ملخص
أدت حرب إيران إلى تعطيل حركة الطيران في الشرق الأوسط، مما أتاح فرصة لشركات الطيران الغربية لزيادة رحلاتها واستعادة جزء من السوق، لكن هذه الفرصة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة فتح مسارات جديدة بسرعة.
على مدى أعوام ظلت شركات الطيران في الولايات المتحدة وأوروبا تراقب بدهشة صعود شركات الطيران في الشرق الأوسط، التي نجحت في جذب أعداد متزايدة من المسافرين عبر مراكزها الحديثة في دبي والدوحة، بأسعار تنافسية وطائرات حديثة.
ووفرت كل من "طيران الإمارات" و"الخطوط الجوية القطرية" و"الاتحاد للطيران" بديلاً قوياً في منطقة الخليج، مستفيدة من موقعها المثالي بين ثلاث قارات، أوروبا وأفريقيا وآسيا.
لكن تلك المعادلة تغيرت بين عشية وضحاها مع اندلاع الحرب في إيران، التي أدت إلى إغلاق مجالات جوية وتعطيل طائرات، مما أدخل شركات الطيران الإقليمية في حال من الاضطراب. ومع تراجع القدرة التشغيلية لشركات الشرق الأوسط، انخفضت رحلات المسافات الطويلة إجمالاً، في حين بدأت شركات الطيران الغربية في سد هذه الفجوة.
المديرون التنفيذيون رصدوا فرصة لاستعادة حصتهم من السوق، عبر إضافة مسارات بديلة لجذب المسافرين، وسارعت شركات مثل "لوفتهانزا" الألمانية، و"الخطوط الجوية البريطانية"، ومجموعة "إير فرانس-كيه أل أم" إلى إعادة نشر طائراتها نحو دول مثل الهند وتايلاند وسنغافورة خلال الشهر الماضي، لاستقطاب المسافرين الباحثين عن خيارات جديدة. ومع ذلك، فإن المكاسب في الحصة السوقية لا تزال محدودة حتى الآن، إضافة إلى أن بناء زخم مستدام ليس بالأمر السهل.
وقامت "بلومبيرغ" بتحليل رحلات الطائرات عريضة البدن عبر 21 شركة طيران كبرى خلال الشهر الذي سبق الحرب والذي تلاها، باستخدام بيانات شركة التتبع "فلايترادار24".
ويتمثل أحد التحديات في تحديد ما إذا كان هذا التغير مجرد اضطراب موقت في حركة الطيران العالمية، أم أنه سيشكل تحولاً طويل الأمد، خصوصاً مع تزايد الأخطار في مناطق كانت تعد آمنة.
وبالنسبة إلى شركات الطيران الأوروبية التي تحاول التقدم على منافسيها، هناك تحدٍّ آخر يتمثل في ارتفاع أسعار الوقود نتيجة اضطراب أسواق الطاقة بسبب الحرب، وهذا يفرض عليها إما رفع أسعار التذاكر أو تحمل الكلفة لجذب العملاء، في ظل غموض في شأن مدة استمرار النزاع.
وقال محلل الطيران في شركة "آي سي أف"، روب ووكر، لوكالة "بلومبيرغ"، "لن تتخلى شركات الشرق الأوسط عن طموحاتها في أن تكون مراكز عالمية. وعلى الأوروبيين استغلال الفرصة ما دامت متاحة".
وحتى الآن، كان أكبر ارتفاع في الطاقة الاستيعابية للرحلات في الولايات المتحدة، على رغم أن ذلك يعكس خططاً كانت قائمة قبل اضطرابات الشرق الأوسط.
شركات الطيران الأوروبية تزيد رحلاتها
زادت شركات الطيران الكبرى مثل "يونايتد إيرلاينز" و"دلتا إيرلاينز" رحلاتها الطويلة بنسبة 11 و12 في المئة على التوالي، بحسب بيانات "فلايترادار24"، مع إضافة رحلات إلى وجهات أوروبية قائمة، وأخرى جديدة تستهدف السياح الأميركيين ذوي الإنفاق المرتفع.
وتعد شركات الطيران الأميركية أكثر عرضة لارتفاع أسعار وقود الطائرات لأنها لا تعتمد على التحوط، لكنها استفادت من زيادة الطلب الشهر الماضي مع إقبال المسافرين على الحجز قبل ارتفاع الأسعار.
وفي ظل اضطرابات الشرق الأوسط يتوقع أن تستفيد الرحلات المباشرة من الولايات المتحدة إلى آسيا، وكذلك الرحلات عبر الأطلسي التي تشترك فيها شركات أميركية وأوروبية، بحسب ووكر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكلما طال أمد الحرب زادت الخسائر بالنسبة إلى شركات الطيران التي تتخذ من الشرق الأوسط مقراً لها، في حين ظل الرئيس الأميركي دونالد ترمب غامضاً في شأن مدة الحرب، مع تعهده باتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد إيران.
وبفضل موقعها الجغرافي، تمكنت "الخطوط الجوية التركية" من زيادة حصتها السوقية خلال الشهر الذي تلا اندلاع الحرب، بينما كانت "الخطوط الجوية القطرية" الأكثر خسارة، وفقاً لبيانات "بلومبيرغ".
وشهدت "لوفتهانزا" زيادة في الطلب على المدى القصير، لكنها تسعى إلى جعل هذه التغييرات في المسارات دائمة. وقال المدير المالي للشركة تيل شترايشرت إن هناك "إمكانات حقيقية" لتحويل المزيد من السعة إلى آسيا بصورة مستدامة.
غير أن هذه التحركات ليست سهلة دائماً، خصوصاً في حال عدم توافق الطائرات مع المسارات الجديدة، فالطائرات ذات الممر الواحد المستخدمة في رحلات أوروبا - الخليج قد لا تكون مناسبة للرحلات الطويلة إلى آسيا، لإضافة إلى أن الطائرات الحديثة الموفرة للوقود تعاني قوائم انتظار طويلة، إضافة إلى ذلك يتطلب فتح خطوط جديدة أشهراً من التحضير، بما يشمل الحصول على تصاريح الهبوط وتنظيم الجداول وتوفير الطواقم.
وفي الوقت نفسه، دفعت المخاوف من نقص وقود الطائرات إدارة "لوفتهانزا" إلى إعداد خطط طوارئ قد تشمل إيقاف بعض الطائرات.
وتراجعت أسهم "لوفتهانزا" بنسبة 17 في المئة منذ بداية الحرب، فيما انخفضت أسهم الشركة الأم للخطوط الجوية البريطانية (IAG) بنسبة 13 في المئة، وهبطت أسهم "إير فرانس-كيه أل أم" بنسبة 27 في المئة، وخفضت بنوك مثل مورغان ستانلي" و"يو بي أس" توقعاتها لأسعار أسهم عدد من شركات الطيران الأوروبية بسبب ارتفاع كلفة الوقود.
شركات الطيران ستعود لاستعادة حصتها
على رغم أن نهاية الحرب لا تزال غير واضحة، فإن المؤكد أن شركات الطيران في الشرق الأوسط ستعود بقوة لاستعادة حصتها، مما قد يؤدي إلى منافسة سعرية حادة.
وقال مستشار أول في شركة "سيريوم" ريتشارد إيفانز "من المتوقع أن تقدم شركات الخليج أسعاراً جذابة للغاية لاستعادة حركة المسافرين، مما يعني أن أمام الشركات الأوروبية نافذة زمنية قصيرة فقط للاستفادة من الطلب المرتفع".
وشهد نموذج المراكز الجوية في الشرق الأوسط نمواً هائلاً خلال العقود الماضية، إذ نقلت "طيران الإمارات" 55.6 مليون مسافر في 2025، أي أكثر من أربعة أضعاف ما كانت تنقله قبل 20 عاماً وأسهم ذلك في جعل دبي أكثر مطارات العالم ازدحاماً بالرحلات الدولية.
وزادت شركات الطيران الآسيوية من رحلاتها الطويلة، إذ أضافت "الخطوط الجوية السنغافورية" رحلات إلى لندن وملبورن، وزادت "كاثي باسيفيك" رحلاتها إلى باريس وزيوريخ ولندن، وأعلنت "إير إنديا" و"كانتاس" الأسترالية عن خطط لزيادة السعة على المسارات الأوروبية.
وكانت الرحلات بين آسيا وأوروبا معقدة بسبب تجنب شركات الطيران الغربية المجال الجوي الروسي منذ حرب أوكرانيا في 2022، وزادت الحرب في إيران من تعقيد الوضع، مع إغلاق الأجواء الإيرانية والعراقية، مما اضطر الطائرات إلى المرور عبر مسارات ضيقة فوق جورجيا وأذربيجان وآسيا الوسطى.
وقال المحلل في "بلومبيرغ إنتليجنس" كونروي غاينور "التحدي أمام الشركات الأوروبية هو توفر المجال الجوي والمنافسة مع الشركات الآسيوية التي تستطيع التحليق فوق روسيا. نعتقد أن مزيداً من السعة سيتجه إلى الأطلسي، لكن هناك شكوكاً حول كفاية الطلب لاستيعاب هذه الزيادة".