ملخص
رأى ترمب أن حلف شمال الأطلسي نمر من ورق، وهدد بالانسحاب رسمياً منه بعد موقفه الرافض دعم الولايات المتحدة في حربها على إيران، وكذلك صعّد هجومه على أوروبا مما ضاعف الشكوك حول بقاء الولايات المتحدة كقوة عسكرية مرجحة داخل القارة.
صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطابه ضد أوروبا أمس الأربعاء قائلاً إنه يدرس بجدية الانسحاب من "حلف شمال الأطلسي" (ناتو) بسبب رفضه دعم الولايات المتحدة في الحرب على إيران، عاداً أن الحلف العسكري مجرد "نمر من ورق"، في مؤشر جديد على تدهور العلاقات الأميركية - الأوروبية.
ورد ترمب خلال مقابلة مع صحيفة "تلغراف" عند سؤاله عما إذا كان سيعيد النظر في عضوية الولايات المتحدة داخل الحلف بالقول "أعتقد أن الأمر تجاوز إعادة النظر، فلم أكن مقتنعاً بالـ 'ناتو' يوماً، وكنت أعلم دائماً أنه نمر من ورق، وبوتين يعلم ذلك أيضاً"، وذلك في أعقاب رفض الحلف طلبه إرسال سفن حربية لإعادة فتح مضيق هرمز الذي تستخدمه إيران كورقة ضغط على واشنطن لإنهاء الحرب.
موقف ترمب من الـ "ناتو" تزامن أيضاً مع انتقادات لبريطانيا بسبب رفضها الانضمام إلى العمليات الأميركية على إيران، وقال "أنتم لا تملكون حتى بحرية، وحاملات الطائرات لديكم لم تكن تعمل"، في إشارة إلى تصريح قائد البحرية الملكية البريطاني بأنه بلاده غير جاهزة لخوض الحرب إلا بحلول نهاية العقد الحالي عام 2030، وفي بداية الحرب مع إيران كانت أربع من أصل ست مدمرات بريطانية خارج الخدمة وتخضع للصيانة، واضطرت بريطانيا إلى استعارة سفينة حربية من ألمانيا للوفاء بالتزاماتها في الـ "ناتو".
ولدى سؤال ترمب عمّا إذا كان ينبغي على رئيس الوزراء البريطاني زيادة الإنفاق الدفاعي في الحلف قال "لن أملي عليه ما يفعل ويمكنه أن يفعل ما يشاء، لا يهم، فكل ما يريده ستارمر هو طواحين هواء مكلفة ترفع أسعار الطاقة"، فيما جدّد ستارمر دعمه الـ "ناتو" واصفاً إياه بأنه أهم تحالف عسكري في التاريخ، ومشدداً على تعزيز العلاقات مع أوروبا في ظل تدهور العلاقة مع واشنطن.
الانسحاب من الـ "ناتو"
يمنح الدستور الأميركي الرئيس سلطة إبرام المعاهدات بموافقة مجلس الشيوخ، لكنه يلتزم الصمت حول كيفية الانسحاب منها، وهو ما فتح الباب أمام سوابق تاريخية لانسحاب الرؤساء من معاهدات عدة بصورة أحادية، مما رجح كفة السلطة التنفيذية، وقد عززت سابقة "كارتر ضد غولدواتر" هذا الاتجاه في سياق قرار الرئيس كارتر إنهاء معاهدة الدفاع مع تايوان عام 1979 من دون موافقة الكونغرس، وقد امتنعت المحكمة العليا حينها عن الفصل في النزاع واعتبرته مسألة سياسية، تاركة المجال مفتوحاً لتفسير واسع لصلاحيات الرئيس.
غير أن الكونغرس حاول تقييد صلاحيات الرئيس خلال الانسحاب من الـ "ناتو" تحديداً بعدما أٌقر قانوناً عام 2023 يشترط موافقة ثلثي مجلس الشيوخ للانسحاب من الحلف، في أعقاب طرح إدارة ترمب الأولى حججاً بأنه يمتلك سلطة حصرية للانسحاب من المعاهدات، وهذه ليست المرة الأولى التي يلمح فيها ترمب إلى رغبته بالانسحاب من الـ "ناتو" نظراً إلى ما يعده عدم تكافؤ في تقاسم الأعباء.
وبوسع الرئيس الأميركي في نهاية المطاف إماتة الـ "ناتو" سياسياً أو في الأقل دور بلاده فيه، حتى لو لم يخرج من الحلف رسمياً، ذلك أن الأخطار المترتبة على تصريحاته تشمل زعزعة جوهر الحلف الكامن في صدقية الردع، أي قناعة الخصوم بأن مهاجمة أي عضو ستؤدي إلى حرب مع دول الحلف كلها، بما في ذلك الولايات المتحدة بكل ما تملكه من قوة عسكرية ونووية.
تفعيل المادة الخامسة
كثيراً ما وجّه ترمب انتقادات إلى دول الحلف بسبب عدم الالتزام بأهداف الإنفاق الدفاعي والاعتماد المفرط على الدعم العسكري الأميركي، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تدافع عن حلفاء لا يلتزمون بمستويات الإنفاق المتفق عليها، وهو موقف أثار قلق الحكومات الأوروبية، وقد تصاعد خطاب ترمب ضد الـ "ناتو" بعد رفضه المشاركة في العمليات الأميركية ضد إيران وتأمين مضيق هرمز.
ولم تفعّل المادة الخامسة من معاهدة الـ "ناتو" التي تنص على أن "الهجوم على أحد الأعضاء هجوم على الجميع" سوى مرة واحدة في أعقاب هجمات سبتمبر (أيلول) 2001، في أول اختبار حقيقي لفكرة الدفاع الجماعي منذ تأسيس الحلف عام 1949، وحينها قدّمت دول الـ "ناتو" دعماً واسعاً للولايات المتحدة وشاركت قوات الحلف في حرب أفغانستان حيث قتل أكثر من 1000 جندي غير أميركي خلال العمليات.
لكن دول الـ "ناتو" ترفض المشاركة في الحرب على إيران أو منح الولايات المتحدة حق استخدام قواعدها العسكرية بحجة أن المادة الخامسة تفعل في حال تعرض أحد أعضاء الـ "ناتو" لهجوم، وهو موقف تعتبره واشنطن تخاذلاً عن تأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 في المئة من النفط العالمي. وانتقد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الحلف قائلاً "إذا كان الـ 'ناتو' يعني فقط أن ندافع نحن عن أوروبا عندما تتعرض لهجوم، بينما يمنعوننا من استخدام قواعدهم عندما نحتاجها، فهذه ليست صفقة جيدة ومن الصعب الاستمرار في مثل هذا الترتيب".
وتنص المادة الخامسة من معاهدة الـ "ناتو" على أن كل دولة ستساعد الدولة المعتدى عليها في الإجراءات التي تراها ضرورية، ولذلك إذا قرر ترمب أن استخدام القوة العسكرية غير ضروري ضد أي تهديد على دولة من الـ "ناتو" فقد تبقى المعاهدة قائمة قانوناً، لكن الضمانة الأمنية الأميركية لأوروبا ستتحول عملياً إلى وعد بلا قيمة، في حين يظل الانسحاب الكامل غير مرجح من دون دعم الكونغرس الذي قد يعارض هذه الخطوة، إضافة إلى مخاوف لدى المسؤولين العسكريين والشركاء الدوليين من تداعيات ذلك على الاستقرار العالمي.
مصير قواعد الـ "ناتو"
وتدرس إدارة ترمب خطوات أخرى أقل من الانسحاب، ومنها إعادة هيكلة الـ "ناتو" لمعاقبة الدول التي لا تفي بالتزاماتها المالية عبر نموذج "الدفع في مقابل المشاركة"، والذي قد يمنع الدول غير الملتزمة بتعهدات الانفاق الدفاعي من المشاركة في صنع القرار بما في ذلك قرارات الحرب، وتنظر واشنطن أيضاً في إمكان سحب القوات الأميركية من دول الحلف مثل ألمانيا، وهي خطوة كان يفكر فيها ترمب منذ عودته للرئاسة.
ومن شأن الانسحاب الأميركي من حلف شمال الاطلسي الذي يضم 32 دولة معظمها أوروبية، إنهاء إستراتيجية الردع الأوروبية التي تقوم على الولايات المتحدة باعتبارها القوة العسكرية المرجحة في القارة، وسيؤدي إلى فقدان الحلف إلى القوة العسكرية والصناعية الأميركية التي تمثل العمود الفقري لقدراته، كما ستضعف مظلة الردع النووي للحلف إذا قررت أميركا سحب أسلحتها النووية المتمركزة في بلجيكا وإيطاليا وألمانيا وتركيا وهولندا.
وفي حال الانسحاب فستعود معظم قواعد الـ "ناتو" لسيطرة الدول التي تستضيفها مثل ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، وإذا أرادت الولايات المتحدة الاحتفاظ ببعض القواعد الإستراتيجية فسيتعين عليها إعادة التفاوض على اتفاقات ثنائية جديدة ومكلفة مع كل دولة مضيفة على حدة، بدلاً من العمل تحت مظلة الـ "ناتو".
يقول سفير الولايات المتحدة سابقاً لدى الـ "ناتو"، إيفو دالدر، إن "ما يمكن للرئيس فعله ولا شك في ذلك هو سحب جميع القوات الأميركية وسحب الأميركيين من هيكل القيادة"، مما يعني أن إدارة ترمب ستقول للأوروبيين إن المادة الخامسة قائمة لكن لا تعتمدوا على القدرات العسكرية والنووية الأميركية إذا تعرضتم لهجوم.
وفي مستهل عام 2026 تخلت الولايات المتحدة عن ثلاث قيادات كبرى داخل الـ "ناتو"، بينها قيادة الأطلسي التي ستتولى بريطانيا الإشراف عليها، وذلك ضمن رؤية ترمب بأن تتولى أوروبا مسؤولية الدفاع عن نفسها، ومن المحتمل أن يعزز موقف الـ "ناتو" من حرب إيران هذا التوجه الأميركي لتقاسم العبء المالي والقيادي مع حلفائها الأوروبيين.
وسيترتب عن أي انسحاب أميركي من الحلف تداعيات منها فقدان واشنطن للوصول إلى كثير من القواعد العسكرية حول العالم، وتراجع الطلب على الأسلحة الأميركية، فإضافة إلى وجود خيارات من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا فإن دولاً أخرى مثل بولندا واليابان وكوريا الجنوبية تعمل أيضاً على تعزيز صناعاتها الدفاعية.