Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مستشفيات في لبنان على حافة الانهيار وشبح غزة يلوح بالأفق

محاولات لتحييد المرافق الصحية من دائرة الاستهداف الإسرائيلي ومخاوف من نفاد المستلزمات الطبية

أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيراً من قرب نفاد المستلزمات المنقذة للحياة في بعض المستشفيات خلال أيام قليلة بسبب كثرة الضحايا (ا ف ب)

ملخص

في ظل تعميق الهجمات الإسرائيلية على لبنان، ازداد الضغط على المستشفيات والقطاع الصحي في مختلف المناطق اللبناني، في منطقة جنوب الليطاني أغلقت المستشفيات في بنت جبيل، فيما تستمر مستشفيات مدينة صور بالعمل، ولكن مع "اعتماد سياسة التقنين". أما في العاصمة بيروت، فقد تمكنت مستشفيات العاصمة الخاصة من امتصاص الصدمة، فيما تستمر الوساطات لتحييد ما تبقى من مستشفيات الضاحية الجنوبية من دائرة الاستهدافات الإسرائيلية.

أعاد مشهد أقسام الطوارئ المكتظة في مستشفيات العاصمة اللبنانية إلى الذاكرة، تلك اللحظات العصيبة التي عاشتها بيروت مع كل حدث دموي كبير في السنوات الماضية، منها انفجار مرفأ بيروت عام 2020 وتفجيرات أجهزة النداء "البيجر" عام 2024، عندما عاشت المؤسسات الصحية والفرق الطبية "صدمة الدماء" وقدوم المئات من الإصابات إلى الطوارئ دفعة واحدة.

نهار الأربعاء في الثامن من أبريل (نيسان) الجاري، سارت الأحداث عكس ما تشتهي آمال اللبنانيين الباحثين عن لحظات الأمان، عندما شهدت مناطق مختلفة من البلاد هجمات دامية، قتل وجرح خلالها نحو 2000 شخص.

ومع استمرار الغارات والضغط الكبير على القطاع الصحي، لا سيما في العاصمة بيروت، دق رئيس الصليب الأحمر اللبناني الدكتور أنطوان زغبي ناقوس الخطر، وقال "لبنان في حاجة إلى مساعدات طبية عاجلة"، وفي السياق نفسه أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيراً من قرب نفاد المستلزمات المنقذة للحياة في بعض المستشفيات خلال أيام قليلة بسبب كثرة الضحايا. ودعت المنظمة إسرائيل إلى التراجع عن تحذيرها بضرب مناطق فيها مستشفيات، منها منطقة الجناح التي تشتمل على مستشفيين كبيرين يضمان كثيراً من المرضى ومن غير ممكن إخلاؤهما.

في المقابل، طمأنت المنظمة الأممية أنها تلقت تعهدات بعدم استهداف مستشفى رفيق الحريري الجامعي ومستشفى الزهراء، وهما مرفقان صحيان يضمان قرابة 450 مريضاً حتى الساعة، وغير ممكن إجلاؤهم. كذلك، أعلنت المنظمة عن مقتل نحو 50 عاملاً في المجال الصحي اللبناني، وإصابة أكثر من 150 آخرين خلال الحرب الراهنة، وهو ما يشكل ضغطاً شديداً على القطاع الصحي اللبناني.

"النداء الأخير"

بلغ القطاع الصحي في لبنان مرحلة الخطر المحقق، مما دفع رئيس الصليب الأحمر اللبناني الدكتور أنطوان الزغبي لتوجيه نداء عاجل إلى المجتمع الدولي لتأمين مساعدات طارئة للمستشفيات في لبنان، والتي فقدت كثيراً من مخزوناتها في علاج العدد الهائل من الإصابات التي سقطت بالهجوم الإسرائيلي الشامل والغارات المكثفة التي أدت إلى تدمير العشرات من الأبنية السكنية وسقوط المئات من الضحايا والجرحى.

وينطلق الدكتور الزغبي من تجربته بالعمل داخل أحد أقسام الطوارئ في كبرى مستشفيات العاصمة بيروت، حيث وصلت العشرات من الإصابات الخطرة ودفعة واحدة، وهو ما شكل ضغطاً شديداً على إمكانات المستشفيات اللبنانية، وهي تفوق القدرة الاستيعابية للمؤسسات، حيث برزت الحاجة إلى إعادة توجيه المرضى إلى مستشفيات في جبل لبنان ونحو شمال بيروت، محذراً من الاستنزاف الشديد للمخزونات الطبية والمستلزمات بفعل قدوم مئات الجرحى إلى أقسام الطوارئ وغرف العمليات. ويقول "المستشفيات في حاجة اليوم إلى مد يد المساعدة إليها، وتزويدها بالمواد الضرورية لتخزينها تحسباً لأي طارئ"، ويكشف عن مشاركة 250 سيارة إسعاف مع فرقها في أعمال الإغاثة، التي انتشرت بين بيروت والبقاع وجنوب لبنان وصيدا، وقد استعانت الفرق في بيروت وحدها بأكثر من 100 سيارة، حيث قامت الفرق بالإخلاء من المناطق المستهدفة بالغارات إلى المستشفيات، وتولت الفرق نقل المرضى من مستشفيات إلى مستشفيات أخرى بناء لطلب خلية الأزمة في وزارة الصحة العامة وبالتنسيق معها.

ووسط الحرب القائمة يؤكد الزغبي أن "بعض المستشفيات أصبحت غير قادرة على استقبال المزيد من الإصابات، بالتالي بات الاعتماد على نقل عدد كبير من الإصابات إلى مستشفيات أخرى غير مكتظة بغية الحصول على الرعاية اللازمة والضرورية". أما على مستوى النقص في وحدات الدم، فيوكد أن "الصليب الأحمر اللبناني يتولى مهمة توزيع وحدات الدم من البنك الخاص لديه، واستجاب لطلبات المستشفيات، وقد استنزف المخزون بفعل العدد الكبير من الإصابة البالغة والقاتلة، حيث كان ثلث المصابين لديهم إصابات شديدة وكانوا في حاجة إلى إجراء جراحات والدخول إلى المستشفى وأقسام العناية، بالتالي برزت الحاجة إلى توجيه النداء للتبرع بالدماء لتأمين الحاجات الطارئة للمستشفيات".

يكشف عن طبيعة الإصابات التي تصل إلى المستشفيات "تنوعت بين جروح قوية، وإصابات بفعل العصف الشديد للانفجارات، وجروح عميقة بالأعضاء والأحشاء، وإصابات بالأطراف والبتر". وينوه الزغبي إلى استمرار وجود أشخاص تحت الركام، ومفقودين، وإصابات تحظى بالرعاية داخل المستشفيات، مشيراً إلى أن "مستشفيات لبنان مهيأة ومؤهلة لاستقبال المرضى ومختلف الإصابات، ولكن تحت وطأة الحروب تستنزف المؤسسات الطبية، ولا بد من تزويدها بحاجاتها، والاستفادة من فرصة كون لبنان قادر على الاستيراد، وغير محاصر، ولكن هناك حاجة إلى خطط طوارئ في حال استمرت حرب الاستنزاف، والتي قد تضع البلاد أمام استحقاق توسيع نطاق المرافق الصحية أو إنشاء مستشفيات ميدانية، بالتالي لا بد من تواصل مستمر مع مصانع الأدوية لتأمين المواد الأساسية، والحفاظ على حرية الحركة في المطار والمرفأ".

انتهاء حال الطوارئ

شكلت الأعداء الهائلة من الضحايا ضغطاً شديداً عن المستشفيات في العاصمة بيروت. وأكدت ثلاثة مستشفيات كبرى في العاصمة تواصلنا معها أنها تجاوزت مرحلة الضغوط القصوى، وعادت إلى طبيعتها بعد ليلة عصيبة.

من جهته، يؤكد نقيب المستشفيات الدكتور بيار يارد أن مستشفيات الجنوب والبقاع هي الأكثر تأثراً بالحرب الجارية، وتتعرض لضغوط متعددة، البعض منها يتصل بالوضع الأمني في المنطقة، أو لناحية عدد الجرحى الكبير واضطرارها إلى استقبال كثير من الإصابات، معتبراً أن نداء منظمة الصحة العالمية إنما يأتي لمساعدة القطاع وتحديداً المناطق الأكثر هشاشة، إضافة إلى أنها تنظر بعين مستقبلية، لأنه "في حال استمرت الأوضاع على ما هي عليه الآن، فإن توسع الحرب والدمار سيؤدي إلى ضغط كبير على القطاع، وبما أن غالبية شركات الطيران أوقفت رحلاتها إلى بيروت، فإنه لم يعد هناك سوى شركة طيران الشرق الأوسط الوطنية، حيث قد لا تكون قادرة على تأمين كافة الحاجات الطبية المستجدة، ناهيك بتراجع الاستيراد عبر البحر بسبب الأخطار، وتشديد شروط الموردين، وارتفاع كلفة الاستيراد، بالتالي فإن المخاوف المستقبلية مشروعة، ولا بد من خطط مستقبلية".

لا تزال تجربة مستشفيات قطاع غزة في الحرب الأخيرة ماثلة في أذهان اللبنانيين، حيث استهدفت بغارات إسرائيلية عنيفة ونفدت منها غالبية المستلزمات الطبية وحتى مادة المازوت لتأمين الكهرباء، وفي السياق يعتقد يارد أن على المستشفيات أن تؤمن كميات كافية من الأدوية والأمصال، والمستلزمات الطبية المختلفة، إضافة إلى مخزون كافٍ من المازوت والفيول الذي أصبح عبئاً كبيراً على المستشفيات بسبب تضاعف الأسعار مع تجاوز سعر طن المازوت عتبة 1300 دولار أميركي". وينوه يارد بأن "سقوط المئات من الجرحى دفعة واحدة، إنما يشكل ضغطاً مفاجئاً، ولكن تمكنت مستشفيات العاصمة من استيعاب مختلف الإصابات لأنها مهيأة لمعالجة مختلف الجروح". ويتطرق إلى تفعيل "بروتوكول الطوارئ"، حيث قامت المستشفيات باستدعاء كافة الكادر الطبي من الأطباء بمختلف الاختصاصات والممرضين العاملين والإداريين والتقنيين لديها، وهي خطة تلجأ إليها المستشفيات في حال الكوارث والحروب وسقوط عدد كبير من الإصابات، منوهاً بأداء القطاع الطبي، ويختم "عسى أن يتذكر الناس دائماً التضحيات التي قدمتها المستشفيات والأطباء لتجاوز آلامهم ووقوفها إلى جانبهم باستمرار".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مستشفيات منهكة وأخرى مغلقة

أوصدت الحرب أبواب عديد من المستشفيات في الضاحية الجنوبية لبيروت، ومنطقة جنوب الليطاني في الجنوب. وجاء توسيع نطاق التحذير الإسرائيلي في بيروت، ليدخل مستشفى رفيق الحريري الحكومي الجامعي ومستشفى الرسول الأعظم إلى دائرة الخطر والمناطق المهددة بالاستهداف الإسرائيلي.

وكانت وزارة الصحة أكدت خروج ستة مستشفيات في لبنان كلياً عن الخدمة، من بينها مستشفيات بهمن والساحل والبرج في الضاحية الجنوبية لبيروت ومستشفيات في الجنوب، نتيجة الغارات الإسرائيلية المستمرة منذ أوائل مارس (آذار) الماضي.

وبدورها كشفت منظمة الصحة العالمية عن إقفال 51 مركزاً للرعاية الصحية الأولية بسبب الحرب، مما يفاقم العبء على المرافق المتبقية.

في مدينة صور جنوب لبنان، تكافح الفرق الطبية للإبقاء على أبواب المستشفيات مفتوحة وتقديم الخدمات للإصابات الفادحة الآخذة بالارتفاع، وآخرها سقوط 13 عنصراً من عناصر جهاز أمن الدولة في غارة إسرائيلية على مبنى ملاصق لسراي مدينة النبطية جنوباً.

مستشفيات الجنوب صامدة

يؤكد جراح الحروب الدكتور إبراهيم فرج استمرار العمل في مستشفيات صور الأربعة، أي المستشفى اللبناني – الإيطالي، وهو الأقرب إلى الحدود، إضافة إلى مستشفى جبل عامل، ومستشفى حيرام، إلى جانب المستشفى الحكومي، على رغم الأضرار التي لحقت بها، حيث أدى القصف المباشر لمحيط تلك المؤسسات إلى تحطيم زجاج المستشفيات، وأضرار فادحة بآليات الإسعاف وسيارات الأطباء والأطقم الصحية، إنما بقيت هذه المرافق الصحية تعمل بطاقات بشرية كبيرة. ويكشف فرج عن أنه "عندما كانت الطرقات مفتوحة والانتقال متيسر، كانت المؤسسات تتولى مهمة ردم أي فجوة في المخزون، ولكن مع استهداف الجسور بدأت المستشفيات الجنوبية تستشعر خطراً على عملية الإمداد، وقد بدأ البعض منها بتطبيق خطة تقشف، تبدأ بالطعام الذي يتناوله الطاقم الطبي وصولاً إلى كافة المستلزمات التي لا تعد أساسية بالنسبة إلى المريض".

يجزم الدكتور فرج "لم يعد لدى أطباء الجنوب خياراً سوء البقاء"، بالتالي الاستمرار في المهمة الموكلة إليهم، مشيراً إلى تأمين المازوت من خلال وزارة الصحة، والأمر نفسه ينطبق على الإصلاحات الطارئة والعاجلة لخدمة الكهرباء، وتقوم المستشفيات في الأوقات "غير الضاغطة" بإراحة المولدات الكبيرة والاستعاضة عنها بأخرى صغيرة من أجل تخفيف نزف المازوت بما يتناسب مع الظروف الاستثنائية.

من جهة أخرى برزت أزمة "المفقودين" والجثث المجهولة الهوية إثر هجمات "الأربعاء الأسود"، والذين بلغ عددهم في مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت 95 جثة، حيث طالبت وزارة الصحة أهالي المفقودين في بيروت وجبل لبنان بالتوجه إلى مكتب المراجعات التابع لها، لتقديم المراجعات بغية القيام بالمتابعة اللازمة وجلاء مصير المفقودين.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير