Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تكرار ضرب "بوشهر" يلوح بخطر تسرب إشعاعي في الخليج

المحطة النووية الإيرانية أقرب إلى عواصم خليجية مثل الكويت والدوحة والمنامة منها إلى طهران

عمال إيرانيون يقفون أمام محطة بوشهر للطاقة النووية على بعد نحو 1200 كيلومتر جنوب طهران (رويترز)

ملخص

تكرار استهداف محطة "بوشهر" النووية يرفع المخاوف من تسرب إشعاعي قد يمتد إلى دول الخليج نظراً إلى قربها الجغرافي من عواصم مثل الكويت والدوحة والمنامة.

بعد أربع ضربات طاولت منشأة "بوشهر" النووية منذ بدء الحرب، تتجه الأنظار إلى المفاعل المطل على الخليج العربي بوصفه نقطة التماس الأخطر في التصعيد، ومع استمرار استهدافها، وهي تقع على مقربة مباشرة من عواصم خليجية، ترتفع التحذيرات من انزلاق الوضع إلى سيناريو تسرب إشعاعي، يحمل في طياته أخطاراً بيئية وصحية عابرة للحدود، تمتد آثارها إلى كامل الإقليم.

وكثيراً ما أعربت دول الخليج العربي المجاورة مراراً عن مخاوفها في شأن موثوقية هذه المحطة، ولا سيما خطر حدوث تسربات إشعاعية.

وفي هذا السياق حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أمس السبت من تداعيات إقليمية خطرة عقب تكرار الهجمات على محطة بوشهر للطاقة النووية، قائلاً إن "أي تسرب إشعاعي محتمل لن يقتصر على بلاده فحسب، بل سيمتد إلى دول أخرى في المنطقة".

وشدد عراقجي، في رسالة وجهها إلى الأمم المتحدة، على أخطار حدوث تسرب إشعاعي عقب هجوم رابع وقع قرب محطة بوشهر النووية خلال حرب إيران، في تصعيد يثير القلق في شأن سلامة المنشآت الحساسة، وفقاً لـ"رويترز".

وقال إن استهداف مناطق قريبة من هذه المنشآت "يعرض السكان المدنيين في إيران، وفي المنطقة لخطر شديد وغير مسبوق"، معرباً عن اعتراض بلاده على الهجمات التي استهدفت منشآت نووية في إيران، واعتبر أن ذلك يمثل انتهاكاً لنظام الضمانات التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأضاف وزير الخارجية الإيراني أن الهجمات "قد تؤدي إلى تلوث إشعاعي في المياه والهواء والأنظمة البيئية والموارد الطبيعية، وأن آثارها ستمتد إلى دول أخرى في المنطقة".

وكالة الطاقة الذرية تنفي ارتفاع مستويات الإشعاع

من جانبها، نفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أمس السبت تلقيها أي بلاغات في شأن ارتفاع مستويات الإشعاع في محيط محطة "بوشهر" النووية الإيرانية، في أعقاب سقوط مقذوف أودى بحياة شخص قرب المحطة.

وذكرت الوكالة عبر منصة "إكس" أن أحد أفراد طاقم الحماية في الموقع لقي حتفه بشظية مقذوف، وأن مبنى بالموقع تعرض لموجات ضغط وشظايا.

فيما شدد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي على ضرورة عدم تعرض محطات الطاقة النووية أو المناطق المحيطة بها لأي هجوم، محذراً من خطر وقوع حادثة نووية في حال استمرار التصعيد العسكري.

وقال غروسي إن الوكالة تلقت معلومات رسمية من السلطات الإيرانية تفيد بوقوع الضربة الرابعة خلال الأسابيع الأخيرة على محطة بوشهر، وأسفرت عن مقتل أحد أفراد طاقم الحماية المادية جراء شظية قذيفة، كما تضرر أحد المباني نتيجة موجات الصدمة والشظايا.

وأكد أنه لم يتم تسجيل أي زيادة في مستويات الإشعاع إثر الحادثة الأخيرة، مع التشديد على خطورة تكرار مثل هذه الهجمات.

 

ودعا المسؤول الأممي إلى أقصى درجات ضبط النفس العسكري لتفادي أي حادثة نووية كارثية، مؤكداً أهمية الالتزام بمبادئ الوكالة السبعة لضمان السلامة والأمن النووي أثناء النزاعات المسلحة.

فيما أجلت شركة "روس آتوم" النووية الحكومية الروسية 198 موظفاً إضافياً من محطة بوشهر النووية الإيرانية.

وقارن عراقجي، في منشور على منصة "إكس"، بين هذه التطورات وحالة الغضب الدولي التي أثيرت في شأن محطة زابوروجيا النووية في أوكرانيا، مؤكداً أن استهداف منشآت نووية في مناطق النزاع يثير أخطاراً جسيمة.

وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الهجمات على البنية التحتية الحيوية، مما يفاقم المخاوف المتعلقة بسلامة المنشآت النووية، ويزيد من احتمالات اتساع التداعيات الإقليمية.

"بوشهر" المفاعل الأقرب والأخطر على الخليج

تقع محطة بوشهر النووية على مقربة من دول الخليج العربي، وهي أقرب إلى عواصم عربية مثل الكويت والدوحة منها إلى طهران التي تبعد منها أكثر من 750 كيلومتراً. 

وفي سياق ذلك أوضح أستاذ العلوم الإشعاعية المتخصص في الطوارئ النووية ناصر شبير ضمن حديث سابق إلى "اندبندنت عربية"، أنه في حال تعرض مفاعل "بوشهر" الأخطر والأقرب إلى دول الخليج فإن حجم التسرب الإشعاعي المحتمل يعتمد على عوامل عدة، أبرزها شدة الهجوم ومدى الأضرار التي قد تلحق بأنظمة الحماية النووية. ولفت إلى أن تدمير قلب المفاعل يؤدي إلى انبعاث كميات كبيرة من المواد الإشعاعية، التي تنتشر عبر الهواء وتنتقل من خلال الرياح إلى مسافات بعيدة، فتصل إلى الدول المجاورة لإيران مهددة الصحة العامة للسكان، وقد ينتج منها زيادة في حالات السرطان.

وذكر شبير أنه من أهم العناصر المشعة المنبعثة المسببة للتلوث الإشعاعي هو عنصر "السيزيوم 137" الذي يدوم في الهواء لنحو 30 عاماً، مما يجعله قادراً على التسبب في تلوث بيئي مستدام وانتشاره بسهولة في الهواء والتربة، ويمكن أن يدخل جسم الإنسان من طريق الاستنشاق.

ومن العناصر التي تصدر مع التسرب الإشعاعي عنصر "السترونتيوم 90" الذي يستمر إلى نحو 29 عاماً أيضاً، وعنصر "اليود 131" الذي يستمر إلى ثمانية أيام، مما يزيد خطر الإصابة بسرطان الغدة الدرقية، مسبباً ضرراً سريعاً على الإنسان.

وأضاف أنه في حال حدوث تسرب للمواد الإشعاعية في مياه الخليج العربي فإنه يعرض ملايين الأشخاص لأخطار صحية جسيمة، ويؤدي إلى أضرار كبيرة في النظم البيئية البحرية والثروة السمكية، ويشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي.

وفي سبيل الوقاية لدول الخليج في حال حدوث تسرب إشعاعي، أوضح المتخصص في الطوارئ النووية أن دول الخليج ستحتاج إلى تفعيل خطط الطوارئ الوطنية للتعامل مع أي تسرب محتمل في حال استهدفت المفاعلات النووية الإيرانية.

وتشمل هذه الخطط أنظمة مراقبة إشعاعية متطورة لرصد التسربات مبكراً، وتحديد مناطق الخطر ووضع خطط للإخلاء السريع والآمن للسكان، مع توفير ملاجئ في حال تعذر الإخلاء الفوري، وتتطلب التنسيق الفعال بين الجهات المعنية المحلية إلى جانب التنسيق الإقليمي وأيضاً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، للحد من الآثار السلبية لأي حادثة إشعاعية.

فوبيا الإشعاع

كثيراً ما ارتبطت كلمة "إشعاع" في الوعي الجمعي بالخطر والموت البطيء، غير أن علماء الفيزياء والطب الإشعاعي يحذرون من أن الخوف قد يكون أحياناً أكثر فتكاً من المادة نفسها.

وهذا ما عبر عنه أستاذ الفيزياء بجامعة أكسفورد ويد آليسون، حين كتب في مؤلفه "الإشعاع والمنطق: أثر العلم في ثقافة الخوف"، أن "الخوف من الإشعاع قتل أناساً أكثر من الإشعاع ذاته"، في انتقاد واضح للصورة النمطية التي تشكلت منذ منتصف القرن الـ20 حول أخطار الإشعاع المؤيّن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

منذ إلقاء القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي عام 1945، ترسخ في الوعي العام تصور قاتم تجاه كل ما يرتبط بالإشعاع، من دون تمييز دقيق بين مستوياته، أو تفريق بين الاستخدامات المدنية والعسكرية له، مما ولد حالاً من الرهبة الجماعية، تتجدد مع كل حادثة نووية، حتى وإن لم يكن التأثير الفعلي في الصحة العامة كبيراً بالمعايير العلمية.

وتعززت هذه الصورة مع كارثة تشيرنوبل في أوكرانيا عام 1986، إذ أرسل عمال الإطفاء والطوارئ إلى المفاعل المتفجر من دون تجهيزات كافية للحماية من الجرعات العالية، مما أدى إلى وفاتهم لاحقاً متأثرين بالإشعاع، وفقاً للرابطة العالمية للطاقة النووية، مما عمق المخاوف في المجتمعات وأعاد فتح النقاش حول الأمان النووي.

لكن المشهد لم يكن دوماً بهذه القتامة، فحين وقعت كارثة فوكوشيما دايتشي في اليابان عام 2011، كانت أمواج التسونامي التي ضربت الساحل قبل الانفجار هي السبب الرئيس في سقوط أكثر من 10 آلاف قتيل، بينما ظل التسرب الإشعاعي تحت السيطرة، ولم تسجل أية وفيات مباشرة مرتبطة به بين المدنيين، بحسب السلطات اليابانية.

وتطرح هذه الوقائع تساؤلات حول مدى الخطر الفعلي: هل يصل الإشعاع عبر الحدود؟ وهل كل حادثة نووية تعني كارثة صحية واسعة؟

من جانبه قال استشاري الطب النفسي عبدالله المضيان في ملف صوتي مع "اندبندنت عربية" إن هذه الأسئلة طبيعية طالما كانت نابعة من وعي وحذر، لكن حين يتحول هذا القلق إلى ذعر دائم وانشغال مفرط وسلوكيات تجنب غير مبررة فإننا ننتقل من الخوف الواقعي إلى ما يعرف نفسياً بفوبيا الإشعاع.

وينوه المضيان بأن فوبيا الإشعاع قد تودي إلى الاكتئاب المزمن وذلك بسبب الخوف المفرط الذي لا يتناسب مع أي شيء يتعلق بالإشعاع حتى وإن لم يكن هناك تهديد مباشر أو علمي مؤكد.

ويشير استشاري الطب النفسي إلى أن الكوارث الإشعاعية السابقة تحولت إلى رموز ثقافية للخطر الكامن والمخفي والصورة الذهنية التي رسختها هذه الحوادث بفضل الإعلام والأفلام الوثائقية والروايات لم تركز على البيانات العلمية بقدر تركيزها على الخوف والتشوهات والعزل والتشرد والنهاية البطيئة، وهذا ما جعله في الوعي الجمعي مرتبطاً بالخطر والموت.

ويضيف "حتى من لم يزامن تلك الفترة ويعيشها ورث هذا الخوف عبر الصور والأخبار والقصص والنتيجة أصبح الإشعاع كلمة مشحونة نفسياً تكفي وحدها لإثارة القلق بغض النظر عن السياق".

 

وأشار إلى أن المشكلة لا تكمن في الخوف ذاته، بل في تضخيمه من دون أساس علمي، مما قد يحوله إلى عبء نفسي واجتماعي.

ولفت إلى أن مظاهر هذه الفوبيا تشمل التفكير المستمر في كوارث غير واقعية، وتجنب المستشفيات والفحوصات الطبية، والبحث القهري عن أخبار الإشعاع، والمبالغة في إجراءات الحماية.

وأوضح أن العلاج يتطلب تصحيح المفاهيم الخاطئة حول الإشعاع، إلى جانب العلاج المعرفي السلوكي، وفي بعض الحالات العلاج الدوائي لدعم من يعانون اضطرابات النوم أو نوبات الهلع.

واختتم حديثه بالتأكيد أن الخوف رد فعل طبيعي عند وجود تهديد حقيقي، لكن التحدي يكمن في التمييز بين الخوف المبرر والخوف القائم على تصورات مبالغ فيها.

المنشآت النووية الإيرانية

وتتوزع المنشآت النووية الإيرانية على مواقع متفرقة من البلاد، وعلى رغم خطر الضربات الجوية، فإن عدداً محدوداً منها فقط بني تحت الأرض، ولكل منشأة دور مختلف في البرنامج النووي، من إنتاج الكهرباء إلى التخصيب والبحث.

وتعد محطة بوشهر، الرابضة على سواحل الخليج العربي، المفاعل الوحيد لإنتاج الكهرباء في إيران، وقد بدأ بناؤها في عهد الشاه في سبعينيات القرن الماضي قبل أن تستكمل لاحقاً بدعم روسي، وتخضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

أما منشأة نطنز، فهي المركز الرئيس لتخصيب اليورانيوم، وتقع جنوب شرقي طهران، وتضم أجهزة طرد مركزي ترفع نسبة التخصيب، وبعض أجزائها يقع تحت الأرض للحماية، وقد تعرضت لهجمات تخريبية، من بينها فيروس "ستاكس‌ نت".

وتقع منشأة فوردو قرب مدينة قم، وهي أصغر من نطنز لكنها أكثر تحصيناً، إذ بنيت داخل الجبال لحمايتها من الهجمات الجوية، ولم تعلن إيران عنها إلا بعد الكشف عنها من قبل أجهزة استخبارات غربية عام 2009.

أما مفاعل خونداب (آراك سابقاً)، فيعتمد على الماء الثقيل، ويمكن أن ينتج مادة البلوتونيوم التي تستخدم في تصنيع الأسلحة النووية، وقد خضع لتعديلات ضمن الاتفاق النووي للحد من أخطاره.

وفي أصفهان، يوجد مركز مهم لمعالجة اليورانيوم وتحويله إلى مواد تستخدم في التخصيب، إضافة إلى منشآت لإنتاج الوقود النووي ومكونات أجهزة الطرد المركزي.

ويوجد مفاعل طهران للبحوث النووية داخل مقر منظمة الطاقة الذرية، وقد أنشئ في الستينيات ضمن برنامج "الذرة من أجل السلام"، وكان يعمل باليورانيوم عالي التخصيب قبل تعديله لاستخدام وقود منخفض التخصيب.

ويجعل هذا الانتشار وتنوع مواقع المنشآت النووية الإيرانية أي استهداف لها، خصوصاً القريبة من الخليج، مصدراً لأخطار إشعاعية قد تمتد آثارها إلى دول الإقليم.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير