ملخص
أرى أن السلم في حضرموت لم يكن يوماً خطاباً سياسياً يُرفع عند الحاجة، ولا شعاراً يستهلك في لحظات التوتر، بل كان على الدوام تعبيراً عن بنية أخلاقية متماسكة تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والبيئة والتاريخ. هذه البنية أنتجت وعياً جمعياً يرى في الاستقرار ضرورة وجودية.
ثمة وقع خاص في تصوري لحضرموت لا يمكن اختزاله في توصيف جغرافي أو تاريخي عابر، بل يتجاوز ذلك إلى كونه تجربة إنسانية مركبة تتشكل فيها العلاقة بين الإنسان ومحيطه على نحو يندر تكراره.
وحين نعيد قراءة حضرموت بهدوء، لا بوصفها مجرد رقعة كبيرة في خريطة مضطربة، بل كحال وعي متراكم، فإننا نجد أنفسنا أمام نموذج فريد استطاع أن يحافظ على توازنه الداخلي على رغم تعاقب التحولات الكبرى.
هذا التوازن في اعتقادي لم يكن نتيجة عزلة، بل ثمرة إدراك عميق لمعنى الاجتماع الإنساني، حيث تصبح القيم أكثر رسوخاً من الأحداث، ويغدو السلم خياراً بنيوياً لا مجرد رد فعل ظرفي.
في الواقع أرى أن السلم في حضرموت لم يكن يوماً خطاباً سياسياً يُرفع عند الحاجة، ولا شعاراً يُستهلك في لحظات التوتر، بل كان على الدوام تعبيراً عن بنية أخلاقية متماسكة تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والبيئة والتاريخ. هذه البنية أنتجت وعياً جمعياً يرى في الاستقرار ضرورة وجودية.
لذلك يمكن فهم كيف أن المجتمع الحضرمي لم ينجرّ بسهولة إلى دوائر العنف، حتى في أكثر اللحظات التي كانت فيها المناطق من حوله تتفكك تحت وطأة الصراع.
وعلى هذا الأساس، يصبح تمسك أهل حضرموت بقيم الوفاء والتكافل أمراً يتجاوز حدود الأخلاق الفردية ليصل إلى مستوى الفلسفة الاجتماعية التي تنظم العلاقة بين الأفراد. فالتكافل هنا ليس مجرد تضامن عادي، بل نظام ضمني يعيد إنتاج المجتمع باستمرار، ويمنحه القدرة على امتصاص الصدمات من دون أن يفقد تماسكه. وهذا ما يفسر أيضاً ذلك الرفض المتكرر لكل مشاريع الفوضى، إذ إن هذه المشاريع تصطدم مباشرة بجوهر هذه البنية، لا بسطحها فقط.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة العلاقة بين حضرموت والمملكة السعودية بوصفها امتداداً طبيعياً لهذا النسق القيمي، لا مجرد تحالف سياسي عادي أو عابر. فالعلاقات التي تبنى على المصالح وحدها تكون عرضة للتبدل، أما تلك التي تستند إلى تاريخ من التفاعل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي (بما في ذلك الفني)، فإنها تكتسب صفة الاستمرارية.
لقد شكلت المملكة عبر عقود طويلة فضاءً حيوياً للحضارم، سواء عبر احتضانها لنشاطهم الاقتصادي أو من خلال أدوارها التنموية التي أسهمت في تعزيز صمود المجتمع، ولعل الحشود الجماهيرية الكبيرة التي خرجت في حضرموت يوم الأربعاء الأول من أبريل (نيسان) 2026 رافعة أعلام المملكة وقياداتها للتضامن معهم ضد الهجمات العدوانية الإيرانية على بلادهم إنما هو دالة أكيدة على هذه العلاقة المتينة.
ولم تكن هذه العلاقة المتينة نتاج لحظة سياسية محددة، بل هي في اعتقادي حصيلة تراكم طويل من الثقة المتبادلة، مما يمنحها عمقاً يتجاوز الظرف الراهن. ففي لحظات التحول، تظهر هذه العلاقة بوصفها عامل اتزان لا كطرف في الصراع. وهذا الاتزان هو ما حال دون انزلاق حضرموت إلى مسارات مشابهة لما شهدته مناطق أخرى في اليمن، حيث أدت هشاشة العلاقات إلى تفكك البنى الاجتماعية والسياسية على حد سواء.
وفي لحظتها الراهنة، تكشف الأحداث التي شهدتها حضرموت خلال الأشهر الماضية عن حقيقة أكثر عمقاً، وهي أن استهدافها بفرض سلطة أمر واقع بقوة السلاح من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي لا يمكن فهمه في إطار محلي ضيق. فحين تستهدف حضرموت، فإن ما يستهدف في جوهره هو فكرة إمكان وجود نموذج مختلف داخل اليمن، نموذج يقوم على الاستقرار النسبي والقدرة على إدارة التناقضات دون الانفجار. وهذا ما يجعلها هدفاً لكل من يرى في الفوضى وسيلة لإعادة تشكيل الواقع.
لاحظوا معي من فضلكم وتأملوا: رمزية حضرموت في الوعي اليمني لم تعد مرتبطة بموقعها الجغرافي أو تاريخها التجاري فحسب، بل أصبحت مرتبطة بفكرة الاستقرار ذاته. فهي تمثل إمكان أن يكون هناك مسار آخر غير مسار العنف، وهو ما يفسر اتساع دوائر الاصطفاف دفاعاً عنها. فالدفاع عن حضرموت، في هذا السياق، هو دفاع عن فكرة الدولة الممكنة، لا عن محافظة بعينها.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور السعودي بوصفه جزءاً من معادلة واسعة تتعلق بأمن المنطقة واستقرارها. فحماية حضرموت لم تعد مسألة محلية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تتقاطع فيها اعتبارات "الأمن القومي" و"الاستقرار" مع مفاهيم الدولة الحديثة.
وهذا التداخل بين المحلي والإقليمي يعكس في تصوري طبيعة المرحلة الحساسة التي لم يعد فيها بالإمكان فصل "الجغرافيا" عن السياسة، ولا "الأمن الداخلي" عن التوازنات الإقليمية.
إن مفهوم الدولة، كما يتجلى في هذه الحالة، لا يقتصر على وجود مؤسسات أو سلطة مركزية، بل يتجاوز ذلك إلى القدرة على فرض منطق الاستقرار كقاعدة عامة.
وحين تتعرض حضرموت للاهتزاز، فإن ما يتعرض للاختبار هو هذا المفهوم ذاته. فإما أن تثبت الدولة قدرتها على حماية هذا النموذج، أو تترك المجال لعودة منطق الفوضى الذي أثبت فشله في أكثر من سياق.
ولعل موقف القيادة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً والتحالف العربي الداعم بقيادة السعودية يأتي في هذا السياق بوصفه محاولة لإعادة تثبيت هذا المفهوم، ومنع تكرار سيناريوهات الانهيار التي شهدتها مناطق أخرى.
فالتدخل الداعم هنا لا يقرأ فقط كاستجابة لأحداث طارئة، بل كجزء من رؤية تسعى إلى الحفاظ على ما تبقى من توازن في المشهد اليمني المأزوم. وهذا ما يمنح هذا الموقف دلالته التي تتجاوز اللحظة الراهنة، بيد أن الأهم من كل ذلك هو أن هذه الجهود لا يمكن أن تنجح ما لم تتكئ على الوعي الجمعي للمجتمع الحضرمي ذاته. فالدولة، في معناها العميق، تبنى من الداخل. وإذا كان هذا المجتمع قد استطاع عبر تاريخه أن يحافظ على تماسكه، فإن ذلك يمنحه اليوم قدرة مضاعفة على أن يكون شريكاً في إعادة إنتاج الاستقرار.
وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، تبرز معركة حضرموت الحقيقية بوصفها معركة وعي قبل أن تكون معركة قوة. فهي ليست صراعاً على السيطرة بقدر ما هي صراع على المعنى: "معنى الدولة"، و"معنى الاستقرار"، و"معنى العيش المشترك". وفي مثل هذه المعارك، لا يكون السلاح هو العامل الحاسم، بل القدرة على الحفاظ على البوصلة الأخلاقية وسط ضجيج الأحداث.
في نهاية المطاف، ستظل حضرموت اختباراً مفتوحاً لإمكانية استعادة الدولة الوطنية في اليمن. فإذا نجح هذا النموذج في الصمود، فإنه سيفتح الباب أمام إعادة التفكير في مسار البلاد بأكمله. أما إذا تعثر، فإن ذلك لن يكون مجرد خسارة محلية، بل انتكاسة لفكرة أن الاستقرار ممكن في هذا السياق المضطرب. ولهذا، فإن الرهان الحقيقي ليس على ما يحدث اليوم فقط، بل على ما يمكن أن يؤسس له هذا اليوم في المستقبل.
وبين هذين الاحتمالين، تبقى حضرموت، بهذا الوعي المتجذر، أقرب إلى أن تكون أرضاً للسلام، لا باعتباره حالاً ساكنة، بل كخيار واعٍ يتجدد باستمرار. فحين يعلو صوت العقل، وتتراجع ضوضاء السلاح، تتجلى الدولة في أنقى صورها، ويصبح الاستقرار ليس مجرد هدف، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الوعي والمسؤولية.