Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المجاعة تهدد الصومال وسط انشغال العالم بحروب الشرق الأوسط

مع تقليص المساعدات الدولية وبعد سلسلة من الصدمات المناخية تمكن الصومال بشق الأنفس من تجنب الوقوع في مجاعة مطلع عام 2026، غير أن تداعيات القتال في كل من إيران ولبنان تنذر بخطر حقيقي يتمثل في احتمال ألا يكون الصومال محظوظاً بالمقدار نفسه في المرة المقبلة

في "مخيم المدينة" قرب مدينة بيدوا في الصومال يتجمع الناس حول شحنة مياه أواخر مارس (آذار) 2026 (ميرسي كوربس)

ملخص

الصومال يواجه كارثة إنسانية متفاقمة بفعل الجفاف الحاد وخفض المساعدات الدولية، فيما يدفع ملايين السكان ثمن الجوع والعطش والنزوح، وتتحول معاناة المخيمات إلى صورة مكثفة لانهيار القدرة على الصمود. الحروب في الشرق الأوسط رفعت كلفة الوقود والغذاء وعطلت تدفق الإمدادات، ودفعت الصومال إلى مزيد من التراجع في أولويات المانحين، مهددة ما تحقق من تقدم تنموي ومفاقمة هشاشة بلد ما زال يعتمد على الدعم الخارجي للبقاء.

لم تكن بداية عام 2026 سهلة على سكان "مخيم المدينة" الواقع على أطراف مدينة بيدوا في ولاية جنوب غربي الصومال، ووفقاً لما يقوله أدن أدن عبدي، أحد قادة المخيم الفرعي الذي يضم نحو 50 شخصاً، فإن هناك "حاجة ملحة" إلى الغذاء والمياه، خصوصاً بعدما نزح آلاف الأشخاص من المناطق الريفية إلى مخيمات مثل مخيّمه، هرباً من جفاف كارثي ضرب الصومال وألحق به دماراً واسعاً.

ويقول إن "الوضع في مختلف هذه المخيمات هو نفسه، المعاناة شديدة والناس جائعون وعطشى إلى حد كبير"، مضيفاً أن العائلات تمضي يوماً بعد يوم من دون طعام تطهوه، فيما يقتصر العمل المتاح حالياً على التوغل عميقاً في الأحراش لجمع الحطب وبيعه في السوق.

وأشار عبدي إلى شاحنة مياه وصلت لتوها من "مؤسسة جوبا"، وهي منظمة محلية غير حكومية، قائلاً إن "هذه المياه التي حصلنا عليها اليوم هي المساعدة الوحيدة التي رأيناها، وكما ترون الآن فإن الناس يتدافعون للحصول على الماء من شاحنات المياه".

وقصة عبدي التي حصلت عليها "اندبندنت" حصرياً عبر منظمة "ميرسي كوربس"، واحدة من قصص كثيرة ظهرت في خضم كارثة إنسانية ناجمة عن تغير المناخ اجتاحت الصومال هذا العام، بعدما شهدت البلاد موسمين متتاليين من شح الأمطار.

 

وتشير التقديرات إلى أن نحو 6.5 مليون شخص في البلاد يواجهون الآن مستويات جوع بلغت حد الأزمة أو ما هو أسوأ، بزيادة مقدارها 1.7 مليون شخص منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، وعلى رغم أن الصومال يعاني منذ وقت طويل شحّ المياه، فإن نمط الجفاف الراهن الذي يتكرر كل عامين أو ثلاثة أعوام لا يشبه أي شيء شهدته البلاد من قبل.

وأوضح مدير شؤون المناخ والأمن الغذائي في مكتب رئيس الوزراء الصومالي، عبدياكي عينتي، أن "الجفاف أصبح على مدى الأعوام الـ 30 الماضية نمطاً متكرراً في الصومال مما أدى إلى تقويض قدرة المجتمعات والمؤسسات على الصمود"، مضيفاً "في الماضي كان الجفاف يتركز في مناطق معينة، أما اليوم فهو يمتد إلى أجزاء أوسع بكثير من البلاد، بما فيها مناطق لم تكن تقليدياً عرضة للجفاف".

 

أما نورتا سيدو قاسم (22 سنة) فقد أدى الجوع الحاد إلى فقدانها أحد طفليها التوأم الرضيعين، ابنة تدعى خديجة، وبعدما أُصيبت الطفلة بسوء تغذية ونُقلت إلى المستشفى لم يكن العلاج كافياً، وتقول نورتا "أعطاني الطاقم الطبي أقراصاً وشراباً وأملاحاً لتعويض السوائل والأملاح التي فقدها جسمها، لكن قبل أن أبدأ العلاج فارقت الحياة".

والآن تخشى نورتا على حياة طفلها التوأم الآخر، محمد، الذي لا يزال ضعيفاً وتطعمه الشاي الأسود وأحياناً الحليب المجفف بسبب نقص الغذاء، وتقول "الأطفال يعيشون في ظروف بالغة الصعوبة ونحن في حاجة ماسة إلى المساعدة ونحتاج إلى كل شيء".

 

كذلك أسهم خفض التمويل من شركاء المساعدات الدوليين، والذي لم يلبّ سوى 29 في المئة من حاجات التمويل الإنساني العام الماضي، في تفاقم الأزمة الراهنة، ومن المقرر أن تتعرض المساعدات المقدمة من المملكة المتحدة إلى الصومال لمزيد من الخفض خلال الأشهر المقبلة بعدما امتنعت الحكومة البريطانية من إدراج الصومال ضمن قائمة البلدان التي ستُحمى مساعداتها خلال برنامج الخفض الذي تنفذه، وكذلك خفضت الولايات المتحدة تمويلها المخصص للصومال ولم تقدم سوى 3 ملايين دولار (2.3 مليون جنيه استرليني) كمساعدات إنسانية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، مقارنة بـ462 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025.

وقال وزير الدولة للشؤون الخارجية في الصومال، علي محمد عمر، لـ "اندبندنت"، إن "خفض المساعدات يثير قلقاً بالغاً في وقت لا يزال فيه الوضع هشاً إلى حد كبير"، مضيفاً أن "الحكومة الصومالية تعمل على تعزيز أنظمة الاستجابة الوطنية للكوارث وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية، لكن حجم الصدمات المناخية يعني أن استمرار الشراكة الدولية يظل أمراً بالغ الأهمية".

حرب الشرق الأوسط تضاعف مشكلات الصومال

أكدت مصادر حكومية أنه من المتوقع، لحسن الحظ، تفادي المجاعة في الصومال خلال الوقت الراهن بفضل التوقعات بهطول أمطار جيدة أواخر الربيع، إضافة إلى التنسيق الفعّال بين السلطات الحكومية والمنظمات غير الحكومية والمجتمعات المحلية لإعطاء الأولوية لمن هم في أمسّ الحاجة إلى المساعدة، لكن خبراء يطلقون الآن تحذيرات قاتمة من أن التحديات التي يواجهها الصومال في ما يتعلق بالحصول على المساعدات الخارجية التي يعتمد عليها ملايين الأشخاص، مرشحة لأن تتضاعف بفعل الحروب الجارية في لبنان وإيران، وبعض هذه الآثار عملي وملموس، فقد أفاد برنامج الأغذية العالمي "اندبندنت" بأن التأخير في سلاسل الإمداد الناجم عن إغلاق مضيق هرمز، فضلاً عن إغلاق ميناء صلالة في سلطنة عُمان، أدى بالفعل إلى اضطراب كبير في تدفق المساعدات إلى الصومال، وهو بلد يعتمد على الواردات لتأمين 70 في المئة من إمداداته الغذائية.

وعلى رغم إعادة فتح المضيق والميناء الآن لكن خبراء يحذرون من أن تعافي التجارة الإقليمية واستقرار الأسعار سيستغرقان أشهراً طويلة، وقد ارتفعت كلفة الوقود في الصومال إلى أكثر من الضعف خلال أيام من اندلاع الحرب، فيما أصبحت أسعار بعض الحبوب الأساس أعلى بنسبة 40 في المئة مقارنة بالعام الماضي، وسُجلت تأخيرات كبيرة في إيصال شحنات أساس من المواد الغذائية والمستلزمات الطبية ومعدات الصرف الصحي، وسط مخاوف كبيرة حول اعتماد الصومال بـ 30 في المئة على واردات الأسمدة من دول الخليج.

 

وحذرت الرئيسة التنفيذية لمنظمة "ميرسي كوربس"، تجادا دويين ماكينا، من أن "الصراعات من هذا النوع لا تبقى محصورة في نطاقها، فعندما تتعطل أسواق الوقود والأسمدة تنتقل الآثار الارتدادية بسرعة عبر النظم الغذائية، وأول من يشعر بها العائلات في البلدان الهشة التي كانت تعاني أصلاً صعوبة في تأمين الطعام".

وفي بيدوا، حيث توجد نورتا وأدن، ارتفع سعر الرز من 0.75 دولار للكيلوغرام إلى دولار واحد، وفقاً لبيانات تابعتها منظمة "ميرسي كوربس"، ومع تزايد الأزمات العالمية الجارية في أنحاء العالم تتصاعد المخاوف من أن ينزلق الصومال أكثر فأكثر إلى أسفل قائمة أولويات التمويل لدى الشركاء الدوليين، علماً أن كثيرين منهم يعانون أصلاً إرهاقاً متزايداً من طول أمد الأزمة الإنسانية في الصومال.

ووفقاً لأحد المصادر التي تحدثت إلى "اندبندنت" فإن شخصيات بارزة في دول عربية، كان كثير منها داخلاً خلال الأعوام الأخيرة في صراعات القرن الأفريقي، باتت تقول في أحاديث خاصة إن الأزمات ينبغي التعامل معها بالتتابع، إذ تُعطى الأولوية الآن لحاجات إيران ولبنان، تليهما فلسطين ثم السودان، على أن يأتي الصومال بعد ذلك.

لكن وزير الدولة للشؤون الخارجية في الصومال، علي محمد عمر، يرى أن "الأزمات العالمية تتنافس بطبيعة الحال على الاهتمام، لكن الأهمية الإستراتيجية للصومال تظل واضحة"، مضيفاً أن "استقرار الصومال يسهم مباشرة في أمن الملاحة البحرية وجهود مكافحة الإرهاب وتعزيز الترابط الاقتصادي الإقليمي".

ومن المفارقات أن الصومال، في الوقت الذي قد تتزايد فيه غفلة العالم عن احتياجاته الإنسانية، يحظى أخيراً بقدر كبير من الاهتمام في مجالات أخرى، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025 أعلنت إسرائيل اعترافها الرسمي بدولة "أرض الصومال" الانفصالية التي تدير شؤونها منذ 30 عاماً بصورة مستقلة بوصفها جمهورية معلنة من جانب واحد، وبالنسبة إلى إسرائيل فقد مثلت هذه الخطوة تعزيزاً إستراتيجياً لحضورها في منطقة البحر الأحمر، لكن عشرات الدول في جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي انتقدت هذه الخطوة المفاجئة، معتبرة أنها قد تزيد تقويض الاستقرار في منطقة تعاني أصلاً هشاشة شديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال الوزير علي محمد عمر إن "موقف الصومال واضح، فأرض الصومال جزء من الأراضي السيادية لجمهورية الصومال الفيدرالية، وأي اعتراف أحادي الجانب من شأنه أن ينتهك سيادة الصومال ووحدة أراضيه"، ثم إن هناك في ما يبدو هوساً من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالصومال وجالياتها في الخارج، في ضوء تصريحاته العنصرية المتكررة التي يسخر فيها من "لصوص صوماليين" يسرقون الأموال، أو يشكك في "مستوى ذكاء" الشعب الصومالي، ويبدو أن هذه التهجمات المتكررة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنفوره من النائبة إلهان عمر عن ولاية مينيسوتا، وهي سياسية أميركية بارزة من أصل صومالي وذات توجه تقدمي.

تبدد التقدم التنموي

بالنسبة إلى من عملوا لأعوام طويلة على تنمية الصومال فثمة إحباط هائل من أن الجهود الطويلة الأمد الرامية إلى بناء قدرات الصومال، بوصفه بلداً قادراً على الاعتماد على نفسه، باتت معرضة الآن لخطر جدي يتمثل في تقويضها، نتيجة إحجام الجهات المانحة عن مواصلة تقديم المساعدات، ومن أبرز المكاسب التي حققها الصومال إصلاحات مالية ساعدت في خفض الدين الخارجي للبلاد من 64 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2018 إلى أقل من ستة في المئة بحلول نهاية عام 2023، وجرى إقرار تشريعات لمكافحة الفساد على المستويين الوطني والإقليمي، فيما بدأت طبقة وسطى جديدة بالظهور في العاصمة مقديشو.

وقال وزير الدولة الصومالي للشؤون الخارجية في هذا السياق "على مدى العقد الماضي أعدنا بناء المؤسسات وعززنا التعاون الأمني ونفذنا إصلاحات اقتصادية، وحققنا إعفاءً تاريخياً من أعباء الديون... يمر الصومال بمرحلة مهمة من التعافي، ومن شأن مواصلة التعاون معه الآن أن يساعد في ترسيخ هذه المكاسب، وسيسمح للصومال بالانتقال من إدارة الأزمات إلى التنمية طويلة الأمد".

وتعد كبيرة مسؤولي القدرة على التكيف في "ميرسي كوربس شرق أفريقيا"، أولغا بترينياك، من بين من يشعرون بقلق من أن كل هذا التقدم قد يضيع الآن، وتقول "من المهم جداً أن يدرك العالم أن الصومال ليس، إن صح التعبير، بلداً ميؤوساً منه، فلديه خطة طموحة جداً للتحول الوطني إضافة إلى هدف مناخي طموح جداً، وكلاهما يوجهان البلاد على مسار طويل الأمد نحو تنمية مستدامة ستقلل في نهاية المطاف الاعتماد على المساعدات"، مضيفة "في الوقت نفسه يحتاج الصومال إلى أن يكون قادراً على التعامل مع هذه الأزمات الإنسانية المتكررة، فإذا توقفت الدول المانحة عن توفير شبكة أمان إنسانية فثمة خطر من أن يتراجع الصومال في خطته التنموية وأن يتبدد التقدم الهائل الذي تحقق".

 

تندرج هذه المقالة ضمن مشروع "اندبندنت" بعنوان "إعادة التفكير في المساعدات العالمية".

© The Independent

المزيد من تقارير