Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الاقتصاد الليلي"... بهجة المصريين وحسرتهم

تنفيذ صارم لقرار الغلق المبكر للمحال لكن محاولات التحايل لا تنتهي وجدل حول الجدوى منه

تحاول مصر مواجهة أزمة الطاقة العالمية بمزيد من إجراءات الترشيد (رويترز)

ملخص

تفيد الحكومة بأن المواعيد الجديدة لوقف الأنشطة التجارية تؤتي بثمارها في ترشيد استهلاك الطاقة، إذ نقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر بوزارة الكهرباء قوله إنه في أول أيام تطبيق القرار انخفض الحمل الأقصى لاستهلاك الكهرباء من 30.1 ألف ميغاوات في السابعة مساءً إلى 29 ألفاً في التاسعة مساءً ثم 26 ألف ميغاوات في الـ11 مساء.

بين الرغبة في ترشيد الطاقة بمواجهة تداعيات الحرب على إيران والتخوف من تضرر ملايين المعتمدين على "الاقتصاد الليلي"، تنقسم آراء المصريين في شأن غلق المحال والأنشطة التجارية بدءاً من التاسعة مساء، فالمصريون الذين تلقب عاصمتهم بالساهرة صدمهم ظلام الشوارع مع تطبيق القرار منذ السبت الماضي، فيما تدور أحاديثهم عن مدى استمرار ذلك الوضع لما بعد الشهر الذي أعلنته الحكومة لتطبيق القرار.

تبرير رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي القرار لدى إصداره في الـ18 من مارس (آذار) الماضي كان اتخاذ مسار "ترشيد الطاقة" بدلاً من اللجوء إلى "زيادة الأسعار"، بخاصة مع تضاعف فاتورة واردات المواد البترولية، إذ ارتفعت قيمة واردات مصر من الغاز الطبيعي إلى 1.65 مليار دولار في منتصف مارس بدلاً من 560 مليون دولار قبل الحرب التي انطلقت في الـ28 من فبراير (شباط).

التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران عمقت أزمة الاقتصاد المصري، الذي يحاول الخروج من آثار أزمات متلاحقة في السنوات الأخيرة، بدءاً من جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، والصراع في السودان الذي تزامن مع الحرب في غزة، وأصبحت الحكومة المصرية أمام مأزق التعامل مع ارتفاع سعر برميل البترول لأكثر من 100 دولار، بينما أعدت موازنتها على أساس نحو 60 دولاراً للبرميل، إضافة إلى خسارة الجنيه المصري نحو 15 في المئة من قيمته خلال نحو شهر.

أما المواطن فقد سمع صدى قذائف المتحاربين في موازنته الشخصية، بعد زيادة الحكومة سعر المواد النفطية بنسبة نحو 15 في المئة، وهو ما يعني ارتفاع أسعار السلع والخدمات بدءاً من الخضراوات حتى السيارات، لذلك تقول منال حسن، المعلمة المتقاعدة، إن الإغلاق المبكر للمحال "لن يؤثر كثيراً في حركة الشراء، لأنه لا توجد أموال سوى لشراء الأساسيات"، لكنها في الوقت نفسه أبدت قلقاً من أن يؤدي إظلام الشوارع إلى "زيادة نسبة الجريمة وافتقاد إحساس الأمان، الذي كان يرافق حركة شوارع القاهرة التي لا تهدأ".

تطبيق صارم

وفي الأيام الأولى لتطبيق القرار بدا واضحاً جدية أجهزة الدولة في التطبيق، ربما أكثر من المرات السابقة لتحديد مواعيد محددة لغلق المحال، بحسب ما يقول أشرف ناصر، مالك محل موبايلات في الأميرية بمحافظة القاهرة، موضحاً أن ضباط قسم الشرطة نبهوا صحاب كل المحال بالالتزام التام، وإلا سيواجهون عقوبات صارمة، وبحسب وزارة التنمية المحلية بلغت نسبة الالتزام بالقرار في أول أيام التطبيق 95 في المئة.

ويحدد قانون المحال العامة عقوبة عدم الالتزام بمواعيد التشغيل، وهي غرامة تصل إلى 20 ألف جنيه (373 دولاراً)، مع إمكان غلق المحال في حال تكرار المخالفة، كما تقرر فرض عقوبة فورية تصل إلى 4 آلاف جنيه (75 دولاراً)، قد تمتد العقوبة إلى حبس العاملين بالمحل المخالف لمدة من ستة أشهر إلى سنة في حالة تكرار المخالفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعلن وزارة الداخلية يومياً حصيلة الحملات الأمنية على مستوى الجمهورية، إذ بلغ عدد المخالفات التي جرى تحريرها الثلاثاء الماضي، أكثر من ألف مخالفة.

في حي حدائق الأهرام بمحافظة الجيزة، أدت الحملات الأمنية إلى ضبط عدد من العاملين في المقاهي الذين خرجوا بعد يومين بغرامة، لكن ذلك لم يمنع التحايل في مقاه أخرى، فقد لجأ أحمد متولي (عامل في مقهى) إلى إغلاق الأبواب مع استمرار العمل داخل المقهى للزبائن المعروفين لديه، إذ يفتح لهم الباب عندما يتصلون به، ولا يستقبل إلا زبائنه المعروفين. ويوضح متولي أنه مضطر إلى ذلك على رغم خطر الحملات الأمنية، لأن نشاطه مرتبط بفترة الليل، والخسائر ستكون فادحة إذا أوقف نشاطه لمدة شهر بدءاً من التاسعة مساء، بخاصة أنه يعتمد على الدخل اليومي.

أبدى أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات إيهاب الدسوقي معارضته لقرار غلق المحال التجارية ليلاً، مبرراً ذلك بأن الكلفة التي ستتحملها الدولة لتلافي الآثار السلبية لهذا القرار "ستكون أكبر من العائد المرجو منه"، موضحاً لـ"اندبندنت عربية" أن طبيعة الشعب المصري، إضافة إلى نمط السياحة الوافدة إلى مصر، تعتمد بصورة أساسية على النشاط الليلي، ومشيراً إلى أن قطاعاً كبيراً من دخول المصريين يرتبط بـ"ورديات الليل" في المطاعم والكافيهات وقطاعات أخرى مكملة مثل النقل، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى تراجع الدخل القومي وتضرر القطاع السياحي.

 

وترافق تطبيق القرار مع تحذير روابط التجار من أثر سلبي فيهم، إذ قال رئيس غرفة الجيزة التجارية أسامة الشاهد إن الإغلاق المبكر للمحال يؤثر في دخل المواطنين والتجار، إذ سيؤدي إلى تقليل ساعات العمل وإلى خفض أجر العامل، وقد يضطر بعض أصحاب العمل لتقليل العمالة، بخاصة أن ذروة النشاط التجاري كانت بين التاسعة مساء والواحدة من صباح اليوم التالي، بخاصة بالنسبة إلى المطاعم والمقاهي. وأوضح في تصريحات صحافية أن القرار قد يزيد الأعباء على أصحاب المحال، بما يضاف إلى ارتفاع كلفة التشغيل وأسعار الوقود وغيرها، مطالباً بإعادة النظر في القرار.

وأشار الدسوقي إلى مخاوف من قيام التجار برفع الأسعار لتعويض خسائرهم الناتجة من تقليص ساعات العمل، معتبراً أن الحل الأمثل لمواجهة أزمات الطاقة يكمن في زيادة الإنتاج والدخل بدلاً من اللجوء إلى قرارات الغلق أو قطع الكهرباء عن المنازل.

وعلى الصعيد الاجتماعي والأمني، حذر أستاذ الاقتصاد من زيادة معدلات الجريمة نتيجة خلو الشوارع وإظلامها، مما يهدد ميزة الأمان التي تتميز بها مصر ويقيد حركة المواطنين والفتيات ليلاً، واصفاً الشوارع في ظل الغلق بأنها ستصبح "مرعبة".

خطر إظلام الشوارع دفع عضو مجلس الشيوخ أميرة صابر قنديل إلى تقديم مقترح رسمي لإنارة الشوارع بالطاقة الشمسية، مشيرة إلى أن قرار تقليل إضاءة الطرق للحد من استهلاك الكهرباء يحمل أخطاراً متعددة "من بينها زيادة معدلات الحوادث المرورية نتيجة انخفاض مستوى الإضاءة في الليل، وتعاظم المخاوف الأمنية في بعض المناطق نتيجة الظلام".

خفض الاستهلاك

وتفيد الحكومة بأن المواعيد الجديدة لوقف الأنشطة التجارية تؤتي بثمارها في ترشيد استهلاك الطاقة، إذ نقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر بوزارة الكهرباء قوله إنه في أول أيام تطبيق القرار انخفض الحمل الأقصى لاستهلاك الكهرباء من 30.1 ألف ميغاوات في السابعة مساء إلى 29 ألفاً في التاسعة مساء ثم 26 ألف ميغاوات في الـ11 مساء.

وأوضح الأكاديمي في مجال الإدارة والخبير الاقتصادي أيمن غنيم أن الهدف الرئيس من هذه الإجراءات هو خفض الأحمال على شبكة الكهرباء، إذ تستهدف الدولة تقليل الاستهلاك بنسب قد تصل إلى نحو 30 في المئة خلال فترات الذروة، مؤكداً أن سياسة الترشيد تعكس توجهاً عالمياً نحو "إدارة الطلب على الطاقة"، بدلاً من الاعتماد فقط على زيادة الإنتاج، بخاصة في ظل ارتفاع أسعار الوقود عالمياً واضطراب سلاسل الإمداد.

وأضاف غنيم، لـ"اندبندنت عربية"، أن التوترات الجيوسياسية وارتفاع كلفة استيراد الطاقة دفعت عدداً من الدول إلى تبني إجراءات مشابهة، بما في ذلك تقليل ساعات العمل في بعض القطاعات، مشيراً إلى أن العمل عن بعد يمثل أحد الأدوات الفعالة في تقليل استهلاك الطاقة في المباني الحكومية وتقليل الضغط على وسائل النقل، بما يخفض استهلاك الوقود، بالتالي تقليل الضغط على فاتورة الطاقة للدولة.

وتابع غنيم أن الجمع بين غلق المحال والعمل عن بعد يمثل حزمة سياسات متكاملة تهدف إلى تقليل الاستهلاك من دون التأثير الكبير في النشاط الاقتصادي، بخاصة أن الحكومة حرصت على استثناء الأنشطة الحيوية من قرار الغلق، مثل الصيدليات والمخابز والسوبر ماركت، لضمان استمرار الخدمات الأساسية للمواطنين.

 

وأشار إلى أن هذه الإجراءات قد يكون لها بعض التأثيرات قصيرة الأجل على بعض الأنشطة التجارية، بخاصة التي تعتمد على العمل الليلي، مضيفاً أن هذه التأثيرات يمكن تعويضها من خلال التوسع في التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل، وهو ما يمثل فرصة لتحديث نماذج الأعمال.

ويتفق أستاذ الإدارة المحلية حمدي عرفة مع أهمية تبكير غلق الأنشطة التجارية، إذ اعتبره "خطوة مهمة نحو إعادة الانضباط للشارع المصري"، وقال عرفة لـ"اندبندنت عربية" إن هذا القرار لن يؤدي إلى تراجع النشاط الاقتصادي كما يروج بعضهم، بل على العكس، سيسهم في رفع كفاءة الإنتاج وزيادة التركيز خلال ساعات العمل الرسمية، بحسب تعبيره، مشيراً إلى أن تلك المواعيد متبعة في الدول الأوروبية والعربية، مما يعني أنها "تجربة ناجحة".

وأضاف أن تنظيم أوقات العمل يعزز من ترشيد الطاقة، ويقلل من الهدر في الموارد، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني، أما بالنسبة إلى العمال فيرى أستاذ الإدارة أن القرار يحفظ حقوقهم الصحية والاجتماعية، ويمنحهم فرصة حقيقية للراحة وقضاء وقت مع أسرهم، مما يرفع من روحهم المعنوية وإنتاجيتهم.

وعلى رغم أن القرار مدته شهر بحسب قرار مجلس الوزراء، فإن تكهنات بعضهم بأنه سيمتد أكثر من ذلك لها ما يبررها، بعد تصريحات رئيس الوزراء بأن الحكومة تتابع الموقف في حال استمرار الحرب في المنطقة، وقد تتخذ إجراءات أكثر شدة لخفض استهلاك الطاقة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات