ملخص
الصراع في الحال اليمنية لم يعد نظرياً بل تجسد بوضوح منذ انقلاب الحوثية المسلح على الدولة، حين بدأت عملية منهجية لإقصاء كل الفاعلين الدينيين المنافسين، ليس فقط بدافع الهيمنة، بل أيضاً في سياق تنافس بين مشاريع ثيوقراطية متعارضة، غير أن المفارقة تكمن في أن هذا التنافس "لا ينتج تعددية"، بل يسعى إلى توحيد الجميع ضمن نموذج واحد مغلق.
في التاريخ ثمة لحظات مهمة لا تقاس بوقائعها بقدر ما تقاس بعمق ما تحدثه من تحولات في بنية الوعي، إذ لا تعود السلطة مجرد سيطرة على الأرض، بل تعد مشروعاً لإعادة تعريف المجال العام ومعناه وحدوده.
في هذا الأفق، يمكن فهم صعود الجماعات الأيديولوجية المغلقة بوصفه استجابة مأزومة لعجز بنيوي عن التكيف مع الواقع، إذ أراها تستعيض عن إنتاج الحلول بإعادة استدعاء يقينيات ماضوية تفرض على الحاضر، فتتمدد السيطرة من "المجال السياسي" إلى "احتكار تفسير" الحقيقة ذاتها.
ولذلك، يصبح ما يجري في اليمن تعبيراً عن مشروع يستهدف إعادة هندسة الوعي والمجتمع معاً، عبر تداخل القسر المادي بالعنف الرمزي، وهو ما يجعل مقاربة "سلوك الحوثية" في هذه المقالة التحليلية ضرورة لفهم كيف يعاد تشكيل المجال العام، لا كصراع سلطة عادي أو عابر، بل كتحول يمس مستقبل الدولة وإمكان استعادتها، بالتالي يطرح في تقديري سؤالاً جوهرياً، هل يمكن لمجتمع أن يستعيد توازنه ما لم يستعد حريته في تعريف ذاته؟
حسناً، ثمة حقيقة تشير إلى أن الجماعات الدينية المتطرفة حين تفشل في تلبية متطلبات الواقع، لا تتجه إلى مراجعة ذاتها بقدر ما تنكفئ نحو الماضي، تستحضره باعتباره ملاذاً رمزياً يعوض عجزها عن الفعل في الحاضر.
هذه العودة في اعتقادي ليست استدعاءً معرفياً للتاريخ، بل توظيفاً انتقائياً له، يعاد فيه تشكيل الوقائع لتخدم غاية سياسية آنية، قوامها إطالة أمد السيطرة وتأجيل لحظة الانكشاف.
تتحول الحكاية، في هذا السياق، إلى أداة سلطة، ويصبح السرد بديلاً عن الإنجاز، بينما يدفع المجتمع إلى الانشغال بقضايا رمزية لا تمس حاجاته الفعلية.
غير أن هذه الاستراتيجية، مهما بدت فعالة على المدى القصير، تظل محكومة باستحالة الاستمرار، لأن الفجوة بين الواقع ومتطلبات العيش من جهة، وبين الخطاب المستعاد من الماضي من جهة أخرى، تتسع تدريجاً حتى الانفجار.
من هذا الإطار العام يمكن فهم سلوك الحوثية في اليمن، التي لم تكتف بالسيطرة على المجال السياسي والعسكري، بل سعت بوضوح تام إلى إحكام قبضتها على العملية التعليمية ومخرجاتها، والتعليم هنا لا ينظر إليه كوسيلة لبناء الإنسان، بل كأداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي وفق رؤية أيديولوجية محددة، تستند إلى مفهوم ولاية الفقيه باعتباره إطاراً ناظماً للحكم.
وبذلك، تُحول المناهج من فضاء معرفي مفتوح إلى منظومة مغلقة تعيد إنتاج التصورات الطائفية، وتعد الأجيال القادمة للاندماج في مشروع ثيوقراطي مغلق لا يعترف بالتعدد ولا يقبل بالمراجعة.
في الواقع يمكنني القول إن السيطرة على التعليم، في هذا السياق، ليست تفصيلاً إدارياً، بل ركيزة بنيوية في مشروع طويل الأمد يسعى إلى إعادة تعريف الدولة والمجتمع معاً.
بيد أن أخطر ما في هذا المسار لا يكمن في إعادة تشكيل الوعي فحسب، بل في ممارسات العنف المادي التي رافقته، والتي كشفت عن طبيعة هذا المشروع وحدوده، فقد قدمت الحوثية، خلال الأعوام الماضية، منذ أن انقلبت على الدولة بقوة السلاح خلال الـ21 من سبتمبر (أيلول) 2014، نموذجاً صارخاً لحركة دينية متطرفة لا تتردد في استخدام أقصى درجات العنف للحفاظ على هيمنتها، بدءاً من تفجير المنازل والمساجد، وصولاً إلى تحويل بعضها إلى أدوات لتكريس الاصطفاف السلالي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعليه، يتجلى التناقض الجوهري هنا بين الادعاء الديني والممارسة الفعلية، إذ تستخدم المقدسات ذاتها كوسيلة لإعادة إنتاج السلطة، لا كقيمة روحية جامعة.
فضلاً عن ذلك فإن استهداف المساجد، في هذا السياق، لا يمكن قراءته كحادثة عرضية، بل كامتداد تاريخي لسلوك جماعات متطرفة رأت في الفضاء الديني المستقل تهديداً مباشراً لشرعيتها.
وتؤكد الوقائع الموثقة هذا النمط من السلوك، إذ تشير تقارير، على سبيل المثال لا الحصر، إلى أن الفترة بين عامي 2014 و2016 شهدت انتهاكات طاولت نحو 750 مسجداً، إلى جانب اختطاف ما يقارب 150 من الأئمة والخطباء، وهذه الأرقام لا تعكس مجرد تجاوزات أمنية، بل تكشف عن سياسة ممنهجة تستهدف إعادة هندسة المجال الديني بما يتوافق مع رؤية أحادية، وتوزعت هذه الانتهاكات بين التفجير الكلي والقصف بالسلاح الثقيل ونهب المحتويات، بل وتحويل بعض المساجد إلى فضاءات اجتماعية خاضعة لسلطة الجماعة، أو إلى ثكنات عسكرية.
ومع استمرار هذا النهج خلال الأعوام اللاحقة إلى يومنا هذا، من اختطاف وقتل للأئمة وصولاً إلى ملاحقة من يواصلون تعليم القرآن خارج الإطار الذي تفرضه الجماعة، تتضح ملامح مشروع قامع لا يقبل بوجود أي سلطة دينية موازية.
هذا الامتداد في استهداف الفضاء الديني لم يتوقف عند المساجد، بل شمل المراكز الدينية ومدارس القرآن والجامعات، التي تحولت إلى أهداف مباشرة، إما بالهدم أو الإغلاق أو المصادرة، وتكتسب حادثة احتلال مركز الإمام الشافعي في محافظة إب دلالة خاصة، إذ تعكس إصراراً على إخضاع كل بنية دينية لا تنسجم مع مشروع الحوثية، أو إلغائها بالكامل.
وفي هذا السلوك، المشار إليه أعلاه، ما يؤكد أن القضية لا تتعلق بخلاف فقهي أو تنوع مذهبي، بل بصراع على "احتكار المعنى الديني" ذاته، وتحويله إلى أداة طيعة في يد سلطة الأمر الواقع، ولذلك، فإن استهداف هذه المراكز لا يمكن فصله عن الرغبة في إعادة تشكيل المجال العام على أسس طائفية مغلقة، تقصي كل ما عداها.
لاحظوا معي من فضلكم أن الجماعات الدينية، حين تنغلق على ذاتها، تميل بطبيعتها إلى إنتاج نماذج حكم لا تقبل التعايش المشترك، وتدخل في صراع دائم مع الدولة المدنية.
هذا الصراع، في الحالة اليمنية، لم يعد نظرياً، بل تجسد بوضوح، منذ انقلاب الحوثية المسلح على الدولة، حين بدأت عملية منهجية لإقصاء كل الفاعلين الدينيين المنافسين، ليس فقط بدافع الهيمنة، بل أيضاً في سياق تنافس بين مشاريع ثيوقراطية متعارضة، غير أن المفارقة تكمن في أن هذا التنافس "لا ينتج تعددية"، بل يسعى إلى توحيد الجميع ضمن نموذج واحد مغلق.
وعليه، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لإعادة الاعتبار لفكرة بسيطة في ظاهرها عميقة في مضمونها، بأن الدين بوصفه قيمة روحية يجب أن يبقى لله، وأن الوطن بوصفه إطاراً جامعاً ينبغي أن يتسع للجميع، وهو ما يجب أن يصل إليه كل اليمنيين عن قناعة واقتناع حتى وإن تبدى الأمر شبه مستحيل.
في نهاية المطاف كمحصلة، لا يكمن خطر الحوثية في سيطرتها على الحاضر فحسب، بل في سعيها لإعادة تعريف الوعي بما يخدم ديمومة مشروعها المشار إليه أعلاه.
بيد أن هذا المسار، القائم على الإقصاء واحتكار المعنى يظل محكوماً بحدوده الذاتية، فالمجتمعات مهما طال انكفاؤها تستعيد توازنها حين تستعيد وعيها، وتعيد تعريف ذاتها خارج أي وصاية مغلقة.