Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إعلام إسرائيلي يلوح بإقصاء فرنسا من مسار التفاوض مع لبنان

أثارت مواقف باريس المنتقدة للعمليات العسكرية امتعاض تل أبيب

حاول ماكرون، دون جدوى، خلال مكالمات هاتفية عدة، إقناع نتنياهو بعدم شن عملية برية في جنوب لبنان (أ ب)

ملخص

في ضوء التقارير الإعلامية التي تتحدث عن مساعٍ إسرائيلية لإقصاء باريس من بعض مسارات التفاوض المرتقبة بين تل أبيب وبيروت، وفي ظل التصعيد السياسي المتبادل، يتضح أن الدور الفرنسي في هذا الملف يمرّ بمرحلة إعادة تموضع دقيقة. فبين خطاب دبلوماسي فرنسي أكثر حدة تجاه العمليات الإسرائيلية، ومحاولات الحفاظ على موقع الوسيط، تبدو باريس عالقة بين رغبتها في التأثير ومحدودية قدرتها على فرض الشروط، في مقابل هيمنة أميركية واضحة على مسار التفاوض وتفضيل إسرائيلي لقنوات مباشرة ومحددة.

يتصاعد الخلاف بين إسرائيل وفرنسا بصورة متواصلة، إذ أدى اعتراف باريس بدولة فلسطين في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى إحداث شرخ واضح في العلاقات بين الجانبين. وفي تطور جديد، رفضت إسرائيل مشاركة فرنسا بصورة فاعلة في مفاوضات وقف إطلاق النار في لبنان، في وقت تتواصل فيه المواجهات بين الجيش الإسرائيلي و"حزب الله"، على عكس حال الهدوء النسبي على الجبهة الإيرانية. ومن المنتظر أن تنطلق هذه المحادثات المباشرة غداً الثلاثاء في واشنطن، برعاية الولايات المتحدة.
ولا نزال حالياً أمام تقارير إعلامية تتحدث عن مساعٍ إسرائيلية لاستبعاد باريس من بعض مسارات التفاوض المرتقبة بين تل أبيب وبيروت، في وقت صعّد فيه وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو لهجته بصورة غير مسبوقة، واصفاً الضربات الإسرائيلية على لبنان بـ"غير المقبولة"، ومؤكداً ضرورة إدراج لبنان ضمن أي اتفاق لوقف إطلاق النار على مستوى المنطقة.

وتعتزم إسرائيل أيضاً استبعاد فرنسا من مجلس المراقبة المكلف بالإشراف على أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار، حيث برر دبلوماسي إسرائيلي هذا الموقف بالقول إنه "لا يمكن اعتبار فرنسا وسيطاً نزيهاً"، مضيفاً أن "باريس دأبت على اتخاذ مبادرات للحد من قدرة إسرائيل على محاربة إيران، وأبدت عدم رغبة في اتخاذ خطوات ملموسة لمساعدة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح 'حزب الله'".

وكانت فرنسا قد رفضت السماح بمرور طائرات أميركية محمّلة بمعدات عسكرية متجهة إلى إسرائيل، في خطوة تعكس تشدداً نسبياً في موقفها، وكثّف الجانب الفرنسي ضغوطه على إسرائيل لتجنّب أي تدخل بري في لبنان، في ظل تصعيد "حزب الله" هجماته باتجاه الأراضي الإسرائيلية.

كذلك حاول الرئيس إيمانويل ماكرون، دون جدوى، خلال مكالمات هاتفية عدة، إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعدم شن عملية برية في جنوب لبنان.

في سياق متصل، كانت باريس سبّاقة في التحرك، إذ منعت الحكومة الفرنسية في مايو (أيار) 2024، 74 شركة إسرائيلية من المشاركة في "يوروساتوري"، المعرض العالمي الرائد في مجال الدفاع البري، وذلك على خلفية الانتقادات الموجهة إلى عمليات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وفرضت لاحقاً قيوداً على شحنات الأسلحة "الهجومية" الفرنسية. وفي أواخر العام الماضي شددت أيضاً ضوابطها على المعدات ذات الاستخدام المزدوج، التي تشمل تقنيات يمكن توظيفها لأغراض مدنية وعسكرية في آن واحد.

 

فرنسا بين الوساطة المحدودة وهيمنة الدور الأميركي في الملف اللبناني – الإسرائيلي

في الخصوص، تقول الدكتورة إعجاب خوري، نائبة رئيس اللجنة الوطنية الفرنسية للتنوع في حزب الجمهوريين إن "فرنسا حاولت لعب دور نشط في الملف اللبناني"، وتوضح أن "فرنسا تلعب دوراً مكملاً أو ثانوياً وخطابها الأخير أصبح أكثر انتقاداً لبعض العمليات الإسرائيلية، لكن ذلك لا يشكل تغييراً استراتيجياً كبيراً، فهي تسعى إلى البقاء كوسيط مؤثر في الأزمات الإقليمية، لكن تأثيرها يبقى محدوداً مقارنةً بالقوى الكبرى".

أما في شأن الدور الأميركي المهيمن فتقول خوري إن "الولايات المتحدة تبقى الفاعل المركزي في المفاوضات المتعلقة بإسرائيل والمنطقة".

وترى أن "إسرائيل تفضل واشنطن كطرف تفاوض أساس"، وعن دوافع سعي إسرائيل إلى الحد من الدور الفرنسي، تقول إن "ذلك يعود أولاً إلى اختلاف في الرؤية في شأن إدارة النزاعات، خصوصاً في ما يتعلق بلبنان والجماعات المسلحة. ثانياً، إلى تفضيل إسرائيل اعتماد قناة تفاوض واحدة، تتمثل في الولايات المتحدة. وثالثاً، إلى الحذر من المقاربة الفرنسية التي تُعتبر أكثر 'سياسية' وتميل إلى الطابع المتعدد الأطراف في معالجة الملفات الإقليمية".

وتفيد المسؤولة في حزب الجمهوريين الفرنسي بأن "القدرة الحقيقية لفرنسا تكمن في امتلاكها وزناً دبلوماسياً، وحضوراً تاريخياً في لبنان، ودوراً داخل الأمم المتحدة، إضافة إلى قدرتها على الوساطة"، لكنها تؤكد أن فرنسا لا تمتلك، بحسب رأيها، "نفوذاً عسكرياً حاسماً أو قدرة على فرض الحلول أو التحكم في مسار التفاوض، لذلك، فهي تؤثر في مجريات الأحداث لكنها لا تقرر".

وعن أهمية لبنان بالنسبة إلى فرنسا، تقول إعجاب خوري إن "لبنان يمثل إرثاً تاريخياً قوياً لباريس، وساحة أكثر قابلية للتحرك الدبلوماسي مقارنةً بسوريا أو غزة، ومجالاً مناسباً لإعادة تأكيد الدور الفرنسي على الساحة الدولية، وفرصة دبلوماسية لإبراز حضور فرنسا في الأزمات الإقليمية".

في الخلاصة العامة، توضح خوري أن "لبنان يقع في قلب صراعات داخلية وإقليمية معقدة".

وتشير إلى أن "فرنسا تحاول لعب دور الوسيط النشط في هذا السياق، إلا أن مركز الثقل الحقيقي يبقى في واشنطن وفي التوازنات الإقليمية"، وتلفت إلى أن "إسرائيل تفضّل اعتماد قنوات تفاوض مباشرة ومحددة، في حين تبقى فرنسا لاعباً".

خطاب مرتفع وتأثير محدود في الميدان

أما في شأن ما إذا كانت تصريحات وزير الخارجية الفرنسي تعكس تحولاً في الخطاب الدبلوماسي الفرنسي نحو موقف أكثر حدة تجاه إسرائيل، فيقول المحلل السياسي طارق وهبي، إن "وزير الخارجية الفرنسي لم ينسَ حادثتين في خلال زيارتين أجراهما إلى إسرائيل، الأولى عندما تم اعتقال رجلي أمن فرنسيَين من فريقه خلال زيارته لدير ملكية فرنسا في القدس، والثانية عندما مُنع من الذهاب إلى هذا الدير".

ومع ذلك، يشير وهبي إلى أنه "على رغم هذه المواقف والتوترات، لا تزال فرنسا متمسكة بدعم إسرائيل وحمايتها، بغض النظر عن الخلافات القائمة".

وفي ما يتعلق بحدود الدور الفرنسي في الملف اللبناني–الإسرائيلي، يرى طارق وهبي أن "فرنسا واكبت مبادرة الرئيس جوزاف عون للدخول في مفاوضات مشروطة بوقف إطلاق النار، حيث عملت الدبلوماسية الفرنسية على نقل هذه الفكرة إلى إسرائيل، على أمل أن تقبل بدور فرنسي ولو بصفة مراقب، وليس كضامن، وبخاصة أن الولايات المتحدة تبقى الضامن الأول والأخير في هذا الملف".

وفي ما يتعلق بمدى امتلاك باريس لأدوات تأثير فعلية في هذا الصراع المعقد، يوضح طارق وهبي أن "موقفها يبدو ضعيفاً أمام المفاوض الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة.

في المقابل، قد يلجأ المفاوض اللبناني إلى فرنسا إذا شعر بوجود ضغوط عليه، سواء بصفتها طرفاً مراقباً أو ربما بدور أكبر"، ويشير وهبي إلى ضرورة الإقرار بأن "إسرائيل تسعى أحياناً إلى إحراج فرنسا، وبخاصة أنها لم تتقبل حتى الآن مسألة الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية".

دور مهم لكن غير حاسم

يقول المحلل السياسي نبيل شوفان إن "هذه التصريحات، المترافقة مع مواقف مماثلة من الرئيس ماكرون، تعكس تحولاً نسبياً في الخطاب الفرنسي، مع حفاظ باريس على التزاماتها تجاه أمن إسرائيل، وسعيها إلى الحفاظ على موقعها كوسيط محتمل، دون الذهاب إلى قطيعة مع إسرائيل أو اتخاذ إجراءات عقابية حقيقية".

ويفيد شوفان بأنه "يبدو أن هذا التموضع الدقيق لباريس لم يعد مقبولاً لدى تل أبيب، التي باتت تنظر إلى فرنسا كطرف منحاز أو غير قادر على ضمان مصالحها الأمنية، مما دفعها إلى تقليص اعتمادها عليها، مفضّلةً تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة".

وفي السياق الأوسع، يوضح نبيل شوفان أن "العلاقات الفرنسية–الإسرائيلية شهدت خلال الأشهر الأخيرة تدهوراً ملحوظاً، حيث تراجعت مستويات التعاون الدفاعي وازدادت الخلافات، على خلفية مواقف باريس المنتقدة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، سواء في لبنان أو ضمن سياق أوسع مرتبط بالحرب الإقليمية أو بمسألة اعتراف باريس بالدولة الفلسطينية، وبالمقابل، لا تزال باريس تحاول الحفاظ على قنوات التواصل، على رغم التباين العلني في المواقف، خصوصاً في شأن لبنان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف نبيل شوفان أن "باريس لا تريد أن ترى جزءاً من لبنان يتعرض لما تعرض له قطاع غزة، وتعتقد في الوقت نفسه أن تصعيد الحرب وتوسيع رقعة القصف والعمليات العسكرية لن يؤديا إلى الحسم الذي يسعى إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو".

ويتابع، "وبعد ثلاثة أسابيع من الحرب مع إيران، تتزايد الشكوك حول قدرة أي عملية عسكرية برية على إنهاء 'حزب الله' أو نزع سلاحه، مع احتمال تحوّل المواجهة إلى حرب استنزاف تعيد تكرار تجارب سابقة دون حسم واضح، خصوصاً أن هناك مَن يرى، حتى داخل ائتلاف نتنياهو، أن التدخل البري الأخير في جنوب لبنان منح 'حزب الله' فرصة لإعادة تعزيز قدراته بعدما كان قد انكفأ إلى شمال الليطاني".

ويوضح نبيل شوفان أن "فرنسا حاولت خلال الأشهر الماضية طرح مبادرات دبلوماسية، بل وحتى صياغة خطط سلام تتضمن ترتيبات سياسية وأمنية بين لبنان وإسرائيل، على رغم أن الواقع الميداني الذي تبادر فيه كل من إسرائيل و'حزب الله' بالتصعيد يصعّب الموقف، وتستخدم تل أبيب القوة العسكرية التي تعتبرها فرنسا غير متناسبة وكان آخرها الأربعاء الماضي حين شنت إسرائيل ضربات أدت إلى مقتل عشرات المدنيين اللبنانيين".

ويفيد نبيل شوفان بأن "'حزب الله'، من جهته، جرّ لبنان إلى حرب لا تريدها غالبية اللبنانيين، حين قرر الدخول فيها إلى جانب إيران، ويبدو أن التحركات الفرنسية، بما في ذلك زيارات بارو إلى بيروت وتل أبيب، لم تنجح في إقناع الأطراف الرئيسة بتبني مقاربتها، في ظل رفض إسرائيلي واضح لبعض المقترحات، وربما تحفّظ أميركي على منح باريس دوراً مركزياً في الوساطة، على خلفية موقف فرنسا من الهجمات الأميركية–الإسرائيلية على إيران، وكذلك طلب الرئيس ترمب تأمين الملاحة في مضيق هرمز".

واعتبر شوفان أن "باريس، على رغم امتناعها المطلق عن استخدام قوتها العسكرية لفرض آرائها، لا تزال تمتلك أدوات تأثير مهمة، تشمل علاقاتها التاريخية مع بيروت وإرثاً ثقافياً وسياسياً عميقاً في لبنان، وتُعد من أبرز الداعمين الدوليين له، فضلاً عن نفوذها داخل الاتحاد الأوروبي، على رغم الانقسامات التي تعوق تشكيل جبهة موحّدة (وسط حديث عن إجراءات عقابية بحق إسرائيل).

كذلك، تُعد فرنسا وسيطاً موثوقاً قادراً على تقديم ضمانات لمختلف الأطراف، إضافةً إلى قدرتها على مساعدة الدولة اللبنانية في الحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها واستقلالها، إلى جانب حضورها الدبلوماسي والإعلامي المؤثر على الساحة الدولية، أما الدولة اللبنانية، فتبدي مرونة غير مسبوقة قد تشكّل فرصة تاريخية لإسرائيل لبدء مفاوضات سلام تفضي إلى انسحابها من النقاط التي سيطرت عليها في الحرب الأخيرة، وعلى رغم رفض إسرائيل في البداية، فإنها عادت ووافقت على التفاوض، كما كانت قد نصحتها فرنسا منذ البداية.

كل ذلك يجعل من استبعاد فرنسا من بعض مسارات التفاوض، إن حصل فعلاً، خطوة لا تصب في مصلحة إسرائيل، إذ قد يؤدي إلى تسليم كامل الأوراق لهيمنة أميركية شبه مطلقة، مع تراجع دور الاتحاد الأوروبي كطرف موثوق على مختلف الصُعد، وهو ما لن يكون في مصلحة إسرائيل".

 

دور فرنسي متأرجح

ختاماً وفي ضوء التقارير الإعلامية التي تتحدث عن مساعٍ إسرائيلية لإقصاء باريس من بعض مسارات التفاوض المرتقبة بين تل أبيب وبيروت، وفي ظل التصعيد السياسي المتبادل، يتضح أن الدور الفرنسي في هذا الملف يمرّ بمرحلة إعادة تموضع دقيقة. فبين خطاب دبلوماسي فرنسي أكثر حدة تجاه العمليات الإسرائيلية، ومحاولات الحفاظ على موقع الوسيط، تبدو باريس عالقة بين رغبتها في التأثير ومحدودية قدرتها على فرض الشروط، في مقابل هيمنة أميركية واضحة على مسار التفاوض وتفضيل إسرائيلي لقنوات مباشرة ومحددة.

وبين هذه التوازنات المتشابكة، يبقى مستقبل الدور الفرنسي مرتبطاً بقدرتها على الحفاظ على موقع الوسيط المقبول، في وقت تتجه فيه أطراف الصراع إلى تقليص المساحات المتاحة أمامها، مما يجعل حضورها في مفاوضات لبنان وإسرائيل مؤثراً لكنه غير حاسم، ومحفوفاً بتحديات متزايدة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير