب، وهناك أيضاً من قد يواصل الحياة ظاهرياً لكن بنوع من التبلد والانقسام النفسي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتابع المتحدث "لا أرى أنه من العدل أن نحكم على هذا التحول عند السودانيين في الشتات بأنه مجرد برود أو اعتياد أو انصراف عن الوطن، فالأدق في رأيي أن نقول إن كثيراً منهم يحاولون فقط أن ينجوا من الاستنزاف النفسي الطويل، وأن ينقذوا ما يمكن إنقاذه من حياتهم وأسرهم وأبنائهم، لكن في الوقت نفسه تحتاج هذه المرحلة إلى وعي كبير ومساعدة الناس على التكيف من دون أن يفقدوا إنسانيتهم، وحماية الأطفال من أن يرثوا الخوف بوصفه هوية، وأن لا يصابوا باضطرابات وينشئوا وسط علاقات مشوهة وتربية مثقلة بالقلق".
ويمضى اختصاصي الطب النفسي بالقول "إن ما يحدث الآن ليس مجرد تأقلم عابر بل هو إعادة تشكيل عميقة للنفس والأسرة السودانية تحت ضغط حرب طويلة، وهذا مفهوم جداً من الناحية الإنسانية لكنه يحمل آثاراً بعيدة المدى، بخاصة إذا تُرك بلا فهم ولا احتواء، فالحروب الطويلة لا تكتفي بهدم البيوت بل تعيد تشكيل النفوس، وتؤثر في معنى الأمان والانتماء والعلاقات، وحتى في الطريقة التي يتصور بها الإنسان مستقبله".
أمر طبيعي
وفي السياق أفادت الاختصاصية الاجتماعية ثريا إبراهيم بأن "بعض الناس تغير خطابهم الآن وأصبح حديثهم عن كيفية العيش في مكان نزوحهم ولجوئهم، مما يعني تطبيع الناس مع الحرب، فكلما زادت فترة الحرب زاد تكيف الناس معها وانشغلوا بكيف يعيشون فيها بدلاً من كيف ينهونها"، مردفاً أن "تأقلم جزء من المجتمع على الوضع الحالي، باعتبار أن الحرب لم تنته بعد، له ايجابياته وسلبياته، لكن بالضرورة أن يُخلق الإنسان وقد تكيف وتأقلم على الواقع الذي وجد فيه، حتى يساعد نفسه ويحدث له توافق لوضعه وأن يتماسك، وهو أمر طبيعي".
ونوهت الاختصاصية الاجتماعية بأن "التأقلم ليس فعل سيئاً بأي حال من الأحوال، فأي شخص يُخلق وقد تأقلم أو تكيف مع الواقع الذي يعيشه فقط، يحتاج إلى معينات من أهمها الاحساس بالأمن والأمان، وأن لا يكون هناك خطر يهدد حياته وأسرته"، وختمت "قد يكون التأقلم سلبي بأن يكون الشخص عايش في وضع غير مستقر من حيث المأوى ونقص الغذاء وفقدان تعليم الأبناء، بخاصة الذين يعيشون في مراكز الإيواء واللجوء، وهنا لا بد من المعينات من قبل الدولة بتخفيف أعباء معيشتهم، سواء بدعم مباشر أو تقديم مساعدات عينية نظراً إلى الغلاء الفاحش في الأسواق".
تقسيم الوجدان
من جهته أوضح الباحث في شؤون المنظمات والقضايا الإنسانية عادل عبدالله حسين أن "هذه الحرب جاءت بعد ثورة مدنية عظيمة أسقطت دكتاتورية ثيوقراطية باطشة ومجرمة، أذلت الشعب السوداني وأفسدت فساداً غير مسبوق، وهذه الثورة ولدت آمالاً جماعية انعكس في شعاراتها (حرية.. سلام.. عدالة) لكن اندلاع هذه الحرب بصورتها العنيفة شكلت صدمة للمواطن السوداني وأكلت الحلم والأفق المشترك، وقسّمت الوجدان الذي وحدته الثورة استناداً إلى العنصر والجهة من خلال حملات مركزة لإشاعة الكراهية بين السودانيين، وكل ذلك بغرض تحشيد الناس واصطفافهم بين طرفي النزاع".
ويتابع حسين "بتراجع الحلم والمشروع الجمعي حلّ محله المشروع الفردي ممثلاً في الهجرة، والعمل ومقابلة تحديات الواقع اليومية في دول اللجوء والمهاجر، وبالتالي فمن الطبيعي نشوء شكل من أشكال البراغماتية مع طول أمد الحرب، فأصبح الإنسان السوداني أكثر فردانية ويفكر في النجاة بشخصه وأسرته".
ويضيف الباحث أنه "بسبب طول النزاع فقد جرى تطبيع المجتمع على العنف والقتل والدمار، والإصرار على الثأر، وهذا من شأنه أن يطيل أمد الحرب، فبات الكل أكثر قبولاً بالمآسي، وبدأت فكرة الوطن والأرض والجغرافيا والتاريخ المشترك تتلاشى، وتحول الوطن إلى مجرد ذكرى، وبدأ تكوين شبكات اجتماعية جديدة مع الانتقال من الوعي السياسي العميق إلى الوعي المعيشي اليومي، بخاصة بين الناس العاديين".
ويرى الباحث في شؤون المنظمات والقضايا الإنسانية أن الضغط النفسي بسبب الحرب ووطأته وأثره في الإنسان عميق ومرهق، بخاصة مع الإحساس بعدم القدرة على التأثير في أطراف النزاع، إذ يثير ذلك حال قلق مستمرة وصدمة نفسية، مع عدم القدرة على النوم وتذوق طعم الحياة، فيتراجع الإنسان من الهم العام المرهق إلى قضاياه اليومية العادية، كآلية دفاع أولية عن النفس".