Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كوميديا السلطة... هل ينزع المزاح عن الزعيم وقاره؟

تشرشل ومانديلا وكيندي والسادات وأوباما الأكثر مهارة في استخدام الحس الفكاهي لإذابة الجليد وآخرون سقطوا في فخ الهزل فتشوشت الرسالة

المزاح حتى لو كان مدروساً فهو بالنسبة إلى ذوي المناصب السياسية القيادية يندرج تحت بند العفوية (اندبندنت عربية)

ملخص

حسّ الدعابة لدى القادة والزعماء قد يكون فضيلة نادرة تكسبهم الشعبية والقرب من الجماهير، وتنم أيضاً عن ذكاء فطري، لكن بعضهم أيضاً قد يسقط في فخ النكتة فيختلط لدى العامة الجد بالهزل، كما يسقط الوقار أيضاً، فما معايير مزاح الرؤساء؟

لحظات المزاح التي تخرج عفوية من الزعماء تصبح في الغالب سوابق نادرة، تتناقلها وسائل الإعلام وتحتفظ بها صفحات التاريخ السياسي كمثال على موقف لا ينسى الكشف عن جانب غير معتاد من شخصيات هؤلاء القادة، فالبروتوكول الصارم يمنح الزعيم سلطات كبيرة وحرية القول والفعل والأسلوب، لكنه أيضاً يقيده بألا يخرج سلوكه عن الإطار الذي يحفظ المقام والهيبة.

لهذا تبدو العفوية في مواقف كهذه شيئاً مقبولاً بل وذكياً، إذ إنها وسيلة لإذابة الجليد والاقتراب من الجماهير وتحقيق الشعبية، لكن الأمر يبدو مختلفاً حينما يتحول التنكيت والمزاح إلى نمط ومنهج دائم، فلا أحد يعلم متى يكون الكلام هزلياً ومتى يكون جاداً.

الحس الفكاهي بحاجة إلى موهبة وسرعة بديهة ولياقة ذهنية عالية، وأيضاً ثقة بالنفس، إلا أن أدبيات السياسة تشير إلى أنه ينبغي استعماله بحكمة في المناصب الرفيعة، كي لا يفقد صاحبه الصدقية، فحينما تضج القاعة بالضحك كرد فعل على نكتة قالها زعيم سياسي في خطاب مطول سينظر إليها على أنها أمر محمود، وستظل عالقة وسيكون تأثيرها ممتداً وإيجابياً، بينما حينما يتحول الخطاب بأكمله إلى محطات ساخرة تحمل مبالغات وتشبيهات كوميدية، فإن الموقف على الغالب سيضر بصورة صاحبه، فلن يكون المزاح هنا سلاحاً سياسياً لاستمالة الحضور، إنما يتحول إلى سلوك قهري يشوش الرسالة فينجرف المنصب إلى مآلات غير مضمونة.

وضوح الرسالة قبل الإضحاك

المزاح حتى لو كان مدروساً فهو بالنسبة إلى ذوي المناصب السياسية القيادية يندرج تحت بند العفوية، وهي صفة تعشقها الجماهير وترفع رصيد السياسي كثيراً وتزيد من شعبيته إذا ما جرى استخدامها بصورة سليمة لا يقلل من قدره أو يشكك في قدراته وقوته وصرامته، فحتى الخروج عن النص في هذا المنصب له اشتراطات، لأنه قد يكلف الدبلوماسية ثمناً باهظاً، وعادة أصحاب هذا النمط يجعلون إداراتهم في حالة استنفار دائم والمستشارين في حالة تأهب ببيانات توضيحية أو تصريحات تفسيرية تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لأن الخطاب السياسي أو حتى التصريحات الهامشية هي مسؤولية مشتركة، فإن أفسدها الرئيس بكثرة المزاح يأتي دور العلاقات العامة السياسية وأفراد وزرائه ليصلحوها، لأن الأمر هنا متعلق بالدولة، وبرسالتها التي ينبغي أن تكون واضحة.

 

تفسر أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة بدر دينا يعقوب القواعد التي تحكم أساليب أحاديث الزعماء والقادة، لافتة إلى أنه وفقاً لقواعد البروتوكول الدبلوماسي وأدبيات الاتصال السياسي، فينبغي أن تقوم القاعدة العامة هنا على ثلاثة مبادئ أساسية، وهي وضوح الرسالة واحترام السياق الثقافي والدولي والحفاظ على رمزية الدولة، موضحة أن البروتوكول مع ذلك يسمح بقدر من التلقائية بهدف بناء القرب الإنساني، لكنه يظل قدراً محدوداً، إذ يشترط أن يظل الخطاب قابلاً للتفسير الرسمي، وألا يخلق التباساً سياسياً، لذلك لا يقاس نجاح المزاح بمدى طرافته، بل بقدرته على دعم الرسالة من دون تعريض العلاقات أو صورة الدولة لأخطار غير محسوبة.

المزاح لا يخاصم الدهاء

في حين تبدو الطرافة وحس الفكاهة فضيلة لا تمنح لكثيرين وموهبة فطرية تنمى بسعة الاطلاع والثقافة العامة وضبط النفس أيضاً، لكن مع ذلك بعض القادة قد يأخذه الزهو، ولا يفرق بين ما يقال في الغرف المغلقة وفي الجلسات الودية وبين ما يقال على الملأ، إذ يشعر بالرضا حينما يلقي نكاتاً ويجد القاعة وقد ضجت بالضحك مهما كانت عواقبه، لكن على النقيض كان رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل (1874 - 1965) على سبيل المثال، إذ تمتلئ الكتب التي تتناول سيرته بعشرات الدعابات السريعة الخفيفة، ومن بينها حينما كان يحتفي بعيد ميلاده الـ75 بالتقاط بعض الصور، فجامله المصور الشاب قائلاً له إنه يتمنى أن يتمكن من التقاط صور له بالمناسبة نفسها العام المقبل، فما كان من تشرشل إلا أنه قال له: "لا أرى مانعاً يا بني، فأنت تبدو بصحة جيدة"، في إشارة إلى أنه يثق في نفسه ولا يقلق عليها بينما من أمامه هو الذي يجب أن يتشكك حتى لو كان شاباً.

الأمر لم يخل من بعض الدعابات المتنمرة، وأبرزها ما جاء في كتاب مارتن جيلبرت حياة تشرشل، حينما انتقدته نائبة حزب العمال بيسي برادوك، وأشارت إلى أن رائحة الثمالة كانت تفوح منه، فأخبرها أن هذا كله سينتهي في الصباح، وسيعود لرشده وحنكته، بينما هي ستظل غير جميلة، هذا النوع من الدعابات في سياقه حينها لم يكن مرفوضاً بقدر ما هو الآن حيث كانت المعايير مختلفة، لكن في كل الأحوال فإن دعابات تشرشل تدرس نموذجاً على سرعة البديهة والذكاء مهما كان الرد حاداً، لكن النقطة الفاصلة هنا أنه كان يعرف الفرق بين المزاح الذي يمكن أن يظهر للعامة فيضحكهم ويجعل الأجواء أقل توتراً، وبين المزاح المتجاوز الذي لا تتسع له سوى المناسبات الخاصة، ومن هنا ظل في مكانته واحداً من أبرز الساسة الدهاة في العالم، ولم يسقط في فخ الهزل والتهور في الخطابات.

 

المهارة الأساسية والعسكرية لتشرشل كانت معها مهارة اجتماعية أيضاً تمثلت في تمتعه بسرعة البديهة، فلم يكن اللجوء إليها آلية دفاع للتغطية على نقص في شخصيته، بينما كانت نقطة قوة في حد ذاتها، أما الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا (1918 – 2018) فكان مزاحه نابعاً من تجربته المريرة في السجن والنضال من أجل الحرية، ولهذا حتى كان يمازح حراسه بعد خروجه من الاعتقال مشيداً بانضباطهم، وكان مزاحه هادئاً وبسيطاً يهدف للتقرب من الناس. فيما بدا مزاح الزعيم الليبي معمر القذافي (1942 – 2011) مركباً بشدة، فهو على الغالب لم يكن يقصد أبداً أن تظهر عباراته كنكت أو قفشات، بل كان يتحدث بجدية لا تخلو من الغرابة فيطلق عبارات مشوشة، مثل أن يقول إن للمرأة حقوقاً سواء كانت ذكراً أم أنثى، ومثلها من العبارات سواء في خطاباته أم في كتابه الأخضر.

البحث عن الترويج الشخصي

لكن تحضر جاذبية السوشيال ميديا في العصر الحالي مؤثراً كبيراً في طريقة ظهور الرؤساء، إذ تجتهد العلاقات العامة حول القادة لصنع شكل وجود المسؤول السياسي الملائم لكل منصة، ولهذا تنتشر الفيديوهات العفوية أو التي تبدو كذلك، ويجري التركيز على طرقهم في المزاح، لاستقطاب جمهور تلك المنصات، وكان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما من أوائل الرؤساء الذين فطنوا لتلك المسألة، إذ اعتمد في أكثر من ظهور علني على أن يبدو بروح شابة وحس دعابة، حيث كان يحب المزاح الذي يوصف باللطيف ويظهره رئيساً قريباً من شعبه ومحبيه، وهو ما كانت تؤرشف له حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي.

 

كذلك لم تخل فترة حكم بوريس جونسون القصيرة من بعض القفشات كذلك، فرئيس الوزراء البريطاني السابق كان لديه محتوى مفضل يتعلق بشعره الأشعث دوماً ولم يكن يتردد في أن يجعله بطلاً لأحاديثه مع المراسلين، أيضاً عمد رئيس الوزراء الكندي السابق جاستن ترودو إلى صنع مواقف طريفة بجواربه الملونة التي كان يتباهى بها. وكذلك طريقته في استعراض مهاراته الرياضية في الاجتماعات الرسمية، وإن كانت تلك الوسائل قد جعلته يكتسب الشعبية في بداية توليه المنصب لكنها كانت تستخدم ضده في ما بعد، إذ استغلها أعداؤه السياسيون للتندر عليه باعتباره مسؤولاً يهتم بأمور ثانوية ويترك اقتصاد بلاده يئن تحت المشكلات، وعلى ما يبدو أن هذا يحدث حينما لا يقرأ القائد الموقف جيداً، فيتحول المزاح هنا إلى نقيصة، لكن في كل الأحوال باتت مواقع التواصل الاجتماعي محفزاً على إظهار الجانب المرح من شخصيات القادة، فإذا جرى الأمر من دون بمالغة تصبح معيناً بالفعل في الدعاية السياسية ولا تفقد صاحبها الهيبة.

يعتقد أستاذ الإعلام الرقمي بالجامعة الأميركية بالقاهرة فادي رمزي أن فكرة البراند الشخصي أو التسويق للشخص نفسه ليصبح له هوية وعلامة تجارية، سواء في أثناء وجوده في المنصب أم خارجه، لافتاً إلى أن هذا يعتبر تحولاً كبيراً في مجال الدعاية السياسية المعتمدة على القوة الناعمة المتمثلة في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يشدد على أن المزاح هنا وسيلة فعالة وأساسية للوصول إلى الهدف، ضارباً المثل بالقيادات الأصغر سناً مثل زهران ممداني عمدة نيويورك.

السخرية أولاً

ويواصل الخبير في الإعلام الرقمي فادي رمزي، الحديث عن أهمية حس الدعابة والفكاهة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتعزيز صورة المسؤول السياسي أو الحاكم والترويج لها، مشيراً إلى أن الشكل الرسمي الجاف لم يعد مؤثراً في الجمهور اليوم، ويضيف رمزي "الطريقة العفوية أو الطريفة التي يظهر بها الرؤساء عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقصودة بالطبع لزيادة التفاعل ولفت الانتباه، فالتصريحات الرسمية عادة كان مكانها موقعي "إكس" و"فيسبوك" نظراً إلى جديتها، لكن مع إدراك أهمية سلاح المنصات شديدة التأثير، بخاصة خلال فترات الانتخابات أصبح هناك محتوى ملائم لمنصات أقل جدية مثل "إنستغرم".

ويدلل فادي رمزي على مدى هيمنة تلك المواقع على تفكير المسؤولين والمؤسسات الحاكمة بصورة عامة، هو قيام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإنشاء منصة خاصة به، وهي "تروث سوشيال"، مؤكداً أن طريقة ترمب في التفاعل مع السوشيال ميديا عموماً تجعله من بين الأكثر تداولاً دوماً، سواء في ما يتعلق برقصته الشهيرة، أو منشوراته المثيرة للجدل، التي يغلب عليها طابع الدعاية الساخرة.

 

المعروف أن كوميديا دونالد ترمب تنتمي إلى نوع الكوميديا الهجومية الهادفة لاستقطاب مؤيديه الذين يميلون إلى التقليل من الخصوم، إذ يعتمد نهجاً يخلط بين السخرية والتنمر والمزاح في توليفة باتت معتادة منه، إذ كانت تبدو مستغربة في ولايته الأولى، ويجري تداولها مع عبارات الدهشة والرفض، لكنه في ولايته الثانية لا يمر يوم إلا ويسخر ويمزح ويطلق أوصافاً ونكاتاً تبدو مهينة للخصوم، وكان على رأسهم جو بايدن أو "جو النائم" كما سماه، فهو يبحث عن الإحراج لا عن الإضحاك.

عفوية محسوبة

لكن أنماط المزاح الأكثر اعتدالاً بالنسبة إلى القادة، فقد تمتعت بها شخصيات عدة مثل الرئيس الأميركي رونالد ريغان (1911 – 2004)، والرئيس الفرنسي جاك شيراك (1932 – 2019)، والمصري محمد أنور السادات (1918 – 1981)، إذ عرف عنهم جميعهم حس الدعابة الذي كان يظهر في محله، من دون إخلال بقواعد البروتوكول، بل ليضفي مزيداً من العفوية على شخصياتهم أمام العامة، ومن أشهر مواقف ريغان على سبيل المثال ما قاله للأطباء بعد محاولة اغتياله "أتمنى أن تكونوا جميعاً جمهوريين"، وهو الحزب الذي كان ينتمي إليه، كما كان له مواقف طريفة مع السادات نفسه في اللقاء الذي جمعهما، وهي قفشات وثقتها الكتب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تشير الأكاديمية دينا يعقوب، أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية، إلى أن الهزل في حالة قادة الدول يجب أن يتعلق بفكرة جوهرية مرتبطة بالتوازن بين الإنسانية والهيبة المؤسسية، فالقائد السياسي لا يتحدث باعتباره فرداً عادياً، بل ممثل رسمي للدولة، ولذلك تقرأ تصريحاته دائماً ضمن إطار سياسي ودبلوماسي أوسع، حتى عندما تبدو عفوية أو ساخرة.

وفندت يعقوب عدة نماذج لسياسيين في هذا الصدد، معتبرة أن دونالد ترمب يمثل نموذجاً للتلقائية المرتفعة في الخطاب السياسي، فهو في رأيها يستخدم المزاح والتعليقات المباشرة بصورة متكررة ليعزز شعبيته لدى الجماهير الباحثة عن خطاب غير تقليدي، لكنه في المقابل يثير جدلاً دبلوماسياً وإعلامياً يعود لصعوبة الفصل بين الرأي الشخصي والموقف الرسمي، لكن جون إف كينيدي في وجهة نظرها هو النموذج الأكثر اتزاناً في الموازنة بين حس الدعابة المحسوب الذي يرفع من درجة الكاريزما، وكذلك وقار منصبه، وذكرت أيضاً أن أنور السادات تميز بالبساطة والرد السريع، والعفوية المدروسة التي تخدم الرسالة السياسية من دون أن تكون هي المحور الطاغي عليها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات