ملخص
المعطيات التي جرى تداولها رسمياً وفي منصات إعلامية أشارت إلى أن الموضوع يرتبط بإعادة تنظيم، لكن شعبياً جرى فهمها في إطار مغاير يرتبط بسياق فتح ملفات عقارية تجاوزها الزمن ومرت عليها حقب، وتطور ذلك الجدل لأن آلية الشرح الرسمية غابت فاكتنف الغموض الغرض النهائي لا الأساس من طرح الموضوع الآن، وما هي حدوده القانونية والفعلية والإدارية والإجرائية، بخاصة مع الحديث عن أسواق وأحياء بأكملها، وعشرات آلاف الشقق التي أثير النقاش حولها.
تصدر ملف الأوقاف العثمانية القديمة ملف واجهة الأحداث السورية خلال اليومين الماضيين، إثر مخاطبة وزارة الأوقاف السورية لـ "الديانة التركية"، مطالبة إياها بالأرشيف العثماني المتعلق بالحقبة التي حكم فيها العثمانيون سوريا والممتدة تاريخياً على نحو 400 عام، مما جعل الأمر يحتل الفضاء العام بما يتجاوز أن يكون حدثاً تنظيمياً أو إدارياً وفنياً وتقنياً، ففي سوريا أوقاف تاريخية يصعب حصرها ترتبط بالحقبة العثمانية، من بساتين قامت عليها خلال القرون والعقود الماضية عشرات آلاف الشقق وتحولت إلى أحياء كاملة، ومن أسواق تاريخية بارزة، ومعالم لا تقل أهمية ولا سيما في المدن الكبرى، دمشق وحلب.
المعطيات التي جرى تداولها رسمياً وفي منصات إعلامية أشارت إلى أن الموضوع يرتبط بإعادة تنظيم، لكن شعبياً جرى فهمها في إطار مغاير يرتبط بسياق فتح ملفات عقارية تجاوزها الزمن ومرّت عليها حقب، وتطور ذلك الجدل لأن آلية الشرح الرسمية غابت فاكتنف الغموض الغرض النهائي لا الأساس، من طرح الموضوع الآن وما حدوده القانونية والفعلية والإدارية والإجرائية، بخاصة مع الحديث عن أسواق وأحياء بأكملها وعشرات آلاف الشقق التي أثير النقاش حولها.
وزارة الأوقاف
يرى الشيخ عبدالوهاب الحسن، المطّلع على ملف مراسلات الأوقاف، أن "الأمر ذو طبيعة تنظيمية على اعتبار أن الوقف يشكل مساحة فاعلة وكبيرة لسوريا، وهو لا يخضع لضوابط تنظيمية فعلية مما جعله أقرب للمشاع المنسي، وبالتالي فإن الدولة السورية تحاول إعادة تعريف المنظومة الوقفية لئلا يستمر التعامل معها بوصفها أملاكاً قديمة بحكم المستولى عليها في ظروف زمنية متغايرة، ثم جُيرت إلى وضع اليد عليها عبر الاستملاك العقاري التام، وهنا تكون نتيجة المراسلات تغيير هذا الواقع نحو أثر رجعي يبحث في أصول الملكيات عينها لإعادة الحق للدولة بأملاكها الوقفية الكثيرة، والحديث هنا يشمل أسواقاً كاملة وأكثر من 30 ألف شقة في دمشق وحلب كما تبين حتى الآن، إضافة إلى ملف المستأجرين لعقارات في الأسواق الحيوية لا يزالون يدفعون ما لا يتجاوز 20 دولار سنوياً كقيمة إيجار، ومن هنا تأتي أهمية التنظيم وضمان حقوق المواطن والدولة".
مصدر في وزارة الأوقاف قال "لا نزال في المرحلة الأولى من المراسلات، ونسعى إلى الحصول على الأرشيف العثماني المتعلق بسوريا كاملاً لحصر العقارات الوقفية، وإعادة تثبيت الأصول لمصلحة الدولة، وبالتالي تقييم الملكيات والإيجارات من جديد تبعاً للسعر الحالي، ولدينا تصور أن بعض المحال قيمة إيجارها الشهري ما بين ثمانية و12 ألف دولار، وهي لا تزال مؤجرة منذ عقود ببضعة دولارات، وهذا تعد على ملكية الدولة نفسها".
وبين المصدر أن "الأنظمة السابقة لم تسع لإحصاء العقارات الوقفية بصورة مهنية، فقد كانت تلك الأوقاف توزع بطرق يعلمها الجميع، والآن باستعادة الدولة لأوقافها فسيجري طرح عقود إيجار جديدة على شاغليها أو تجييرها نحو شاغلين جدد، على أن تحافظ الدولة على حقوقها في الملكية، ومن المؤكد أن ثبوتية وقف العقار تنفي عنه أية صفة تنظيمية تملكية لاحقة، ولو كانت قانونية تضم أوراقاً رسمية لأن طريقة التملك نفسها لم تكن قانونية، ومن هنا يأتي القرار بتفعيل الأثر الرجعي".
بدوره رد معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف سامر بيرقدار عبر الإعلام حول هذه المسألة بقوله إن "الأوقاف العثمانية لا تعود ملكيتها لتركيا بل تعد جزءاً من أوقاف الدولة التي أوقفت فيها، فالأوقاف في مصر تعود لوقف مصر ولو أنها أوقفت على الزمن العثماني، وكذلك الأوقاف داخل الأراضي السورية تعود للوقف السوري"، متابعاً أنه "إذا لماذا التوجه لأرشيف الوقف العثماني؟ لأن الاوقاف السورية مهملة لأعوام وغير منظمة ولا يوجد حصر لها بجدولة واضحة، وهي بمعظمها إما ضائعة أو مسروقة من ضعاف النفوس، فالعودة للوثائق العثمانية تعد أحد الطرق لإحياء وجمع الأوقاف في سوريا وصرف عوائدها بمآلات الوقف السوري ليستفيد منها شعبنا".
حدود الوثيقة
يمكن النظر إلى ما يجري تداوله على أنه يسبق مرحلتين في سوريا، الأولى (1918-1920) والتي كانت عهد الجمهورية الأولى بعد خروج العثمانيين، والثانية ما بعد عام 1946 واستقلال سوريا عن فرنسا، فالحديث الوقفي يكون هنا عن أملاك ترجع لقرون سبقت تلك الفترات لتشمل الدفاتر العثمانية والسجلات الإدارية والشرعية المستخدمة في تنظيم السكن والوقف معاً.
وتحظى تلك الوثائق بقيمة تاريخية كبرى تغوص في الزمن وتبحر بين حقبتين، والوقف بصوره القائمة في عصور مضت، والوثيقة الحديثة "الطابو"، وبين الاثنين اختلاف شاسع في أداة اللغة والمفهوم والتوثيق وقانون الملكية، وهو ما يتطلب معه فتح مجالات أكثر اتساعاً لتفسير المراسلات نصاً وقانوناً وفقهاً دستورياً وارتباطات شرعية، وبمجملها تتخطى حدود الزمن القائم، والحد الجغرافي المتبدل مع أفول نجم الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918).
يقول القاضي عز أحمد لـ "اندبندنت عربية" إنه "لا يختلف اثنان على أهمية هذه الوثائق ولكن في سياق بحثها التاريخي القائم على الزمان والمكان، لا على استحضارها لتمكين الأثر الرجعي لها وبالتالي وضعها على طاولة الحجة القانونية عند أي نزاع يتعلق بملكية عقار قائم، وهو ما سيحصل وما يمكن أن يفجر مشكلة كبيرة في مجتمعات المدن المتضررة، وبدأنا نلمس الأمر منذ الآن، وهناك دعوات إلى اعتصامات أيضاً ترتبط بهذا الشأن، وهذا ليس في مصلحة السلطة لأن التوقيت غير مناسب إطلاقاً لمثل هذه العمليات من التنظيم، ولو كانت بصبغة إدارية محضة".
وأضاف المتحدث ذاته أن "القرينة التاريخية ليست أساساً مساعداً في نسف حقوق الملكيات الخاصة التي لا تسقط بطبيعتها بالتقادم في حال مشابهة لهذه، وفي هذا عصف للدساتير السورية ومرور فوقها وأذية للمجتمع الذي يعمل بطاقته الدنيا، فالقانون يعترف بالوثيقة الأحدث طالما أن ركنها القانوني مكتمل، وإلا لتلغى قوانين الإصلاح الزراعي والتأميم ولترجع كل الأراضي للإقطاعيين قبل فترة 1970 وليعد معظم المجتمع مياوماً، لا يستوي هذا مع ذاك، والفكرة ليست بصحة الوثيقة أو إثباتها بل بالجهد القانوني المستقر على تفسير موقع الملكية داخل الهرم القانوني الذي يثبت صحة التملك".
الحجة الأقوى
يقول المحامي المتخصص في شؤون النزاعات المدنية لؤي طحان أن "الملكية الخاصة بصفة طابو هي نهائية ومستقرة وعلنية، وقد تناوب عليها آلاف البائعين والمشترين في عقود وقرون، وكلها تحمل تسلسل وكالات بيع مبرمة من السجل العقاري وإشارات رهن وحجز وخلافه، وذلك لأنها أقوى نوع ملكية في التعريف القانوني المدني، ولا يمكن وضعها في مواجهة سياق ومنشأ وقف تاريخي قديم، فاليوم نبحث عن وقف عثماني منذ 400 عام، وغداً قد نبحث عن وقف فاطمي وأيوبي وعباسي وأموي ومن ثم بيزنطي ورومي، فتعود الملكية لحضارة سومر في النهاية مثلاً أو لكرسي الفاتيكان، والقانون يتعامل مع الواقع المثبت ورقياً ويعترف بالتقادم الزمني، وعليه فإن الإجراء من أساسه باطل، وتظل الواقعة المؤكدة أقوى بكثير من السجل التاريخي، فالزمن يمضي والسلطة تريد إيقافه والعودة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويخالف الأكاديمي في القانون خالد توفيق رأي المحامي لؤي، إذ ينظر للأمر من زاوية استرجاع الحقوق الأساس للدولة ويقول "صحيح أن مرور الزمن الطويل أكسب تلك العقارات صفة الاستقرار المدني والعقاري، ولكن تغافل السلطات السابقة عنه لا يعني أن تمليكه قام على أسس سليمة، فالملف الوقفي في سوريا كبير جداً، وأية سلطة هي أحق به، وأحق بعوائده الباهظة، والناس اليوم تملكت من دون ثمن يذكر وفي أرقى الأماكن، وأضعافهم مستأجرون من الأوقاف بمناطق راقية لأغراض تجارية ببضعة دولارات بينما القيمة الحقيقية هي الآلاف، وهذا يصير نوعاً من فرض التملك وليس التملك، وتعاد المشكلة في أصلها هنا للاختلاط الذي وقع زمن التأميمين الناصري والبعثي، وإدخال المجتمع في متاهة الاشتراكية المبهمة، وسوريا اليوم تطالب بما هو حق لها ولا تعتدي، وقد استفاد الناس لأعوام لا تحصى بشبه المجان من هذه الأوقاف، وعليهم الآن أن يكونوا مع دولتهم في استرجاع حقوقها، فوثيقة 'الطابو' بكل قوتها لا تلغي أنها صارت بين أيديهم نتيجة نظام عام تشوبه الأخطاء التنفيذية والدستورية".
الجانب العملي
يشرح الاقتصادي معين الحموي أن "إعادة استحضار وإحياء ملف الأوقاف التاريخي يقود إلى عرقلة تحمل معها تحديات مجتمعية واسعة تتجاوز جانب النقاش والتفحص والإدارة، فالوقف الذي كان أرضاً كأحياء كاملة وسط دمشق وحلب، وهي أرقى مناطقها الآن، فصارت اليوم عبارة عن أبراج ومنازل بمئات آلاف أو ملايين الدولارات، وقد رأينا أحياء القابون وجوبر المهدمة على أطراف دمشق نتيجة قصف النظام، وكيف أن الإعمار ممنوع فيها بينما طرحت تسوية على سكانها بالتنازل عن 70 بالمئة من قيمتها في مقابل 30 في المئة والرحيل، فبماذا سيعوض ملاك تلك الأحياء؟".
ويستكمل أن "تلك المناطق الوقفية تغيرت عبر قرون من أراض إلى مزارع وبساتين وبيوت وشقق وفنادق وأبراج وغيره، وبالتالي تغيرت آلية العمار والملكية وطبيعة الاستخدام وشكل التقسيم، ومن هنا يصبح تتبع مسار الوقف نفسه أمراً شبه عصي، فيكون العقاب أكثر من جماعي، كما أن الحصول على سجلات الوقف العثماني سيصطدم بسجلات الوقف السوري وسيكون هناك تباين كبير بينهما، فضلاً عن تشتت وضياع آلاف الوثائق الأخرى، وفي المحصلة سيصطف الناس في المحاكم لتخاصم دولتها، فيما ستستخدم الدولة قوتها لإعادة التملك، وفي هذا استعداء إضافي لا ينقصها لأنه سيزيد البطالة كثيراً، وسيشجع التعسف وسيشعر الناس بالجور والعجز والضعف، سيجدون أنهم فجأة بين فكي حكم رأسمالي شديد القسوة في مقابل عقود من الأدلجة الاشتراكية، وهذا الشكل الرأسمالي كان قضم سابقاً أساساتهم ورفع أسعار الخبز والغاز والكهرباء آلاف الأضعاف، فازدادت المجاعة في سوريا ولم تنقص".
الحق النهائي
يرى القاضي المتقاعد مهذب حمود والذي كان يشغل منصب مستشار مدني أن "الحق النهائي في تفسير الوثيقة وما سينجم عنها سيرجع للنظام القضائي المعمول به دستورياً، لكن المواجهة الكبرى والتي لم يعهدها القضاء سابقاً هي المواجهة بين الملكية المقدسة في النص والسجل الوقفي التاريخي الذي سيشمل أملاكاً أكثر من أتحصى، وبالتالي لن تكتمل الخصومة إلا بحضور صاحب الملك ووزارة الأوقاف والسجل العقاري والأرشيف التاريخي نفسه، وهنا سيواجه القضاء مشكلة لمن الأحقية، للسجل وبالتالي الدولة؟ أم للمالك التاريخي الذي سيصير مستأجراً؟ وهو ما سيتطلب اجتهادات قضائية بالجملة ليصار إلى العمل بها، وعلى أمل ألا تصب تلك الاجتهادات في مصلحة الدولة باعتبارها المظلة الشرعية، وباعتبار تسيدها على القضاء وإلغاء دوره السلطوي كما يجري باستبدال القضاة بشيوخ كانوا في 'هيئة تحرير الشام' وقادمين من خلفيات حكم شرعي لا قانوني".
وفي المحصلة يعرف السوري تاريخياً أنه ما من وثيقة تنافسه في الملكية طالما أنه يتملك بقوة سند "الطابو"، لكن الأمور يمكن أن تتغير هذه المرة، وفي هذه المرة تحديداً يتمنى السوريون ألا يتجاوز الأمر بعده التنظيمي الإحصائي المحض، ليطغى على استقرار الملكية الحديث فتتضارب الأحكام والمرجعيات.
ولكن تلك المخاوف ازدادت فعلياً بعد ظهور ممثل عن الأوقاف ضيفاً على "قناة الإخبارية السورية" الرسمية، مؤكداً أن عدد الشقق أكثر مما يحكى عنه، وأن البحث في السجل العثماني سيجعل السلطات تطالب مالكي تلك العقارات بدفع إيجارها وفق السعر الرائج أو إخلاءها أو التوجه إلى المحاكم، وقال الضيف "ليسكن كل بحسب استطاعته المادية فليس معقولاً ألا تملك المال وتسكن في هذه المناطق، وكذلك نصف سوق الحميدية الضخم والأشهر تاريخياً هو أوقاف"، وفي هذه اللقاء وحده، وبهذه الجمل فقط، فقد تمكنت الوزارة من إخافة السوريين بشدة هذه المرة.