ملخص
اليوم، يبلغ عدد أحفادهم نحو 15 ألف نسمة، يحملون اسم "الجزائريون في كاليدونيا الجديدة" أو "العرب الكاليدونيون"، ويحافظون على هويتهم.
بعد أكثر من قرن ونصف قرن من النسيان والصمت، عاد ملف الجزائريين المنفيين إلى كاليدونيا الجديدة ليشتعل من جديد، كجمر تحت الرماد ينتظر شرارة تعيده إلى الحياة.
في زيارة أثارت الاهتمام وأعادت فتح جرح تاريخي لم يندمل، انتقل المؤثر الجزائري مهدي شطاح إلى أرخبيل كاليدونيا الجديدة في أقاصي المحيط الهادئ، حيث التقى أحفاد الجزائريين الذين نفتهم السلطات الاستعمارية الفرنسية في أحلك صفحات التاريخ، ويحلمون بالعودة إلى الجذور، ويصفون الألم بـ"الصمت المؤلم" الذي ساد العائلات لعقود.
شعلة لا تنطفئ
وعلى رغم مرور أكثر من 150 عاماً على ذلك النفي القسري البعيد، لا تزال دماء الجزائر تجري في عروقهم، ولا يزالون يحملون الهوية الجزائرية كشعلة لا تنطفئ في قلوبهم. يتوارثون قصص الأجداد بالفخر والحزن، يرددون أسماء الجزائر بلهفة، ويحلمون بأرض الوطن الأم التي لم يرها كثر منهم يوماً... كأن النفي لم يستطع أن يفصل بين الروح والجذور.
هناك، تحت ظلال النخيل التي زرعها الأجداد المنفيون، ترقد رفات مئات الجزائريين الذين نفاهم الاستعمار الفرنسي قسراً بين عامي 1864 و1921، لم يكن نفيهم مجرد عقاب، بل كان محاولة لفصل الإنسان عن وطنه إلى الأبد. اليوم، يبلغ عدد أحفادهم نحو 15 ألف نسمة، يحملون اسم "الجزائريون في كاليدونيا الجديدة" أو "العرب الكاليدونيون"، ويحافظون على هويتهم.
في الأعوام الأخيرة، عادت القصة إلى الواجهة عبر وثائقيات مثل فيلم "في كاليدونيا الجديدة... المنفى القسري للجزائريين" على قناة "آرتي الفرنسية" التي تطرقت لحياة هؤلاء بعيداً من وطنهم الأم.
رحلة الموت عبر المحيط
بدأت القصة مع الاحتلال الفرنسي للجزائر في عام 1830، لم تكن الجبهة الجزائرية مجرد ثورات متفرقة، كانت سلسلة انتفاضات شعبية ضد الاستيلاء على الأرض والكرامة، أبرزها ثورة الشيخ محمد المقراني (1871) التي اندلعت في منطقة سوق أهراس وامتدت إلى برج بوعريريج بقيادة الشيخ المقراني ورفيقه الشيخ محمد أمزيان الحداد، حيث شارك فيها عشرات الآلاف من المقاتلين والزعماء القبليين والفلاحين. قمع الفرنسيون الثورة بوحشية: أعدموا المئات، وصادروا الأراضي، وحاكموا الآلاف أمام محاكم عسكرية خاصة في قسنطينة والجزائر.
لم تكن العقوبة الإعدام أو السجن المحلي كافية، فاختار الاستعمار حلاً "نهائياً": النفي إلى مستعمرته الجديدة في كاليدونيا الجديدة (التي احتلتها فرنسا في عام 1853)، التي تحولت إلى مستعمرة عقابية.
وبين 1864 و1921، جرى إرسال 42 قافلة تحمل 2166 جزائرياً (معظمهم شباب)، مقسمين إلى: 1822 "محكوماً عاماً" و180 سياسياً و164 معاد تكرار الجريمة، كان الغالبية من المشاركين في ثورة 1871، لكن النفي بدأ قبلها بأعوام (مثل ثورة أولاد سيدي الشيخ 1864).
استغرقت الرحلة البحرية 140 إلى 150 يوماً على متن سفن مثل "السيبيل" و"الفلوروس" و"الكاليدوني"، أين كان المنفيون مكبلين بالسلاسل، محشورين في أقفاص حديدية (60 رجلاً في كل مجموعة)، ينامون على أسرّة قابلة للطي، أما الطعام فكان 800 غرام خبز يومياً، حساء فول مرتين، ولحم أو سمك مرتين أسبوعياً، بينما عدد الذين لقوا حتفهم في البحر وأُلقيت جثثهم في الماء لا يزال مجهولاً، ووصل أول منفي، إبراهيم بن محمد، في عام 1864 على متن "إيفيجيني" وكان آخرهم في عام 1921.
في كاليدونيا، حُبسوا في شبه جزيرة دوكوس أو "معسكر العرب" في جزيرة الصنوبر وأُجبروا على أعمال شاقة مثل حفر المناجم (كوبالت وقصدير) وتعبيد الطرق وقطع الغابات وزراعة الأرض لمصلحة المستوطنين. كان الاتصال بالفرنسيين محظوراً، ومنعوا حتى إعطاء أسماء عربية إسلامية لأبنائهم. على رغم ذلك، أدخلوا النخيل إلى الجزيرة، زرعوا بذوراً من الجزائر، وبنوا غرفة صلاة مشتركة، شارك بعضهم، قسراً، في قمع انتفاضة الكاناك (السكان الأصليين) في عام 1878، بقيادة بومزراق المقراني (شقيق الشيخ المقراني) الذي حصل على عفو جزئي مقابل ذلك.
ويرى المؤرخ الجزائري، رشيد بوخريص، في دراسته "منفى كاليدونيا: وثائق من الأرشيف المنسي يصف تفاصيل مرعبة، حين قال "حتى أثناء الرحلة، كان بومزراق والسي عزيز يُعامَلان كرمزين للخطر، وُضعا في عنابر أكثر قسوة، ولم يُسمح لهما بالخروج إلا لدقائق محدودة في النهار".
ووفق وصف الباحث في القانون محمد بن طلحة في كتابه "النفي الاستعماري كجريمة دولية: دراسة في القانون الدولي العام"، فإن "النفي إلى كاليدونيا لم يكن تدبيراً تأديبياً فقط بل يُعد ضمن مصطلح (الترانسفير الإجباري) للسكان المنصوص عليه اليوم في اتفاقات روما الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية".
مساحات أمل
ويقول المحلل السياسي عبدالحكيم بوغرارة، إن "قضية المنفيين الجزائريين في كاليدونيا الجديدة، هي جريمة ارتكبها الاستعمار الفرنسي لقمع المقاومات الشعبية خلال القرن الـ19 بعد عام 1860".
وأوضح بوغرارة لـ"اندبندنت عربية" أن الاستعمار الفرنسي كان يمارس أساليب الترهيب وقهر الأسر الجزائرية آنذاك، إلى أن اهتدى إلى تنفيذ عقوبة النفي بعد مقاومة الشيخ المقراني والشيخ الحداد.
وأضاف أن "هذه العقوبة كانت تستهدف الشباب الجزائري المقاوم، آنذاك، وإبعادهم إلى كاليدونيا الجديدة بحكم أنها كانت أحد أقاليم ما وراء البحار التابعة لفرنسا".
وأشار إلى أن ترحيل الجزائريين حصل في ظروف قاسية جداً لأن الرحلات عبر البحر جعلت كثيراً من المعتقلين يصابون بأمراض كثيرة بسبب الرطوبة والبرودة الشديدة.
وتابع، أن مساحات التواصل الاجتماعي، أخيراً، عرفت تركيزاً على هذا الملف من خلال استذكار بعض الوثائقيات التي قام بها المخرج الجزائري سعيد عولمي، ومحاولات سابقة للصحافي الجزائري الراحل عبدالمجيد سلامنة الذي قام بأعمال إعلامية لتسليط الضوء على الملف.
وقال بوغرارة، إنه يمكن للسلطات الجزائرية استغلال هذا الملف للتذكير بمعاناة الجزائريين ونضالهم من أجل الاستقلال.
ويطرح المحللون اليوم سؤالاً جوهرياً: هل تتحرّك الجزائر لرفع ملف المنفيين أمام المحافل الدولية، أسوة بملفات الذاكرة الأخرى مثل استرجاع جماجم المقاومين؟
ويذكر عبدالقادر بوطالب، الباحث في قضايا الذاكرة الاستعمارية، في مجلة القانون الدولي والذاكرة، أن "القضية مؤهلة لتكون ورقة ضغط دبلوماسية… وبإمكان الجزائر تفعيلها أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية، خصوصاً في ظل المستجدات حول الاعتراف بجرائم الحقبة الاستعمارية كما حدث في رواندا وناميبيا".
إجراءات العودة
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، التقى كاتب دولة لدى وزير الشؤون الخارجية، مكلّف بالجالية الوطنية بالخارج، سفيان شايب، بوفد من الجالية الجزائرية المقيمة في كاليدونيا الجديدة، برئاسة طيب عيفة، أحد أبرز أبناء الجزائريين المُرحّلين.
وقال الوزير سفيان، إن "اللقاء كان فرصة سانحة للتحاور المؤثر مع هذا الوفد، كذلك سمح لنا بالإشادة بأسلافنا من الذين اجتثوا من وطنهم الأم وغيبوا على بعد أكثر من 20 ألف كيلومتر".
ونوه الوزير بـ"الحركة التي توليها جمعية الجزائريين المقيمين بكاليدونيا الجديدة للحفاظ على الذاكرة التاريخية الفريدة والمتميزة، وقدرتهم على التغلب على الصدمات التي تكبدوها جراء المعاناة التي عاشها أسلافهم، وتمسكهم بارتباطهم الوثيق بوطنهم الأم، على رغم تقلبات الزمن والبعد الجغرافي. وأكدت أيضاً حرص الجزائر على حماية جاليتها أينما وجدت والتزام الحكومة بدعمها ومرافقتها".
وأشاد طيب عيفة، الرئيس السابق لبلدية بورايل وأحد آخر المؤسسين لجمعية الجزائريين في كاليدونيا الجديدة، على قيد الحياة، بالتدابير الإدارية الأخيرة التي جرى اتخاذها لتسهيل الإجراءات القنصلية لفائدة الجالية الجزائرية المقيمة في كاليدونيا الجديدة، بناء على تعليمات السلطات العليا.
أسئلة الهوية
وكان المخرج الجزائري سعيد عولمي من أوائل من اقتحموا هذا الملف، في وقت كان شبه غائب عن النقاش العام. فمن خلال الوثائقي الأول حول "كاليدونيا الجديدة" (2016–2018) وضع اللبنة الأولى لكشف واحدة من صفحات الذاكرة الاستعمارية المنسية، مسلطاً الضوء على ظروف نفي الجزائريين عقب ثورة 1871 وما رافقها من معاناة إنسانية قاسية في أرض بعيدة.
ومع انتقاله إلى مرحلة ثانية عبر "شهود الذاكرة: منفيو كاليدونيا الجديدة" (2018–2020)، لم يكتف بالسرد بل عمق الطرح من خلال شهادات حية ومواد أرشيفية، كاشفاً أن النفي لم يكن مجرد حالات متفرقة، بل سياسة استعمارية ممنهجة استهدفت كسر روح المقاومة الجزائرية.
أما المرحلة الثالثة، فتوجت بوثائقي "العودة" (2020–2022) هنا انتقل الخطاب من التاريخ إلى الإنسان حيث رافق العمل أحفاد المنفيين في زياراتهم إلى الجزائر، ليعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والذاكرة ويجسد لحظات مؤثرة من لم الشمل بين الماضي والحاضر.
ومع المشاريع الجديدة الممتدة من 2023 إلى 2025، واصل عولمي على المسار ذاته عبر توثيق رحلات الأحفاد داخل الجزائر، وربطهم بجذورهم ومناطق أجدادهم، في توجه واضح نحو ترميم الذاكرة الجماعية وتعميق البعدين الثقافي والإنساني للقضية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كاليدونيا الجديدة
وكاليدونيا الجديدة مجموعة جزر تقع في ما وراء البحار في جنوب غربي المحيط الهادئ، وتعد همزة وصل بين أميركا الشمالية وأستراليا، وهي أقرب إلى الأخيرة.
تبلغ مساحتها 18.576 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها نحو 293 ألف نسمة، وعاصمتها نوميا.
وهي واحدة من عدة أقاليم ما وراء البحار التي لا تزال جزءاً من فرنسا، وتبعد عنها نحو 17 ألف كيلومتر من باريس، حيث تستغرق الرحلة إليها بالطيران نحو 24 ساعة.
ويشمل الأرخبيل جزيرة كاليدونيا الجديدة أو غراند تير حيث تقع العاصمة نوميا وجزر لويالتي وباينز وجزيرة الصنوبر وجزراً أخرى غير مأهولة.
يُمثل الإقليم في البرلمان الفرنسي بنائبين وعضوين في مجلس الشيوخ. ويعد لويس مابو أول رئيس لكاليدونيا الجديدة من المؤيدين للاستقلال منذ اتفاق نوميا، حيث انتُخب في يوليو (تموز) 2021.
وتتمتع كاليدونيا الجديدة بدرجة كبيرة من الحكم الذاتي، لكنها تعتمد بصورة كبيرة على فرنسا في أمور كالدفاع والتعليم.