ملخص
منذ بداية فبراير، أحصت المنظمة الدولية للهجرة اندلاع 5 حرائق في مخيم العمدة، أتت على أكثر من 1613 كوخاً، ومعظم المقيمين في المخيم سبق أن نزحوا من مخيم زمزم في أبريل 2025 هرباً من هجوم كبير نُسب إلى قوات "الدعم السريع".
يعيش آلاف النازحين السودانيين في مساكن طارئة مثل منازل القش والخيام الموقتة التي لا تقي حراً ولا برداً، وعلى رغم قبولهم بالواقع المؤلم وحياة الشتات، وجد سكان معسكرات الإيواء في دارفور وكردفان أنفسهم أمام خطر لا يقل قسوة عن الحرب والأوضاع الإنسانية المتردية، إذ شهدت مخيمات النازحين اندلاع حرائق مستمرة تسببت في تشريد أكثر من 6 آلاف شخص، وأتت على 800 مأوى، وكذلك ألحقت أضراراً بـ300 من بيوت حطب الأشجار والأكواخ.
منذ بداية مارس (آذار) الماضي، أحصت غرف الطوارئ ومجلس تنسيق المتطوعين في كردفان ودارفور اندلاع 15 حريقاً في مناطق طويلة وكورما وكيليماندو، إضافة إلى محلية أم دم حاج أحمد وقرى شرق كازقيل والقيزان وأم بادر، وجراء هذه الأوضاع تضررت آلاف الأسر وباتت تتوسد العراء وسط ظروف صعبة، بخاصة في ظل ارتفاع درجات حرارة الطقس خلال فصل الصيف.
أوضاع حرجة
حامد محمداني، الذي يقيم مع إحدى الأسر في محلية أم دم حاج أحمد بولاية شمال كردفان، قال إن "قرية 'البنية' التي تتبع للمحلية شهدت منذ مارس اندلاع خمس حرائق في مناطق تجمعات النازحين، وتسببت في تشريد نحو 1500 شخص، وألحقت أضراراً بـ120 منزلاً في مراكز الإيواء، وعلى رغم حجم الكارثة لم تتحرك السلطات المحلية للمشاركة في معالجة الأضرار وتقديم المساعدات والمعينات الضرورية من مواد إيواء وغذاء".
وأضاف، "هذه الحرائق لم نشهد مثلها طوال سنوات وجودنا في كردفان، إذ تنتشر بسرعة لشدة الرياح وجفاف النباتات جراء موجة الحر، وقد أسفرت عن مقتل طفل عمره تسع سنوات وإصابة 12 شخصاً، إضافة إلى نفوق أعداد كبيرة من الحيوانات".
وكشف محمداني عن أوضاع إنسانية حرجة للغاية تعيشها الأسر المشردة التي تقيم في العراء وتحت ظلال الأشجار، مناشداً الحكومة المركزية وغرف الطوارئ بضرورة حصر جميع المتضررين وتوفير الخيام لهم، فضلاً عن تقديم مساعدات إنسانية عاجلة.
الأخضر واليابس
في قرية القيزان بولاية شمال كردفان، تعرض مركز إيواء النازحين الذي يضم 80 أسرة لاندلاع حريق كبير تسبب في تشريد غالبية العائلات وسط ظروف إنسانية قاسية، وبات 1200 شخص يقيمون في منازل مصنوعة من (أجولة الخيش) والقماش والمشمعات، وهي لا تقوى على صد رمال الرياح العاتية ولا تقي حر الصيف، الأمر الذي يهدد بانهيارها في أية لحظة.
يروي التاج يعقوب، أحد السكان المتضررين، اللحظات العصيبة التي اندلع فيها الحريق، ومع سرعة الرياح قضى على المنازل كافة، ولم يترك لهم خياراً سوى النجاة بأنفسهم وأسرهم، تاركين خلفهم كل ممتلكاتهم التي احترقت بالكامل.
وتابع، "كان مشهداً مفزعاً ومربكاً، فسرعة انتشار النيران والتهمها الخيام ومنازل القش (القطاطي) في لحظات يثير الرعب والخوف، ولم يعد هناك مفر إلا الهرب والنجاة، كان همي إنقاذ أسرتي وأطفالي، وقد نجحت في إخراجهم في الوقت المناسب، لكن الواقع الآخر الذي وجدناه كان هو العراء المفتوح مع عدم توفر المأوى والغذاء، بخاصة بعد أن قضى الحريق على الأخضر واليابس".
كارثة مخيم العمدة
على صعيد متصل، رصد مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لجامعة ييل الأميركية آثار حريق في مخيم العمدة للنازحين بمنطقة طويلة (تبعد 64 كيلومتراً من الفاشر)، علماً أنه الخامس الذي يطال المكان منذ فبراير (شباط) الماضي.
وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن الحريق تسبب في تشريد 971 عائلة، وأتى على أكثر من 881 كوخاً، وألحق أضراراً بـ90 كوخاً آخر في هذا المخيم الواقع في مدينة طويلة التي تحولت إلى ملجأ لمئات آلاف النازحين الفارين من المعارك بين الجيش وقوات "الدعم السريع".
وأشار مجلس تنسيق غرف طوارئ طويلة وجبل مرة إلى مصرع طفل جراء هذا الحريق الذي وقع في 21 مارس الماضي، وعزا المجلس الحريق إلى "طهو العدس ورياح قوية واكتظاظ ووجود مواد قابلة للاشتعال".
وتتعذر السيطرة على الحرائق في المخيم الذي يضيق بأكثر من 269 ألف شخص، حيث إن معظم الأكواخ من الخشب والتبن، فضلاً عن الافتقار إلى وسائل لمكافحتها.
ومنذ بداية فبراير الماضي، أحصت المنظمة الدولية للهجرة اندلاع خمس حرائق في مخيم العمدة، أتت على أكثر من 1613 كوخاً، ومعظم المقيمين في المخيم سبق أن نزحوا من مخيم زمزم في أبريل (نيسان) 2025 هرباً من هجوم كبير نُسب إلى قوات "الدعم السريع".
خسائر فادحة
إلى ذلك، شهدت قرى محلية أم دم حاج أحمد في ولاية شمال كردفان اندلاع ثلاثة حرائق في مارس، وألحقت أضراراً بالغة بمساكن النازحين، إذ أتت على أكثر من 950 منزلاً، وشردت 1400 شخص.
وفي هذا الصدد، يقول عادل العمدة، المتطوع في المجال الإنساني بمناطق تجمعات النازحين بكردفان، إن "عشرات الأسر لا تزال تقيم في العراء بعد فقدان المنازل والخيام، وكذلك الممتلكات كافة جراء الحرائق التي لم تُعرف بعد أسباب اندلاعها".
ونوه بأن "النازحين في كردفان تفاقمت معاناتهم في الآونة الأخيرة، وباتوا يهربون من جحيم إلى آخر بعد أن شردتهم الميليشيات من مدنهم وقراهم ومزارعهم، وجاءت كارثة الحرائق لتضاعف المأساة الإنسانية".
ولفت العمدة إلى أن "المئات فقدوا كل شيء، وخرجوا من مراكز الإيواء بسرعة متناهية من دون الالتفات لأغراضهم الشخصية، لأن الخطر كان كبيراً وعامل الوقت مهم لتأمين سلامة الأسر، بخاصة الأطفال الصغار الذين كانوا في حالة نوم عميق، وهو ما سبب لهم رعباً لا يزال يلازمهم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حالة صدمة
من جانبه، أوضح عبدالله خاطر، الذي يسكن في مركز إيواء بقرية "البطحة"، أن "الحريق غدر بهم ليلاً، وكانت النيران تنتشر بسرعة شديدة نظراً لشدة الرياح، مما جعل السكان يغادرون المكان حتى لا يتعرضوا للموت".
وتابع، "خلال ساعات احترقت كل المنازل والمزارع المجاورة، إضافة إلى نفوق عدد من الحيوانات، ولم يبقَ معلم واحد، وهو شيء محزن على رغم إيماننا بحكم الله وإرادته، فأصبحت حياتنا بائسة ولا طعم لها، وتعرض البعض للصدمة نتيجة حجم الكارثة".
وأردف خاطر، "أكثر ما يؤلمني إصابة جاري بجروح في الرأس وإصابات في أجزاء الجسم المختلفة بسبب الحريق، ولولا وجود أبنائه وتمكنهم من إنقاذه بسرعة لتعرض لكارثة أكبر".
مأساة إنسانية
على نحو متصل، كشفت منسقية النازحين واللاجئين بدارفور عن تفاقم الأوضاع الإنسانية في مراكز الإيواء بالإقليم، عقب اندلاع حرائق خلال الفترة الأخيرة في عدد من المخيمات، أسفرت عن تدمير أكثر من 881 مأوى وتشريد عدد كبير من الأسر وفقدانها الممتلكات.
وقال المتحدث باسم المنسقية آدم رجال، إن "النازحين يعيشون حالاً من عدم الاستقرار داخل مراكز الإيواء نتيجة استمرار الحرب وتصاعد المخاوف، إلى جانب تكرار الحرائق الناجمة عن الاكتظاظ السكاني، بخاصة في منطقة طويلة بولاية شمال دارفور".
وأضاف، "لا تعد الحرائق مجرد حوادث عابرة، بل مأساة إنسانية متكررة تضيف بعداً جديداً من المعاناة إلى واقع النزوح القاسي".
وبين رجال أن "النازحين يعيشون في منازل القش (القطاطي) والخيام المصنوعة من مواد محلية مثل القماش والبلاستيك، فضلاً عن تكدسها جنباً إلى جنب، مما يجعلها سهلة الاشتعال في أية لحظة حال اندلاع حريق، وتصبح عملية إخماده شبه مستحيلة بسبب الافتقار إلى وسائل المكافحة ونقص المياه".
وأشار إلى أن "الأثر النفسي لا يقتصر على الخسائر المادية فحسب، بل يمتد ليشمل إزهاق الأرواح وإصابة الأطفال بالحروق وفقدان النساء لمدخراتهن الشحيحة، إلى جانب الأوراق الثبوتية".
وتابع، "تكشف الحرائق هشاشة البنية التحتية الإنسانية في المخيمات، فهي ليست مجرد كارثة طبيعية، بل نتيجة مباشرة لانعدام الحماية وغياب التخطيط، وكذلك تقاعس المجتمع الدولي عن توفير مأوى آمن".