Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موازنة البنتاغون تضع المسيّرات ضمن أولويات الإنفاق الدفاعي

شهدت أكبر استثمار في الطائرات من دون طيار وسط تزايد أهميتها الهجومية والدفاعية

 طائرة اعتراضية بدون طيار من طراز "أنفيل" تنطلق  من منصتها  خلال تدريب في قاعدة في  ولاية داكوتا الشمالية (البنتاغون)

ملخص

تعكس موازنة البنتاغون الجديدة تحولاً في أولويات القوة العسكرية الأميركية، فمع تصاعد دور المسيّرات في ساحات المعارك الحديثة وسعي واشنطن إلى منافسة الصين، خصصت الولايات المتحدة عشرات المليارات لتطوير المسيّرات والأنظمة المضادة لها إضافة إلى توسيع الإنتاج الصناعي المحلي، ويكشف هذا التوجه عن إدراك متزايد بأن حروب المستقبل لا تُحسم فقط بالتفوق التكنولوجي بل بالقدرة على إنتاج أنظمة منخفضة الكلفة، بكميات كبيرة وسرعة عالية.

لا تتوقف الولايات المتحدة عن زيادة الاستثمار في القوة العسكرية باعتبارها أحد مظاهر القوة التقليدية الحاسمة، وليس مفاجئاً أن واشنطن تريد رفع موازنة البنتاغون لعام 2027 إلى 1.5 تريليون دولار، لتكون الأكبر في تاريخها منذ الحرب العالمية الثانية.

لكن ما عكسته خطة الموازنة الجديدة هو التحول الجاري في الأولويات، فالصواريخ والطائرات الشبحية والسفن العملاقة التي تكلف مليارات الدولارات لم تعد وحدها الحاسمة في ساحات الحروب، بعدما تحولت طائرات الـ "درون" الرخيصة إلى أداة هجومية ودفاعية مقلقة.

ولهذا السبب ستخصص الولايات المتحدة نحو 75 مليار دولار لصناعة طائرات من دون طيار، في استثمار هو الأكبر في هذا المجال خلال تاريخ البلاد، وستذهب 54 مليار منها لتطوير المسيّرات فيما سيخصص 21 مليار لتطوير أنظمة دفاعية لمكافحة المسيّرات المعادية.

ويأتي هذا الاستثمار بعد أعوام من تأخر الولايات المتحدة في تطوير المسيّرات على رغم أهميتها المثبتة في ساحات الحروب، والتي عبر عنها وكيل وزارة الدفاع المكلف جولز هيرست قائلاً إن "حرب المسيّرات تعيد تشكيل ساحات المعارك الحديثة بسرعة".

بين أوكرانيا وإيران

تحولت المسيّرات في حرب أوكرانيا وروسيا من أدوات استطلاعية مساندة في الحرب إلى ركيزة في الإستراتيجية العسكرية للبلدين، فبينما اعتمدت روسيا على المسيّرات الإيرانية فقد طورت أوكرانيا ترسانتها لتنفذ هجمات مباشرة بالـ "درون" على القوات الروسية.

وبذلك لم تعد المسيّرات مجرد لاعب في سيناريو المستقبل بل جزءاً من واقع الحرب الحديثة، إذ تشير الاستخبارات مفتوحة المصدر إلى أن معظم خسائر الحرب بين روسيا وأوكرانيا كانت نتيجة استخدام الطائرات المسيّرة، لا المدفعية أو القوة الجوية.

وجاءت الحرب الأميركية مع إيران لتؤكد الأهمية المتزايدة للمسيّرات، لا كأداة هجومية وحسب بل كأداة دفاعية، فتباين الكلفة بين المسيّرات الإيرانية والأنظمة الدفاعية الصاروخية باهظة الكلفة، مثل "ثاد" و"باتريوت"، دفع دول الخليج لتبني المسيّرات كطبقة دفاعية ثانية.

وتشير ورقة لـ "معهد البنية التحتية الحيوية" إلى أن التطورات الحديثة ومنها دمج المسيّرات بالذكاء الاصطناعي أدت إلى ارتفاع كبير في الخسائر، إذ شهد ديسمبر (كانون الأول) 2025 أعلى معدل يومي لقتلى القوات الروسية بلغ 184 قتيلاً، بزيادة 37 في المئة مقارنة بالأشهر السابقة.

التأخر الأميركي

عندما أعلن البنتاغون في يوليو (تموز) الماضي قوة مهمات مشتركة بين الوكالات لتطوير المسيّرات، شبّه نائب رئيس أركان الجيش الجنرال جيمس مينغوس قبل استقالته هذه الطائرات بتهديد العبوات الناسفة البدائية قبل عقدين في العراق، والتي تأخرت الولايات المتحدة في التعامل مع تهديدها، وقال مينغوس إن المسيّرات هي "العبوة الناسفة لعصرنا"، في إشارة إلى دورها في تمكين القوى الصغيرة من إرباك القوى الكبرى.

وعلى نحو مشابه أدى البطء البيروقراطي إلى تأخر الولايات المتحدة في مواجهة تهديد العبوات الناسفة مما أدى إلى نمط من الحرب غير المتكافئة، ومقتل وإصابة آلاف الجنود في العراق وأفغانستان، ولم تُحل المشكلة إلا بعد تولي روبرت غيتس منصب وزير الدفاع عام 2006 حين عبر عن صدمته من "مواكب الجنازات اليومية لجنودنا"، وتجاوز غيتس تلك العقبات البيروقراطية ليطلق برنامجاً عاجلاً لإرسال آلاف المركبات العسكرية المدرعة التي صممت لحماية الجنود من انفجارات الألغام والعبوات الناسفة، وفق مجلة "بوليتيكو".

وحالياً يعزو الباحثون تأخر الولايات المتحدة في تبني المسيّرات إلى مزيج من العقبات البيروقراطية والصناعية، فعلى رغم إعلان وزير الدفاع بيت هيغسيث مبادرة لتعزيز هيمنة الولايات المتحدة في المجال، لكنه أقر بأن الوحدات العسكرية لا تزال تفتقر إلى المسيّرات التي تتطلبها المعارك الحديثة.

فجوة المسيّرات عبرت عنها الباحثة كاتيرينا بوندار من "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" بقولها إن غالبية الجنود الأوكرانيين مؤهلون لاستخدام المسيّرات، بخلاف الولايات المتحدة، إذ يبرز التأخر البنيوي في تدريب القوات وتكييفها مع واقع الحرب الحديثة.

صناعياً لا يزال الجيش الأميركي متأخراً في تطوير وإنتاج المسيّرات ويعاني اعتماداً كبيراً على مكونات صينية، لكن نقطة الضعف ليست ابتكارية أو تمويلية بل يمكن أن تُعزى إلى ثقافة مؤسسية، تركز على صناعة الطائرات المقاتلة بدلاً من التكيف السريع مع الحروب الجديدة.

وحتى عندما طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الشركات الأميركية تصنيع مسيّرات رخيصة، فوجئ من إحدى الشركات بعرض نموذج طائرة تكلف 41 مليون دولار فرفضه، معبراً عن رغبته بمسيّرات لا تكلف أكثر من 40 ألف دولار، لتصنيع عدد كبير منها.

مبادرات لتصنيع المسيّرات

أخيراً أطلقت وزارة الدفاع الأميركية برامج لتوسيع إنتاج الطائرات المسيّرة محلياً مع إعلان نيتها شراء عشرات آلاف الطائرات منخفضة الكلفة ضمن جداول زمنية سريعة، على أن تبدأ عمليات التسليم هذا العام، ويعكس هذا التوجه سياسة أوسع تُعرف أحياناً بـ "هيمنة الطائرات المسيّرة"، وتهدف إلى نشر أنظمة رخيصة وقابلة للاستهلاك على نطاق واسع، وإعادة هيكلة آليات الشراء لدعم إنتاج صناعي سريع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالتوازي مضى الجيش الأميركي خطوة أبعد من خلال برنامج "سكاي فاوندري"، وهو مبادرة صناعية محلية تهدف إلى إنشاء قدرة إنتاج عالية الحجم للطائرات المسيّرة، وبموجب هذا البرنامج يعمل قادة الجيش على إنشاء منشآت قادرة على إنتاج عشرات آلاف من الطائرات بحلول الخريف المقبل، مع أهداف إنتاج أولية تصل إلى 10 آلاف طائرة شهرياً لكل منشأة، وخُطط لزيادة الإنتاج مع افتتاح مواقع تصنيع جديدة.

وبينما باتت واشنطن تدرك ضرورة إنتاج الطائرات المسيّرة بكميات كبيرة لكنها لم تبن بعد المنظومة الصناعية القادرة على تحقيق هذا الهدف، وفق مدير "برنامج التكنولوجيا الناشئة" في "معهد البنية التحتية الحيوية"، بريت فريدمان، الذي يشير إلى أن "المصانع لا تقل أهمية عن المقاتلات".

ويرى فريدمان أن الحرب المقبلة لن تُحسم فقط عبر الخوارزميات المتقدمة أو المنصات العسكرية عالية التقنية التي استثمرت فيها الولايات المتحدة، بل سيفوز الطرف القادر على إنتاج الأسلحة القابلة للاستهلاك مع استبدالها وتطويرها بسرعة أكبر من خصمه، مضيفاً أن الولايات المتحدة تمتلك مهندسين ومشغلين ومبتكرين على مستوى عالمي، لكنها تفتقر إلى قاعدة صناعية تتماشى مع واقع حرب الطائرات المسيّرة، وسد هذه الفجوة يتطلب سرعة في التحرك وتنسيقاً عالياً، واستعداداً لإعادة التفكير في كيفية بناء أدوات الحرب، ففي حروب المستقبل قد يُحسم النصر في المصانع قبل ساحات القتال.

ويمكن للطائرات المسيّرة اليوم أن تؤدي طيفاً واسعاً من المهمات التي كانت حكراً على الجنود، من ضرب المدن إلى تعطيل أنظمة الرادار والاتصالات وصولاً إلى تنفيذ عمليات بحرية متقدمة، وأظهرت الحرب في أوكرانيا هذا التحول بوضوح حين نجحت كييف في إغراق سفن باستخدام مسيّرات بحرية، بينما اعتمدت موسكو بكثافة على المسيّرات والصواريخ في استهداف المدن الأوكرانية وإلحاق دمار واسع بها، وهذا التطور انعكس مباشرة على أولويات الإنفاق العسكري الأميركي فتضاعف التمويل المخصص لأنظمة المسيّرات أربع مرات منذ اندلاع الحرب، وارتفع من 398 مليون دولار إلى 1.7 مليار دولار.

ويأتي هذا التوسع ضمن سياق تنافس إستراتيجي أوسع مع الصين، في ظل تقديرات أميركية بأن بكين قد تكون بصدد التحضير لسيناريو عسكري ضد تايوان بحلول عام 2027، مع التركيز على تطوير قدرات إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة من منصات جوية متقدمة.

وفي هذا الإطار يدعو باحثون إلى تسريع الابتكار العسكري عبر تطوير مفهوم "حاملة طائرات مسيّرة" جوية، وتوسيع مبادرة "هيمنة الطائرات المسيّرة" بما يتجاوز قدرات الخصوم، من خلال الاستثمار المتوازي في الأنظمة الهجومية وتقنيات الدفاع المضاد، مما يضمن التفوق في هذا المجال.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات