ملخص
أهمية تحقيق "نيويورك تايمز" فتعود إلى أن من قام به هو الصحافي الحائز على جائزة "بوليتزر جون كاريرو"، وهو الصحافي الذي كشف زيف شركة تحاليل الدم الناشئة "ثيرانوس" ودان صاحبتها إليزابيث هولمز.
في تحقيق مطول يزيد على 12 ألف كلمة، نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، يؤكد كاتبه أنه توصل إلى الشخصية الحقيقية التي ابتكرت أولى وكبرى العملات المشفرة "بيتكوين".
ومع أن هذه ليست المرة الأولى التي يُنشر أو يُبث فيها تحقيق عن هذا الاكتشاف، إلا أن تحقيق الصحيفة يكتسب أهمية من كاتبه ومن الأدلة الظرفية التي يعرضها.
بعد الأزمة المالية العالمية 2008–2009، أصبحت أول عملة مشفرة متاحة لجمهور الإنترنت العادي، بعدما كان استخدام العملات المشفرة مقصوراً على تعاملات المجرمين عبر الإنترنت الأسود (DarkWeb) ونشر شخص تحت اسم ساتوشي ناكاموتو "الورقة البيضاء" التي تمثل الإطار الرقمي لعملة "بيتكوين" المشفرة ولشبكة "بلوكتشين" الرقمية المؤمنة التي يتم تداول المشفرات عليها.
ولم يُعرف ما إذا كان اسم ساتوشي ناكاموتو يشير إلى شخص أو مجموعة من المبرمجين يقفون وراء إطلاق العملة للجمهور.
منذ ذلك الحين، لم تتوقف محاولات اكتشاف هوية مطلق "بيتكوين"، كما أن هناك من ادعى أنه هو ساتوشي ليثبت كذبه، ووصلت الأمور إلى المحاكم في أميركا وبريطانيا وغيرها، في قضايا كلها تتعلق بهوية مخترع "بيتكوين" و"بلوكتشين"، وانتهت أغلب تلك القضايا إلى الشطب أو إدانة مدّعين من دون الكشف عن هوية ساتوشي.
أهمية ساتوشي وتحقيق الصحيفة
تعود أهمية معرفة الهوية الحقيقية لمخترع "بيتكوين" إلى عاملين أساسين، إضافة، طبعاً، إلى المكاسب غير المباشرة لمن يستطيع أن يثبت أنه ناكاموتو الحقيقي.
وهناك 145 حساباً على سلسلة "بلوكتشين" يُعتقد أن المهتمين بعالم المشفرات يرون أنها تضم كنزاً من العملات المشفرة التي نقّب عنها مخترع "بيتكوين" في البداية وتركها في الفضاء العام لمن يصل إليها.
السبب الثاني، أن من يملك مفاتيح الشفرات الأساسية لسلسلة "بلوكتشين" يمكنه جمع استثمارات هائلة، بعدما أصبحت العملات المشفرة سوقاً تجاوزت تريليونات الدولارات، إذ لم تعد شبكة "بلوكتشين" المؤمنة قاصرة على تداول العملات المشفرة، بل توسّع استخدامها في مجالات مالية وغير مالية نظراً إلى تأمينها الشديد.
ويُعتقد أن ثروة ساتوشي في حدود 1.1 مليون عملة "بيتكوين"، تساوي قيمتها حالياً نحو 80 مليار دولار، مما يجعله ضمن قائمة مليارديرات العالم التي تصدرها وكالة "بلومبيرغ"، ويأتي ضمن أغنى 25 شخصاً من أثرياء العالم.
أما أهمية تحقيق "نيويورك تايمز" فتعود إلى أن من قام به هو الصحافي الحائز على جائزة "بوليتزر جون كاريرو"، وهو الصحافي الذي كشف زيف شركة تحاليل الدم الناشئة "ثيرانوس" ودان صاحبتها إليزابيث هولمز.
وبدأ كاريرو بحثه وتحقيقه عقب بث شبكة "أتش بي أو" الأميركية وثائقياً حول هوية ساتوشي ناكاموتو مخترع "بيتكوين".
وركز كاريرو بحثه عن شخص ظهر في الوثائقي التلفزيوني، لكن في خلفية البحث، هو المبرمج والمتخصص الرقمي البريطاني آدم باك، وكان الوثائقي قد أشار إلى باك باعتباره مرجعاً لمن أُشير إليه على أنه الشخص المحتمل أنه مخترع "بيتكوين"، وهو مبرمج كندي شاب يُدعى بيتر تود.
كومة من الأدلة
يُعد آدم باك، وهو بريطاني يعيش في مالطا، شخصية بارزة في عالم عملة "بيتكوين" المشفرة، وهو مؤسس وصاحب شركة "بلوك ستريم" التكنولوجية، وُلد في لندن قبل 55 عاماً، ودرس علوم الكمبيوتر في جامعة "أكسيتر" وكان أبوه رجل أعمال وأمه سكرتيرة قانونية.
انتقل آدم باك إلى مالطا عام 2009، وهو العام الذي طُرحت فيه عملة "بيتكوين" على شبكة الإنترنت للجمهور العام.
وليست هذه أول مرة يُشار فيها إليه على أنه هو "ساتوشي ناكاموتو"، إذ أشارت تقارير وتحقيقات إعلامية سابقة إلى أنه هو مخترع "بيتكوين"، ومن بين من قالوا ذلك رائد برامج مكافحة الفيروسات الرقمية، جون ماكافي، الذي يحمل برنامجاً مضاداً للفيروسات اسمه، والذي تُوفي في زنزانته بالسجن في إسبانيا عام 2021.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الاعتقاد السائد بأن هوية ساتوشي الحقيقية هي لشخص بريطاني، راجع إلى استخدامه الإنجليزية البريطانية في مراسلاته ودردشاته السابقة على الإنترنت، هذا إضافة إلى إشارته، وقت طرح "بيتكوين" وشبكة "بلوكتشين"، إلى تقرير في صحيفة "التايمز" البريطانية عن خطط إنقاذ البنوك خلال الأزمة المالية العالمية.
في تحقيقه المطول، يقول كاريرو إنه عندما شاهد وثائقي "أتش بي أو" عام 2024، لفت انتباهه آدم باك، فبدأ البحث في كومة من المراسلات ومدونات على مواقع الدردشة المرتبطة بالمشفرات، وحتى قبلها في منتديات المبرمجين على الإنترنت، وقارن الصحافي بين آلاف الكتابات على الإنترنت على مدى العقد الأخير من القرن الـ20، أي حتى قبل طرح "بيتكوين" بنحو عقد من الزمن.
واستخلص الصحافي الاستقصائي الأميركي من تلك المنشورات القديمة أدلة ظرفية عدة، منها استخدام حسابات ساتوشي للغة وتهجئة الكلمات بالبريطانية والأميركية، واستخدام تعبيرات مميزة للهجة البريطانية، إلى جانب تعبيرات مميزة للهجة الأميركية أيضاً، ثم ضغط كاريرو على باك في شأن التشابه القوي في لغته، إذ يقول إن ذلك أقنعه بأنه هو "ساتوشي ناكاموتو".
ادعاءات ونفي
يذكر أن من بين الأدلة القوية التي تشير إلى آدم باك على أنه مخترع "بيتكوين" أنه سبق واخترع عملة رقمية كان اسمها "هاش كاش"، وذلك قبل أعوام من ظهور "بيتكوين"، ويُعتقد على نطاق واسع أن تلك العملة الرقمية المبكرة كانت مقدمة لاختراع العملة المشفرة "بيتكوين".
بالطبع، نفى آدم باك أنه هو ساتوشي ناكاموتو كما استنتج تحقيق "نيويورك تايمز"، وكتب على منصة "إكس" نافياً "أنا لست ساتوشي"، مشيراً إلى أن التحقيق اعتمد على مزيج من الصدف والنتائج المنحازة، بمعنى بحثه عن دليل يوصله إلى خلاصة محددة سلفاً، وأضاف في منشوره على موقع التواصل "أيضاً لا أعرف من هو ساتوشي، وأعتقد أنه من الأفضل لــ(بيتكوين) أن يظل الأمر هكذا"، أي إن بقاء مخترع العملة المشفرة مجهولاً أفضل لها ولعالم المشفرات برأيه.
بالطبع، لن يوقف نفي آدم باك أنه هو مخترع "بيتكوين" استمرار التحقيقات والاستقصاء والادعاءات في شأن ساتوشي ناكاموتو، فمنذ طُرحت العملة المشفرة لم تتوقف الادعاءات والنفي، بل إن بعضها انتهى بحوادث أو قضايا أمام المحاكم.
فقبل 12 عاماً، في 2014، أشار تحقيق لمجلة "نيوزويك" إلى أن شخصاً من كاليفورنيا يعمل في القطاع المالي هو مخترع "بيتكوين" المجهول، وكان اسمه الحقيقي دوريان ساتوشي ناكاموتو، وأدى نشر التحقيق في المجلة إلى مطاردة سيارات خطرة واختباء دوريان في مكتبه.
أما وثائقي "أتش بي أو" الأميركية بعنوان "كهرباء المال: سر بيتكوين"، من إخراج كولين هوباك المعروف بمهارته الاستقصائية، فأشار من دون أن يجزم إلى شخص محدد، هو بيتر تود، على أنه أحد مطوري "بيتكوين" الرئيسين.
وكان تود في عام 2009، وقت طرح "بيتكوين"، طالباً في الجامعة، ومن التلاميذ المهرة لعبقري الإنترنت البريطاني آدم باك، الذي كان من أوائل المتفاعلين مع ساتوشي ناكاموتو على موقع للدردشة اشتهر في بداية إطلاق العملة المشفرة.
ونفى بيتر تود، في بيان لشبكة "سي أن أن"، إشارة المخرج إلى أنه هو شخصية ساتوشي الحقيقية، وأضاف، "للعلم، أنا لست ساتوشي"، مؤكداً أن ادعاء الوثائقي "غير مسؤول"، ويعرض حياته للخطر، وأنه اضطر إلى ترك مكانه والسفر بعيداً تفادياً لأي تبعات من بث الفيلم.
ثم هناك قضية كريغ رايت، الذي ادّعى أنه صاحب الاسم المستعار لمخترع "بيتكوين"، محاولاً الاستيلاء على ثروة متعاون سابق معه، ولم تحسم المحكمة في كاليفورنيا الأمر للشكوك في أن رايت هو ناكاموتو، إذ لم يستطع تقديم أي إثبات يدعم ادعاءه، وهناك قضايا أخرى في بريطانيا رفضتها المحاكم.