ملخص
لا يرفع صناع القرار في واشنطن وموسكو وبكين صورة هالفورد ماكندر على جدار مكاتبهم، وقد لا يذكرون اسمه كلما تحركت الجيوش أو اهتزت الأسواق أو اشتعلت الحدود، لكن كثيراً من قراراتهم الكبرى يبدو كأنه يتحرك فوق الخريطة نفسها التي رسمها هذا العالم البريطاني المتخصص في الجغرافيا السياسية أو في تأثير الجغرافيا الحدود الطبيعية في القرارات السياسية، وكان وضع خريطته قبل أكثر من قرن.
خريطة هالفورد ماكندر تتركز حول ما يسميه "جزيرة العالم"، وهي أن المنطقة المسماة أوراسيا ليست مجرد كتلة يابسة هائلة بل مركز ثقل العالم، وأن من يسيطر على معابرها ومفاصلها وعتباتها تمنحه أفضلية في ميزان القوة، وهذه الفكرة لم تختف من التفكير الاستراتيجي العسكري الحديث، ولو أن لغة التعبير عنها تبدلت قليلاً.
من الواضح وفقاً لعلماء السياسة أن نظرية "جزيرة العالم" تركت أثراً فكرياً لا يزال ظله يرافق صراعات الحاضر، من أوروبا الشرقية إلى الخليج ومن أوكرانيا إلى إيران، ومن الممرات البرية إلى المضائق البحرية.
أعادت الحرب على أوكرانيا إلى الواجهة أوروبا الشرقية بوصفها معبراً بين أوروبا والداخل الأوراسي، فيما أعادت الحرب على إيران التذكير بأن مضائق الطاقة وفي مقدمها هرمز، ليست أقل أهمية من السهول والحدود البرية.
بحسب هذه القراءة لما يجري من صراعات اليوم يعود ماكندر إلى الواجهة، لا بوصفه صاحب نبوءة بل بوصفه واحداً من الذين اعتبروا ببصيرته الحادة أن الجغرافيا ليست خلفية صامتة للتاريخ بل إحدى مصادر توكيده العميقة، وهذا ما جعل فكرة "جزيرة العالم" عند هالفورد ماكندر عدسة لا تزال تساعد في فهم كثير من الصراعات.
حين صاغ ماكندر تعبير "جزيرة العالم" كان يقصد أكبر كتلة برية متصلة على الأرض، تمتد من أوروبا إلى آسيا وتنفتح جنوباً على أفريقيا، وفي نظره لم تكن هذه الكتلة مجرد مساحة جغرافية شاسعة، بل مركز الثقل الحقيقي للعالم، لأنها تضم أكثر السكان والموارد وطرق العبور والثقل الحضاري، ومن هنا جاءت قوة الفكرة وسحرها معاً.
فالعالم في هذا التصور ليس أطرافاً متناثرة متساوية القيمة بل كتلة كبرى واحدة، من يمسك بمفاصلها الأساس يقترب من التأثير في التاريخ.
ما يجعل هذه الفكرة حية حتى اليوم أنها تذكر بأن ليست كل نقطة على اليابسة تحمل الأهمية الاستراتيجية نفسها التي لكتلة جغرافية أخرى، وليست كلها متكافئة في أهميتها الاستراتيجية، وهناك مناطق تقع في قلب الحركة العالمية للسكان والموارد والطاقة والتجارة، وأخرى تعيش على الهوامش.
ومن هذه الزاوية لا تبدو أوروبا وآسيا وأفريقيا مجرد ثلاث قارات متجاورة، بل وحدة جيوسياسية هائلة إذا نظرنا إليها من زاوية القوة المادية.
اختزال مكثف للكوكب
قوة نظرية ماكندر في بساطتها القاسية، فهي تقسم العالم من الناحية الاستراتيجية إلى مركز وأطراف، المركز هو "قلب الأرض" أي الداخل الأوراسي الواسع المحمي نسبياً من القوى البحرية، وحول هذا القلب تقوم "جزيرة العالم" أي الكتلة البرية الكبرى التي تضم أوروبا وآسيا وأفريقيا، ومن هنا جاءت صيغته الأشهر "من يحكم أوروبا الشرقية يسيطر على قلب الأرض، ومن يحكم قلب الأرض يسيطر على جزيرة العالم، ومن يحكم جزيرة العالم يسيطر على العالم".
لهذا يبدو تعبير "جزيرة العالم" كأنه اختزال مكثف للكوكب، فهو يجعل القارئ يرى اليابسة لا كمعطى طبيعي فحسب بل كبنية سلطوية وسياسية، يمكنها أن تحدد مدى وحجم التطلعات السياسية لإمبراطورية أو دولة ما، فـ"جزيرة العالم" على سبيل المثال هي المجال الذي تتداخل فيه الأسواق الكبرى ومصادر الطاقة والممرات البرية والمضائق البحرية، وكذلك النزاعات التاريخية والطموحات الإمبراطورية القديمة والجديدة، ولذلك ليس غريباً أن تعود الأنظار إليها كلما اشتعلت حرب في أوكرانيا أو اهتز مضيق هرمز، أو تحولت آسيا الوسطى والشرق الأوسط إلى عقدة صراع.
هالفورد ماكندر... والتاريخ في الخريطة
خرج ماكندر بأفكاره من قلب الإمبراطورية البريطانية خلال زمن كانت فيه بريطانيا تسيطر على البحار بما يكفي لضبط العالم.
في مطلع القرن الـ20 حصل التحول الذي أربك هذا النوع من الاستراتيجيات، فأعادت السكك الحديد ترتيب الفضاء القاري، والمسافات الداخلية في أوراسيا لم تعد عصية كما كانت، والقوى البرية الكبرى صارت أقدر على الحركة والتنظيم وربط أطرافها.
حينها رأى ماكندر أن البحر لم يعد يملك الامتياز نفسه، وأن اليابسة الداخلية التي بدت أقل أهمية في عصر الأساطيل تتحول إلى مصدر تفوق استراتيجي من نوع جديد، وكانت نظريته حينها بمثابة اعتراض على يقين جيوسياسي سائد.
وبرأيه أنه إذا صار الداخل الأوراسي أو ما سماه بقلب جزيرة العالم قابلاً للربط والتنظيم والحماية من الاختراق البحري، فإن السيطرة على هذا القلب القاري قد تصبح أكثر أهمية من السيطرة على البحر وحده، لهذا فإن فكرته لم تكن مجرد وصف جغرافي، بل هي مدخل إلى فهم التوازنات الكبرى، من صعود القوى القارية إلى الحرب الباردة ثم إلى عودة الصراع على أوراسيا خلال العقود الأخيرة.
هل يعرف صناع القرار ماكندر؟
ليس على طريقة "هيا بنا نطبق نظرية ماكندر"، لكن ليس ماكندر اسماً مجهولاً أو هامشياً في الجامعات العسكرية ومراكز التفكير وأجهزة الأمن القومي،، بل هو واحد من الآباء الكلاسيكيين للجغرافيا السياسية.
في الحالة الأميركية، لا يوجد دليل على أن الإدارات المتعاقبة "تطبق ماكندر" كبرنامج معلن، لكن التفكير الاستراتيجي الأميركي منذ الحرب الباردة إلى اليوم مشبع بفكرة منع هيمنة قوة واحدة على أوراسيا، وهي الفكرة الأقرب روحاً إلى القراءة الماكندرية.
وحتى حين تتبدل الأولويات، يبقى اسم أوراسيا حاضراً في الأدوات الرسمية والموازنات والبرامج، ويبقى القلق على الجناح الشرقي لـ"الناتو" وعلى توازن القوة في أوروبا جزءاً مركزياً من الخطاب الأمني الأميركي، وهذا يعني أن المنطق العام لماكندر لا يزال مألوفاً جداً في مراكز صنع الاستراتيجيات العسكرية في واشنطن.
في الحالة الروسية، يبدو الأمر أوضح من حيث اللغة والمجال، فالتفكير الروسي المعاصر يتحدث صراحة عن أوراسيا بوصفها فضاءً استراتيجياً موحداً، ويعطي أولوية واضحة لما يسمى "القريب الخارجي" وللعمق القاري.
هذه ليست ترجمة حرفية لماكندر، لكنها قريبة جداً من خيال أوراسي يرى أن وزن روسيا التاريخي والحضاري والاستراتيجي يتحدد من داخل الفضاء الأوراسي لا من خارجه. باختصار، لا يحتاج الروس دائماً إلى ذكر ماكندر كي يتكلموا بلغة تشبهه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما الصين، فهي لا تقدم نفسها عادة بمنطق "القلب" و"الهيمنة" بل بلغة الاتصال والتنمية والربط والبنية التحتية، لكن مبادرة الحزام والطريق نفسها تقوم عملياً على وصل آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر ممرات برية وبحرية، وعلى بناء شبكات عميقة عبر أوراسيا.
وهذا لا يجعل الصين "ماكندرية" بالاسم، لكنه يجعلها تتحرك فوق مسرح جغرافي كان ماكندر سيتعرف إليه فوراً.
من القرن الـ20 إلى أوكرانيا وإيران
حين ننظر إلى القرن الـ20 نرى بسهولة أثر التفكير الجيوسياسي من نوع ماكندر في الاستراتيجيات الكبرى، وصعود ألمانيا كقوة قارية، ثم الصراع على أوروبا الشرقية، ثم الحرب الباردة، كلها جعلت الداخل الأوراسي والعتبات المؤدية إليه مجالاً دائماً للتخطيط والتطويق والتحالف، وخلال العقود الأخيرة بدا هذا الخيط أكثر وضوحاً مع توسع الحلف الأطلسي شرقاً، وعودة روسيا إلى النظر تجاه جوارها الغربي بوصفه مجالاً حاسماً لأمنها ونفوذها.
في هذا السياق تبدو الحرب على أوكرانيا المثال الأوضح على حياة هذه النظرية، فهنا نحن أمام ساحة تقع على التخوم الحساسة بين أوروبا والفضاء الروسي، وليست المسألة مجرد نزاع حدودي بل أيضاً صراع على المجال الفاصل بين الغرب الأطلسي والداخل الأوراسي، ولهذا لا تبدو أوروبا الشرقية في المنظار الماكندري هامشاً بل بوابة.
أما الحرب على إيران فتدفعنا إلى تحديث ماكندر لا إلى تكراره حرفياً، فإيران ليست "قلب الأرض" في المعنى الكلاسيكي، لكنها تقف عند عقدة تصل اليابسة الأوراسية بشريان بحري شديد الحساسية، هنا يفرض مضيق هرمز نفسه على التحليل، لا بوصفه تفصيلاً بحرياً بل كواحد من أهم مفاصل الطاقة في العالم، وهذا يعني أن معنى "جزيرة العالم" خلال القرن الـ21 لم يعد يمر فقط عبر السهول الداخلية، بل أيضاً عبر مخارجها البحرية الاختناقية.
ومن هنا يمكن القول إن أوكرانيا تمثل سؤال "من يضبط بوابة القلب؟"، فيما تمثل إيران سؤال "من يستطيع خنق أحد أهم شرايين الجزيرة؟".
وإذا مررنا على العراق وأفغانستان بدت الصورة نفسها في صيغة أخرى، العراق ليس قلب أوراسيا، لكنه يقف عند تماس شديد الحساسية بين الخليج وإيران وبلاد الشام وتركيا وشبه الجزيرة العربية، مما يجعله عقدة انتقال أكثر منه مجرد ساحة محلية، وأفغانستان، وإن لم تكن قلب العالم، تقع عند تخوم آسيا الوسطى وجنوب آسيا وإيران، أي في فضاء طالما كان معبراً واصطداماً بين قوى أكبر منها.
هنا لا تصبح الجغرافيا قدراً أعمى، لكنها تظل شرطاً ثقيلاً يفسر لماذا تتكرر الحروب في أمكنة بعينها، ولماذا يصعب على بعض البلدان أن تعيش خارج منطق المفصل والممر والحافة.