ملخص
على الأرض نعتمد استخدام بوق السيارة، أو ما يعرف بـ"البوري"، بصورة يومية لتنبيه الآخرين وتجنب الاصطدامات، لكن ماذا عن تلك الأجسام العملاقة التي تحلق في السماء؟ كيف يتم تنظيم مسارها في فضاء شاسع؟ وهل تمتلك الطائرات أبواقاً كحال السيارات؟ والأهم من ذلك، كيف يبدأ تشغيلها، هل بمفتاح تقليدي أم بآلية أخرى؟
كثيراً ما أراد البشر الطيران منذ القدم، فمنذ 300 عام اخترع الصينيون طائرات ورقية، وطوروا تقنيات لجعلها تطير في الهواء، وسجلوا محاولات البشر للطيران بها. ثم في وقت لاحق، نحو عام 400 قبل الميلاد، قام عالم من اليونان القديمة يدعى أركيتس التارانتوي ببناء قطعة أثرية خشبية أطلق عليها اسم "بيريستيرا"، بمعنى "حمامة اليونان". وحاول عديد من العلماء من بعدهم اختراع طرق للطيران، إلى أن وصلنا إلى الطائرة المتعارف عليها الآن.
عالم السماء... بلا مفاتيح تقليدية
في مقارنة مع عالم السيارات التي تعتمد على مفتاح لقفل الأبواب أو تشغيل المحرك، يبرز تساؤل حول آلية عمل الطائرات. هنا تختلف الإجابة بحسب نوع الطائرة، فالطائرات الخاصة قد تحوي مفتاحاً للباب فحسب، وليس للتشغيل، أما الطائرات التجارية - التي تنقل غالبية المسافرين حول العالم - فهي لا تحوي ولا تحتاج إلى مفتاح، حتى أبوابها تخلو منه.
وفي هذا السياق يوضح فني الطائرات "سلمان" أن الطائرات تعتمد على مصادر طاقة متعددة، تشمل وحدة الطاقة المساعدة (APU)، والطاقة الخارجية (External Power)، والبطارية. ويشير إلى أن استخدام المفتاح قد يشكل خطراً، لذا لا يتم الاعتماد عليه، بل يتم تشغيل محرك الطائرة عبر مقبض مرتبط بوحدة الطاقة المساعدة.
وفي تفصيل لآلية التشغيل المعقدة يبين "سلمان" أن العملية تخضع لتسلسل دقيق يبدأ بتوفير مصدر للطاقة والهواء، يليه تدوير المحرك للوصول إلى سرعة آمنة، قبل مرحلة الإشعال وضخ الوقود.
واللافت في هذه التقنية أن ضغط زر التشغيل في قمرة القيادة يعد "طلباً" وليس "أمراً" نافذاً، إذ تخضع العملية لرقابة صارمة من أكثر من 20 نظام أمان، مثل نظام (FADEC)، الذي يملك صلاحية الموافقة على دوران المحرك أو منعه في حال رصد أي خلل، كالحرارة الزائدة.
ويضيف الفني أن السلطة لا تنحصر بيد الطيار فحسب، فالفني الأرضي يملك الحق الكامل في الإيقاف الفوري لعملية التشغيل لأسباب تتعلق بالسلامة، مثل رصد حريق خارجي أو وجود جسم غريب يهدد الطائرة.
وعلى رغم التطور التقني قد يتساءل البعض: هل يوجد في الطائرة "بوري"؟ الإجابة هي نعم، ويعرف تقنياً بـ(Ground Call)، ويستخدم بصورة أساسية قبل أو أثناء بدء تشغيل المحركات وهي رابضة على الأرض.
ووفقاً لما أوضحه "سلمان"، فإن هذا التنبيه يؤدي دورين، الأول تحذير موجه للطيار لحماية الطائرة أثناء التشغيل، والثاني تحذير أرضي لحماية الفنيين والعاملين في الساحة. ويختلف صدى هذا التنبيه باختلاف الشركة المصنعة، ففي طائرات "بوينغ" يصدر صوتاً إلكترونياً حاداً، بينما تمتاز طائرات "إيرباص" بصوت أعمق ورنان، والهدف واحد، وهو اختراق ضجيج المطار لضمان وصول التنبيهات الحيوية للطاقم.
ويؤكد التقرير أن "البوري" لا يستخدم في السماء أو بين الطائرات، بل يتمركز في الجزء السفلي عند عجلات الطائرة، ليكون مسموعاً بوضوح في حالات الطوارئ للأشخاص الموجودين أسفل الطائرة والمحركات تعمل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"عين إلكترونية" تحرس السماء
في الأجواء العالية، لا مكان لـ"البوري" لتجنب التصادم، بل تتولى التكنولوجيا هذه المهمة عبر نظام تفادي التصادم الجوي(TCAS) . يعمل هذا النظام بمثابة "حارس ملاحي" يستجوب الطائرات المجاورة لتحديد مواقعها وحساب مساراتها المحتملة.
وفي حال استشعار خطر، يصدر النظام في الطائرات التجارية (TCAS II) توجيهات صوتية فورية وملزمة للطيارين، تعرف بـ(Resolution Advisories)، مثل "اصعد" أو "انزل". وقد أثبتت حوادث واقعية، مثل حادثة "أوبرلينغن"، أن لتعليمات هذا النظام الأولوية القصوى، وتفضل حتى على تعليمات المراقب الجوي، لضمان سلامة الأرواح في الأجواء المزدحمة.
وبينما يعد الرجوع للخلف، أو "الريوس"، جزءاً أساساً من قيادة السيارات، فإن الطائرات لا تحوي ترساً عكسياً(Reverse Gear) . عندما تحتاج الطائرة للعودة، فإنها ببساطة تستدير لتواجه الاتجاه المطلوب، مستفيدة من رحابة السماء.
أما على الأرض، وعند الحاجة إلى الرجوع من البوابة، يتم دفع الطائرة. وعلى رغم أن الطيار قد يستخدم "عواكس الدفع" للمساعدة في الإبطاء، فإن عجلات الطائرة لا تمتلك قوة دفع مستقلة كالسيارة، بل تستمد حركتها من المحرك أو المراوح.
الصندوق الأسود... الشاهد البرتقالي
أخيراً، يظل الصندوق الأسود إحدى أهم ركائز السلامة الجوية. وفي حقيقة الأمر، هو ليس صندوقاً واحداً، ولا لونه أسود كما يشير اسمه، بل يتكون من جهازين باللون البرتقالي الزاهي: مسجل بيانات الرحلة (FDR)، ومسجل صوت قمرة القيادة (CVR)، ومهمتهما توثيق أدق تفاصيل الرحلة، ليكون المرجع الأول للمحققين عند وقوع الحوادث.
وتعود تسميته بـ"الأسود" إلى ثلاثينيات القرن الـ20، حين ابتكر المهندس الفرنسي "فرنسوا هوسينو" مسجلاً للبيانات يعتمد على فيلم حساس للضوء، مما استدعى وضعه داخل علبة سوداء مانعة لتسرب الضوء. وبقي الاسم متداولاً تاريخياً، بينما اعتمد اللون البرتقالي حديثاً لتسهيل العثور عليه بين الحطام.