Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الغاز الجزائري يعيد الدفء للعلاقات مع إسبانيا وإيطاليا

تطرح هذه التطورات تساؤلات حول مدى نجاح البلاد في الموازنة بين التزاماتها المتزايدة تجاه شركائها الأوروبيين وقدرتها الإنتاجية

الجزائر تسرع خطواتها غاز إضافي لمدريد وتطمينات استراتيجية لإيطاليا (أ ف ب)

ملخص

يأتي هذا الحراك المتزامن لإيطاليا وإسبانيا في الجزائر، في وقت تواجه أوروبا صعوبات في تأمين إمدادات الغاز الطبيعي المسال.

شهدت العاصمة الجزائرية نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً، وعادت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني من زيارة خاطفة بحقيبة مليئة بوعود رسمية بتعزيز تدفق الغاز إلى روما، فيما خرج وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس من لقائه مسوؤلين في الجزائر باتفاق على زيادة إمدادات الغاز الجزائري إلى إسبانيا وإعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة عام 2002.

يأتي هذا الحراك المتزامن لإيطاليا وإسبانيا في الجزائر، في وقت تواجه أوروبا صعوبات في تأمين إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الخليج، حيث برزت الجزائر كوجهة استراتيجية رئيسة لدول أوروبية تبحث عن بدائل موثوقة لإمدادات الغاز المتعثرة.

وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول مدى نجاح الجزائر في الموازنة بين التزاماتها المتزايدة تجاه شركائها الأوروبيين وقدرتها الإنتاجية، وهل سيسهم تعميق الشراكات مع إيطاليا وإسبانيا في استقرار أسواق الطاقة الأوروبية؟ أم ستظهر تحديات جديدة نتيجة الاعتماد المفرط على مصدر واحد؟

شراكة استراتيجية مع إيطاليا

وحصلت ميلوني خلال زيارة عمل قصيرة إلى الجزائر الأربعاء الماضي على تطمينات من الرئيس عبدالمجيد تبون بضمان تدفقات غازية مستقرة، في ظل الاضطرابات العالمية الناتجة من الحرب في الشرق الأوسط.

وأكدت ميلوني أن الجزائر تمثل شريكاً استراتيجياً مهماً لإيطاليا، مشيرة إلى أن قطاع الطاقة يتصدر أولويات التعاون بين البلدين، بخاصة من خلال شركتي "إيني" و"سوناطراك"، مع التركيز على الاستكشاف البحري لزيادة الإمدادات على المديين المتوسط والطويل. كذلك أشادت بتقدم مشروع الزراعة الإيطالي في الجنوب الجزائري الذي سيجري توسيعه من 7000 إلى 13000 هكتار عام 2026، وأثنت على مشروعي "خطة ماتي" في تيميمون (جنوب الجزائر) ومركز التميز الزراعي.

واتفق الجانبان على تعزيز التعاون في مجالات الطاقات المتجددة، الهيدروجين الأخضر والتكنولوجيا والشركات الناشئة والأمن الغذائي، إضافة إلى تسريع إنشاء غرفة التجارة الجزائرية- الإيطالية.

وعلى الصعيد السياسي، أكدا توافقاً على مكافحة الهجرة غير الشرعية والإرهاب، وناقشا الأوضاع في الشرق الأوسط والساحل، مع تجديد إدانة الانتهاكات في غزة ودعوة إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

سياق دولي حساس

يقول المحلل الاقتصادي هواري تيغرسي إن زيارة ميلوني إلى الجزائر جاءت في سياق دولي حساس، وتهدف إلى تأمين إمدادات الطاقة لتعويض اضطرابات السوق (خصوصاً مع تراجع إمدادات قطر) وتعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارات.

وأوضح تيغرسي ضمن تصريح خاص أن الجزائر تغطي حالياً أكثر من 30 في المئة من حاجات إيطاليا من الغاز، ويركز البلدان على تعزيز الشراكة الاقتصادية، وإطلاق غرفة التجارة الجزائرية- الإيطالية لتفعيل الاستثمارات، ودفع التعاون في قطاعات غير طاقوية، والتنسيق الجيوسياسي والأمني في ملفات الساحل وليبيا والهجرة.

وأضاف أن حجم التبادل التجاري بين الجزائر وإيطاليا بلغ نحو 12.9 مليار يورو (عام 2025)، إذ تعتبر إيطاليا الشريك التجاري الأول للجزائر، كذلك فإن إنشاء الغرفة التجارية المشتركة سيسهم في تسريع الاستثمار والربط المباشر بين الشركات.

وأفاد بأن قطاع الطاقة يعد بمثابة العمود الفقري للشراكة بين الجزائر وإيطاليا، والذي يتجسد في تعزيز التعاون بين "إيني" الإيطالية و"سوناطراك" في قطاع المحروقات، عبر التوجه نحو التنقيب البحري والغاز غير التقليدي وزيادة الإمدادات، مما يعني الانتقال من "بيع الغاز" إلى "شراكة إنتاج واستثمار".

وبخصوص كيفية تعزيز الشراكة الاقتصادية، تحدث تيغرسي عن ثلاثة مستويات من التكامل، أولها التكامل الطاقوي يستند إلى الجزائر كمورد رئيس وإيطاليا كبوابة نحو السوق الأوروبية، وتكامل صناعي عبر نقل التكنولوجيا وإنشاء مشاريع مشتركة، وأخيراً تكامل استثماري يسهم في تسهيل دخول الشركات وتوسيع المشاريع خارج قطاع الطاقة. وبهذا تتحول العلاقة إلى شراكة اقتصادية شاملة وليس تبادلاً تجارياً فقط.

رفع إمدادات الغاز نحو إسبانيا

وبعد زيارة ميلوني بيوم واحد، وصل وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر، حيث التقى تبون، وجرى استعراض العلاقات الثنائية وآفاق تطويرها وتنويعها.

ومباشرة بعد اللقاء، قرر تبون إعادة تفعيل "معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون" مع إسبانيا التي كانت معلقة منذ يونيو (حزيران) عام 2022 بسبب خلاف حول موقف مدريد من قضية الصحراء الغربية (دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي).

كذلك تقررت خلال الزيارة زيادة الإمدادات الجزائرية من الغاز الطبيعي إلى إسبانيا بنسبة نحو 12 في المئة (من 28 مليون متر مكعب يومياً إلى 32 مليون متر مكعب) عبر أنبوب ميدغاز، لتصل إلى مستوى قريب من الطاقة القصوى للخط.

ووفقاً لموقع "ذا أوبجكتيف" الإسباني، تعتبر هذه الزيادة بمثابة "مكافأة" من الجزائر لإسبانيا، نظراً إلى موقفها الإيجابي من تطورات الشرق الأوسط، بخاصة في ما يتعلق بالصراع في غزة والتوتر الأخير بين إسرائيل وأميركا وإيران (فبراير- شباط عام 2026).

من جانبه أكد ألباريس أن المحادثات شملت تعزيز التعاون في مجالات البنى التحتية والاستثمارات الجديدة، مشيراً إلى أن الحوار حول الغاز يتجاوز مجرد مسألة التزويد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عودة تدريجية للثقة

ويقول الباحث في الشؤون السياسية والأمنية محمد الصالح جمال إن زيارة وزير الخارجية الإسباني إلى الجزائر تندرج في إطار عودة تدريجية للثقة بين البلدين، بعد فترة من الفتور الدبلوماسي.

وأوضح خلال حديث خاص أن هذه الزيارة تحمل دلالات إيجابية، بخاصة في ظل تعاظم التحديات الإقليمية التي تتطلب تنسيقاً أكبر، كذلك قرار تبون بإعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة عام 2002 يعكس رؤية استراتيجية متوازنة، تقوم على مبدأ الندية واحترام المصالح المشتركة.

وأضاف أن "الجزائر تؤكد مرة أخرى أنها فاعل إقليمي مسؤول وموثوق، يسعى إلى بناء علاقات مستقرة بعيدة من التوترات الظرفية، مع الحفاظ على ثوابتها السيادية".

وبخصوص مستقبل العلاقات بين الجزائر وإسبانيا، قال محمد الصالح جمال إنه يبدو واعداً، ولا سيما في مجالات الطاقة والأمن والهجرة، إذ تمتلك الجزائر دوراً محورياً كشريك موثوق في ضمان أمن الطاقة لأوروبا، وكطرف أساس في تحقيق الاستقرار الإقليمي. كذلك تفتح إعادة تفعيل المعاهدة المجال مستقبلاً أمام تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري على نحو متوازن يخدم مصالح الشعبين".

بصورة عامة، يمكن القول إن "هذه الخطوة تمثل عودة للواقعية السياسية، فتتغلب المصالح المشتركة والحوار البناء، في إطار احترام متبادل ودور جزائري متزن ومؤثر في محيطه الإقليمي"، بحسب المتحدث ذاته.

إنتاج متزايد

ويوضح الخبير الاقتصادي بوشيخي بوحوص أن الجزائر ونيجيريا تُعدان من الدول المنتجة للغاز الطبيعي، إذ يبلغ الاحتياط المستكشف في كل منهما على التوالي 4.5 ترليون متر مكعب و5.9 ترليون متر مكعب.

وأردف بوحوص أن الجزائر تنتج سنوياً نحو 131 مليار متر مكعب، من بينها 30 ملياراً تجري إعادة استرجاعها من الإنتاج، وعليه فإن الإنتاج المتاح هو 101 مليار متر مكعب، النصف تقريباً يستهلك محلياً والباقي يصدر إلى الخارج.

وأضاف أن نحو 30 مليار متر مكعب سنوياً يُصدّر عن طريق الأنبوبين في الشرق الجزائري عبر تونس إلى إيطاليا ودول أوروبية عدة ليصل إلى ألمانيا وسلوفينا، و9.8 مليار متر مكعب يصدر عن طريق الأنبوب في الغرب الجزائري إلى إسبانيا والبرتغال.

وأفاد بأن طاقة إنتاج نيجيريا من الغاز هي نصف طاقة الجزائر على رغم أن احتياطاتها أكبر، إذ تنتج سنوياً نحو 60 مليار متر مكعب تستهلك تقريباً 48 مليار متر مكعب، والباقي أي 12 مليار متر مكعب، تحوله إلى غاز طبيعي سائل ينقل عبر البواخر إلى أصقاع العالم، حيث تمكنت من تصدير نحو 15.08 مليون طن عام 2025 متقدمة على الجزائر التي صدرت نحو 11.9 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال.

وتابع أن نيجيريا تعاني من تصدير الغاز الطبيعي إلى العالم، حيث لديها طريقة واحدة في تصدير غازها عن طريق البواخر فقط. ومن هنا جاءت فكرة أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي ينقل الغاز النيجيري عبر النيجر والجزائر نحو أوروبا.

وأشار إلى أنه بمجرد وصول الغاز النيجيري إلى الجزائر سيتدفق عبر خطوط الأنابيب الموجودة حالياً وهي أربعة اثنان إلى إيطاليا عبر تونس وأنبوبان إلى إسبانيا الأول من الجزائر عن طريق البحر إلى إسبانيا مباشرة وينقل نحو 9.8 مليار متر مكعب، والأنبوب المغاربي الذي يمر عبر المغرب هو متوقف حالياً بسبب نقص الطلب.

وخلص بوحوص إلى القول إنه في الوقت الحالي، لا تستطيع الجزائر تلبية كل طلبات أوروبا وتعويض الغاز الطبيعي المسال المنتج في الخليج العربي، لكن يمكن بعد أعوام وبعد تكثيف الاستثمارات ربما في الغاز الصخري مع الشركات الأميركية العملاقة، أن تفي بالغرض.

المزيد من تقارير