Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زعيم المجر الجديد… أقرب إلى بوتين مما كان متوقعا

على رغم الترحيب بسقوط أوربان باعتباره ابتعاداً عن موسكو، تكشف سياسات رئيس الوزراء الجديد في مسائل الطاقة وأوكرانيا تقارباً غير مباشر مع الكرملين

يبدو أن بيتر ماغيار مستعد، مثل سلفه الموالي لروسيا، للحفاظ على تدفقات النفط والغاز المنخفضي الكلفة من الكرملين (غيتي)

ملخص

على رغم سقوط حليف موسكو في بودابست، تكشف سياسات رئيس الوزراء المجري الجديد في ملفي الطاقة وأوكرانيا استمرار تقارب غير مباشر مع روسيا، يسمح للكرملين بالحفاظ على تدفقات مالية حيوية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الروسي ضغوطاً متزايدة.

هل نعيش في أفضل الأزمنة بالنسبة إلى الكرملين، أم في أسوئها؟ فيما ينشغل العالم بحرب إسرائيل والولايات المتحدة على إيران ولبنان، يستمتع فلاديمير بوتين بمكاسب مالية غير متوقعة. إذ من المتوقع أن يعيد ارتفاع أسعار النفط ملء خزائن الكرملين التي استنزفتها الحرب، فيما رفعت واشنطن العقوبات عن ناقلات النفط الخام الروسي المتجهة إلى الهند، وسجلت زيادة في الطلب على الغاز الطبيعي المسال الروسي في ظل تهافت أوروبا لتعويض الإمدادات العالقة خلف مضيق هرمز.

وفي الوقت نفسه خسر الكرملين لتوه أحد أهم أدواته الدبلوماسية الاستراتيجية المتمثلة في رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، المعروف بعدائه الشديد لأوكرانيا، بعدما هزم في الانتخابات بفارق كبير في وقت سابق من الأسبوع الجاري. علاوة على ذلك، طورت الطائرات المسيرة الأوكرانية بعيدة المدى مهارة كبيرة في ضرب مرافق تصدير النفط الروسية على بحر البلطيق، على بعد آلاف الكيلومترات من حدود أوكرانيا. كما بدأت الضغوط الاقتصادية طويلة المدى الناجمة عن الحرب تهز أركان الاقتصاد الروسي. وما هو أسوأ بعد بالنسبة إلى بوتين هو أن أعضاء بارزين من النخبة في بلاده باتوا يحذرون علناً من انهيار اقتصادي قادم.

تتجلى الصلة الوثيقة بين السياسة الأوروبية تجاه أوكرانيا وإمدادات الطاقة الروسية بأوضح صورها في المجر. ولا شك في أن سقوط أوربان شكل هزيمة لبوتين، وقد احتفلت بروكسل علناً بانتهاء عهد أكثر زعماء أوروبا تعطيلاً لجهودها، وتنفست كييف الصعداء بينما سارع المعلقون الغربيون إلى إعلان زوال "الديمقراطية غير الليبرالية" في أوروبا.

لكن جاء هذا الأسبوع ليبين سريعاً أن المشهد الحقيقي أكثر تعقيداً. إذ أعلن بيتر ماغيار، الذي كان في يوم من الأيام شريكاً مقرباً من أوربان وصار الآن خليفته، عن استعداده لإلغاء الفيتو المجري على قرض الاتحاد الأوروبي المقترح بقيمة 90 مليار يورو (78 مليار جنيه استرليني)، والذي يمثل حبل نجاة اقتصادي لأوكرانيا. لكن مقابل ذلك، اشترط ماغيار استئناف إمدادات النفط الروسي للمجر عبر خط أنابيب "دروجبا" (الصداقة)، وهو خط يعود إلى الحقبة السوفياتية يمتد من روسيا إلى أوروبا، مروراً بأوكرانيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خرج خط دروجبا عن الخدمة بعدما استهدفت غارة روسية بطائرة مسيرة محطة ضخ قرب لفيف في يناير (كانون الثاني) الماضي، مما أثار خلافاً دبلوماسياً كبيراً مع اتهام المجر وسلوفاكيا لأوكرانيا برفض إصلاح خط الأنابيب لأسباب سياسية. ووجدت بروكسل، التي كانت مستميتة لتأمين الموافقة على القرض البالغة قيمته 90 مليار يورو المقدم إلى كييف، نفسها متورطة في هذا الخصام، فانتهى الأمر بتعهدها بتقديم أموال ومساعدة فنية لإعادة فتح خط الأنابيب – على رغم تعارض ذلك بصورة مباشرة مع تعهد الاتحاد الأوروبي بإنهاء اعتماد القارة على النفط الروسي قبل نهاية عام 2027.

ذات مرة، وصف أوربان المنهزم، بلاده المجر، في مكالمة هاتفية مع بوتين بأنها "فأر" أمام "أسد" روسيا. لكن يبدو أن ماغيار مستعد، مثل سلفه الموالي لروسيا، للحفاظ على تدفقات النفط والغاز المنخفضة الكلفة من الكرملين. علاوة على ذلك، تعهد ماغيار بإجراء استفتاء حول احتمال انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي - وهو ما قد يوازي في الواقع تعهداً باستخدام حق النقض ضدها.

وفي الوقت نفسه وبعيداً من أعين معظم الناس، زادت إسبانيا بهدوء طلباتها من الغاز الطبيعي المسال الروسي مع نضوب الإمدادات القادمة من الخليج. فقد تضاعفت الواردات الإسبانية مرتين تقريباً في مارس (آذار)، محققة رقماً قياسياً تاريخياً بلغ ما يقارب 10 آلاف غيغاواط/ساعة من الغاز الروسي في شهر واحد. وهذا الرقم أعلى حتى من ذروة الطلب التي سجلت خلال أزمة أسعار الطاقة عام 2023. ويتساءل الرئيس السابق للبنك المركزي الأوكراني كيريلو شيفتشينكو "هل يجب على أوروبا تسريع إنهاء اعتمادها على الطاقة الروسية؟" ثم يضيف "أم أن هذا مجرد تنويع عملي في ظل حال عدم الاستقرار العالمي؟".

ومن سخرية القدر، بالطبع، أن أوروبا تمول دفاع أوكرانيا ضد العدوان الروسي بينما تمول في الوقت نفسه آلة الحرب التي يقودها بوتين من خلال الدفعات مقابل النفط والغاز. على سبيل المثال، وقعت المجر عقوداً طويلة الأجل لتوريد الغاز مع شركة غازبروم التي يملكها الكرملين، وتسري هذه العقود حتى عام 2036 وفقاً لشروط ما يعرف بمبدأ "خذ أو ادفع" (وهو مبدأ يلزم المشتري بتسلم حد أدنى من السلع أو دفع قيمتها للمورد) فيما تقارب قيمتها 2.5 مليار دولار (1.85 مليار جنيه استرليني) سنوياً. ويصعب إلغاء هذا العقد المبرم بموجب القانون السويسري، فيما كان أحد أسباب انتصار ماغيار تعهده بحماية المجريين من ارتفاع فواتير الطاقة. ستبنى محطة "باكش-2" النووية المجرية، التي تتولى شركة "روساتوم" المملوكة للدولة الروسية إنشاءها بكلفة 12.5 مليار يورو بتمويل يأتي معظمه من موسكو، سواء أعجب ذلك بودابست أو بروكسل أم لا.

ومع ذلك، لا يزال الاقتصاد الروسي في مأزق خطر وسط شكوك المتخصصين في أن تكون المكاسب الموقتة من الحرب مع إيران كافية لإنقاذ الوضع المالي للكرملين. لم يتردد روبرت نغماتولين، أحد أبرز أعضاء الأكاديمية الروسية للعلوم، في التعبير عن رأيه بصراحة خلال منتدى موسكو الاقتصادي هذا الأسبوع. فقد عرض على الملأ الحالة المزرية للاقتصاد، قائلاً إن روسيا أصبحت الآن تمتلك "أدنى معدل دخل للفرد في أوروبا... حتى أفقر المناطق في الصين لديها الآن دخل أعلى من أفقر المناطق في روسيا".

على مدى الأعوام الـ11 الماضية، بلغ متوسط النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في روسيا نحو 1.5 في المئة، فيما ارتفعت الأسعار على المستهلك بنسبة 77 في المئة بصورة عامة. حرص المتخصص الاقتصادي البارز على عدم انتقاد بوتين بصورة مباشرة - لكنه في الوقت نفسه أوضح تماماً أن 40 في المئة من الموازنة الروسية التي تخصص حالياً للحرب في أوكرانيا تشل البلاد من دون أن تحقق أي غاية مفيدة.

وقال نغماتولين إن الاتحاد السوفياتي كان فقيراً، لكن ذلك الفقر كان مصحوباً في الأقل بإنجازات ضخمة في مجالات الفضاء والطاقة النووية والصناعة "أما الآن فقد خسرنا كل شيء، وما زلنا الأكثر فقراً". ولا يقتصر التعبير عن هذا الرأي علناً على الأكاديميين فقط. فقد اعترفت محافظ البنك المركزي الروسي إلفيرا نابيولينا هذا الأسبوع بأن "اقتصادنا يواجه، للمرة الأولى في التاريخ الحديث، نقصاً في اليد العاملة وقيوداً".

والسؤال الأهم هو ما إذا كان الضغط الاقتصادي سيجبر بوتين على إنهاء حربه الدموية على أوكرانيا. وكالة الاستخبارات الدفاعية الأوكرانية، المعروفة اختصاراً بـ"غور" GUR تستبعد حدوث ذلك. فبحسب نائب رئيس الوكالة فاديم سكيبتسكي تستعد روسيا لشن هجوم بري جديد في جنوب شرقي أوكرانيا، مستعينة بالاحتياط الاستراتيجي لتعزيز قواتها داخل البلاد بـ20 ألف جندي جديد.

وقال سكيبيتسكي لصحيفة "فاينانشيال تايمز" الأسبوع الماضي إن روسيا، التي تنشر حالياً نحو 680 ألف جندي في الميدان "تسعى إلى الاستيلاء على منطقة دونباس بأكملها بحلول سبتمبر (أيلول) المقبل". وأضاف أن ذخيرة أنظمة الدفاع الجوي تنفد من أوكرانيا، ويعود ذلك جزئياً إلى إعادة نشر أنظمة باتريوت في منطقة الخليج، محذراً من أن روسيا ضاعفت إنتاجها من صواريخ إسكندر الباليستية المتنقلة قصيرة المدى التي أثبتت فاعليتها التدميرية ضد البنية التحتية للكهرباء والتدفئة في أوكرانيا.

وردت أوكرانيا بشن غارات شبه يومية على منشآت تصدير النفط والغاز الروسية في أوست-لوغا قرب سانت بطرسبورغ. وعلى رغم فعالية هذه الغارات، فمن الواضح أنها لم تنجح في تدمير قدرة الكرملين على مواصلة تصدير طاقته إلى عالم متعطش للنفط. وما دامت جهات دولية مثل الهند والصين وأوروبا تطلب هذه الموارد، ستظل آلة الحرب التي يقودها بوتين تمتلك السيولة اللازمة لمواصلة مسيرتها.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء