ملخص
عبر بعض اليهود التونسيين من المقيمين في فرنسا عن حذرهم من السفر إلى الغريبة، مذكرين أبناء طائفتهم بأحداث العنف التي استهدفتهم عام 2023.
بعد توقف دام عامين، يستأنف الحج اليهودي إلى كنيس الغريبة في جزيرة جربة جنوب شرقي تونس، مع نهاية أبريل (نيسان) الجاري، بعدما سجل الموسمان الماضيان حضور أعداد محدودة، على خلفية التوترات الإقليمية، وتداعيات الهجوم الإرهابي الذي استهدف الكنيس خلال فعاليات حج عام 2023.
وأثار قرار عودة الحج اليهودي جدلاً في تونس بين مخاوف أمنية ورفض لإقامة هذه الشعائر بسبب "المجازر" التي ترتكبها إسرائيل في غزة ولبنان، وبين من يرى أن هذا الحج تقليد محلي صرف يخص يهود تونس، ولا يمكن إلغاؤه، باعتباره بوابة لنجاح الموسم السياحي.
تقليد ضارب في التاريخ
لجنة تنظيم الحج اليهودي أكدت من جانبها الثلاثاء الماضي أن هذا "الحدث يعد من أعرق المزارات الدينية اليهودية في أفريقيا والعالم، إذ يستقطب سنوياً زواراً من مختلف الجنسيات ليؤكد المكانة التاريخية والرمزية التي تحتلها تونس كأرض لقاء بين الحضارات وفضاء للتعايش بين الأديان".
وأوضحت اللجنة في بيان لها أن "حج الغريبة يعد أكثر من مجرد مناسبة دينية، إذ يجسد استمرارية تقليد ضارب في التاريخ ويعكس ثراء التراث التونسي وتنوعه بخاصة في جزيرة جربة التي تمثل نموذجاً فريداً للانسجام بين مكونات المجتمع عبر القرون".
وأكدت اللجنة أنه "في سياق الحرص على سلامة المشاركين وعلى أثر أحداث 2023 تؤكد السلطات التونسية بالتنسيق الكامل مع لجنة التنظيم، أنه جرى إقرار منظومة أمنية متكاملة ومعززة، تشمل كل محيط الفعالية بما يضمن تنظيم الحج في ظروف آمنة ويوفر الإطار الملائم لإقامة الشعائر بكل طمأنينة".
وقالت اللجنة "كما يمثل هذا الموعد رسالة متجددة من تونس إلى العالم، مفادها أن قيم التسامح والتعايش ليست شعارات، بل واقع متجذر في التاريخ والممارسة اليومية"، مضيفة "جربة، التي حافظت عبر الزمن على خصوصيتها الثقافية والروحية، تواصل اليوم أداء دورها كجسر للتواصل بين الشعوب، وكفضاء يحتضن الاختلاف في كنف الاحترام والسلام".
ودعت كل الزوار والإعلاميين وممثلي المؤسسات إلى مواكبة هذا الحدث، والمساهمة في نقل صورة تونس كما هي "بلد التعدد، والانفتاح، والحياة المشتركة".
في إطار الاستعدادات الجارية، شددت السلطات التونسية بالتعاون مع اللجنة المنظمة على اعتماد بروتوكولات أمنية مكثفة وشاملة في محيط معبد الغريبة وجميع مداخل جزيرة جربة جنوب شرقي تونس، وتأتي هذه الخطوة لضمان ممارسة الشعائر في أجواء من الطمأنينة الكاملة، واستجابة للمخاوف التي ترتبت على أحداث عام 2023.
ولفتت الجهات الرسمية التونسية الانتباه إلى أن "التدابير المعززة تهدف إلى تأمين مسارات الزيارة والإقامة لجميع السياح والوفود المشاركة"، مشددة على" أن جربة ستظل أرضاً للتسامح والتعايش".
عبء أمني
لكن في الواقع، أصبح تنظيم هذا الموعد الديني خلال العامين الماضيين عبئاً أمنياً كبيراً على تونس، لدرجة الحد من المشاركة في هذا الحج خلال العامين السابقين. وقد رافقت عودة هذا الموسم تصاعد بعض الأصوات المطالبة بإلغاء حج الغريبة بجربة العام الحالي أيضاً "تحسباً لأي تداعيات أمنية وسياسية".
من جانب آخر، عبر بعض اليهود التونسيين من المقيمين في فرنسا عن حذرهم من السفر إلى الغريبة، مذكرين أبناء طائفتهم بأحداث العنف التي استهدفتهم عام 2023.
وفي هذا السياق، تقول مريال ممو، وهي يهودية تعيش في فرنسا "احذروا، أعتقد أنهم في حاجة إلى أموالنا"، مضيفة "من المستحيل نسيان ما حدث خلال تلك الأحداث المؤلمة، وأعتقد أن كثيراً منا قرر عدم الذهاب مرة أخرى إلى الغريبة". واستدركت "لكن في النهاية، كل شخص حر في قراراته".
من جهته، يرى رئيس حزب التحالف من أجل تونس، سرحان الناصري، في حديث إلى "اندبندنت عربية"، أن حج اليهود إلى الغريبة التونسية تقليد قديم لا يمكن التنكر له، مشيراً إلى أن أحداث العنف التي حدثت قبل ثلاثة أعوام دفعت السلطات التونسية إلى إلغاء الاحتفالات بهذا الموعد، لاعتبارات عدة، أبرزها الوضع العام في المنطقة.
ويقول الناصري إن تونس تضم مواطنين يهوداً، ومن حقهم الاحتفال بمناسباتهم الدينية، مشيراً إلى أن حج الغريبة حق لكل يهودي تونسي، غير أنه يعبر عن تحفظ وحيد يتمثل في عدم قبول حاملي الجنسية الإسرائيلية، في حين يرحب ببقية اليهود من مختلف الجنسيات، ويوضح أنه من واجب الدولة تأمين هذه المناسبة التي دأبت تونس على تنظيمها منذ عقود.
موقف حرج
من جانبه يرى المحلل السياسي بسام حمدي، في تصريح خاص، أن الحد من الاحتفالات في المواسم السابقة لحج الغريبة ارتبط أساساً بالظروف الأمنية، وبالمخاوف من حدوث أي تهديد يستهدف الزوار اليهود للكنيس "بخاصة في ظل ارتكاب إسرائيل مجازر في حق الفلسطينيين خلال تلك الفترة".
وتابع حمدي "أثارت حرب غزة حفيظة التونسيين، مما وضع السلطات في موقف حرج، خشية وقوع أية حادثة أمنية، فاختارت الحد من الاحتفالات خلال العامين الماضيين"، مرجحاً أيضاً أن يكون ذلك الموقف ذا أبعاد سياسية عبرت من خلاله تونس عن احتجاج مبطن على ممارسات حكومة بنيامين نتنياهو.
أما بخصوص عودة الحج فيرى أنها ارتبطت بعوامل عدة، من بينها العامل الأمني، إذ ترصد الحكومة التونسية تراجعاً نسبياً في موجة الغضب الإنساني العالمي تجاه إسرائيل بعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وهو ما انعكس أيضاً على تراجع حدة الغضب في الشارع التونسي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وترى السلطات التونسية أن إمكان استهداف اليهود في تونس يبقى مستبعداً، في ظل تحسن مؤشرات الوضع الأمني في البلاد وفق حمدي، مشيراً إلى أسباب سياسية أخرى كحرص البلاد على تجنب الظهور في موقع الاصطفاف إلى جانب إيران، بخاصة أن إلغاء موسم حج الغريبة قد يفسر من قبل بعض الأطراف، وخصوصاً في الغرب، كرسالة احتجاج على الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويواصل المحلل السياسي "لا تخلو هذه العودة من أبعاد اقتصادية، إذ يعد استئناف فعاليات موسم حج الغريبة مؤشراً مهماً إلى نجاح الموسم السياحي، ورسالة واضحة بأن تونس بلد آمن ومفتوح للزوار من مختلف أنحاء العالم".
وانطلقت الاستعدادات في الجزيرة وبالتحديد في منطقة الحارة الصغيرة داخل المعبد والوكالة، وهي عبارة عن نزل يحوي بعض الغرف القديمة كان يقيم بها في الماضي زوار الغريبة وتقام فيه سوق صغيرة تباع فيها المأكولات والمشروبات اليهودية "الكاشار ونبيذ البوخا" الشهير بيهود تونس وبعض الهدايا التذكارية.
ويتوسط هذا الفضاء فناء كبير يحتضن الحفلات والسهرات التي تقام بالمناسبة ومنها تنطلق المنارة وهي عبارة عن عربة تزين بالأقمشة والورد والحلي وتباع هذه العربة رمزياً بأسعار مختلفة للتبرك والصدقة، حسب معتقداتهم، وتخصص مداخيل بيعها لصيانة المعبد.
وترمز هذه العربة إلى الولي المدفون هناك، وهي بحسب ما توارثه يهود جربة، فتاة يهودية غريبة ماتت ودفنت في هذا المكان ولا يعرف أصلها لذلك سميت بالغريبة وأصبحت بعد ذاك مكاناً للتعبد تبرك به اليهود.
وكانت تونس تضم أكثر من 100 ألف يهودي قبل استقلالها عام 1956، ويقدر عددهم، اليوم، بنحو 1500، يعيش معظمهم في جربة.