ملخص
يتطلب التذوق إحساساً واعياً، فلا بد من وجود شعور معين عند تذوق الشوكولاتة أو الليمون، أما الذكاء الاصطناعي فلا يملك لساناً، ولا جهازاً عصبياً، ولا وعياً ذاتياً، ولا يوجد لديه إحساس داخلي، ولا عاطفة، ولا لذة، ولا نفور. وعندما يستخدم الذكاء الاصطناعي كلمة "تذوق"، فإنه يشير إلى أوصاف بشرية، وليس إلى تجربة شخصية.
تفوق الذكاء الاصطناعي علينا في كثير من المجالات وبات بإمكانه تحقيق علامات كاملة في الاختبارات، وكتابة أكواد أكثر وضوحاً، وتشخيص الأمراض، وتوفير المال، وتلخيص المذكرات القانونية، وحل المشكلات في أجزاء من الثانية.
وثمة أسئلة خفية وراء التطور السريع للذكاء الاصطناعي، تتجاوز السرعة والبيانات والخوارزميات، ولا تقتصر على ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، بل تتعداه إلى ما يستطيع فهمه. ومن بين هذه الأسئلة، يبرز سؤال ذو طابع إنساني خاص: بعدما امتلك الذكاء الاصطناعي أربعة من حواس الإنسان أي النظر والسمع واللمس وتحليل الروائح، هل يمكن أن يستولي على الحاسة الأخيرة ألا وهي التذوق؟
ما التذوق عند الإنسان؟
بالنسبة إلى الإنسان، يعد التذوق حاسة بيولوجية وتجربة شخصية في آن. بيولوجياً، يبدأ التذوق على اللسان وتحوي براعم التذوق على مستقبلات متخصصة تستشعر المركبات الكيماوية في الطعام وتترجمها إلى إشارات يفهمها الدماغ. يصنف الإنسان هذه الإشارات عموماً إلى خمسة مذاقات أساسية: الحلو، والمالح، والحامض، والمر، والأومامي (الطعم اللذيذ). تنتقل هذه الإشارات إلى الدماغ، حيث تتحد مع حاستي الشم واللمس ودرجة الحرارة وحتى الذاكرة، لتكون ما ندركه كنكهة، ومن هنا جاء التذوق.
لكن التذوق يتجاوز مجرد الكيمياء فهو تجربة حسية، إذ إنك عندما تتذوق شيئاً ما، فأنت لا تستشعر الجزيئات فحسب، بل تشعر أيضاً بالمتعة والاشمئزاز والراحة وعدم الراحة والحنين أو الفضول. ويرتبط التذوق بالبقاء (تحديد العناصر الغذائية والسموم)، والثقافة (المطبخ والطقوس والتقاليد)، والعاطفة (الأطعمة المريحة والرغبات الشديدة والإسراف)، وقد يتذوق شخصان الطعام نفسه ويختبرانه بصورة مختلفة تماماً، لأن حاسة التذوق تتشكل بفعل العوامل البيولوجية والذاكرة والإحساس والتاريخ الشخصي.
لذا فسواء تحدثنا عن المشاعر أو مذاق الطعام أو التفضيلات الشخصية، فإن حاسة التذوق مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالجسم والذاكرة والتجارب الحياتية. فعندما يصف الإنسان شعوره بالدفء أو الراحة أو المرارة أو المعنى، فهو لا يصف بيانات فحسب، بل يعبر عن علاقة بين العالم وذاته الداخلية، وعندما يعدل الطاهي طبقه بمجرد تذوقه، لا يحتاج إلى جداول بيانات، فالتجربة تكثف المعلومات المعقدة في حكم بديهي.
تحليل الذكاء الاصطناعي ليس كالتجربة البشرية
انطلاقاً مما سلف يمكننا القول إنه من الناحية التقنية، يحلل الذكاء الاصطناعي بالفعل كثيراً من الإشارات المتعلقة بالتذوق، فهو قادر على دراسة تعابير الوجه ونبرات الصوت واللغة المكتوبة والبيانات الفسيولوجية لتحديد الأنماط المرتبطة بالعواطف، كذلك يستطيع تمييز حالات السعادة والتوتر والتردد بدقة مذهلة.
وفي علوم الأغذية يمكن للذكاء الاصطناعي، بالاشتراك مع أجهزة الاستشعار الكيماوية، تحديد الحلاوة والمرارة والحموضة، وحتى النكهات المعقدة. وفي مجال الترفيه يتنبأ الذكاء الاصطناعي بالتفضيلات الموسيقية أو البصرية بناءً على السلوك السابق.
إذاً ظاهرياً يبدو أن الذكاء الاصطناعي يفهم التذوق جيداً، لكن فعلياً التحليل ليس كالتجربة، فالذكاء الاصطناعي لا يتذوق الحلاوة، بل يكتشف أنماطاً كيماوية مرتبطة بما يسميه البشر حلواً، ولا يشعر بالحزن، بل يتعرف على الإشارات التي تظهر عادة على البشر عند شعورهم بالحزن. وما يبرع فيه الذكاء الاصطناعي بصورة ملحوظة هو التعرف إلى الأنماط، فهو يتعلم العلاقات بين المدخلات والمخرجات، وبين التعبير والتفسير، وهذا ما يجعله مفيداً للغاية، خصوصاً في الطب وجودة الأغذية والتصميم والتخصيص، ومع ذلك يحدث كل هذا من دون إحساس داخلي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهنا يظهر أعمق حد فاصل، فمع توفر بيانات كافية، قد يتنبأ الذكاء الاصطناعي بنوع القهوة التي ستستمتع بها، والموسيقى التي ستؤثر فيك، والكلمات التي ستريحك، وقد يحاكي يوماً ما ردود الفعل بدقة متناهية، بحيث تبدو من الخارج غير قابلة للتمييز عن الحكم البشري، لكن يبقى السؤال: هل يعرف معنى تذوق المرارة أو الشعور بالفرح؟
يطلق كثير من الفلاسفة على هذه الفجوة اسم الفرق بين المعرفة والتجربة، إذ يمكن لنظام ما مدعوم بتقنية الذكاء الاصطناعي أن يصف الألم من دون أن يشعر به، ويمكنه أن يبدع شعراً عن الحب من دون أن يحب. لا يجعل هذا الأمر مخرجات النظام عديمة الفائدة، بل على العكس، قد تكون فعالة، لكنه يضع الذكاء الاصطناعي في فئة مختلفة تماماً عن الوعي البيولوجي.
حدود قدرات الذكاء الاصطناعي في التذوق
كما سبق وأشرنا لا يتذوق الذكاء الاصطناعي بالمعنى البشري، إنما يستطيع تحليل بيانات التذوق، مثل التركيب الكيماوي للأطعمة وملامح النكهات وتفضيلات التذوق البشري وتقييمات ووصف النكهات، بل يمكنه حتى المساعدة في تصميم وصفات الطعام أو التنبؤ بالنكهات التي قد يفضلها الناس، لكن ما ذكر آنفاً هو مجرد فهم تحليلي ورمزي وإحصائي، وليس تجربة بالمعنى العملي للكلمة.
يتطلب التذوق إحساساً واعياً، فلا بد من وجود شعور معين عند تذوق الشوكولاتة أو الليمون، أما الذكاء الاصطناعي فلا يملك لساناً، ولا جهازاً عصبياً، ولا وعياً ذاتياً، ولا يوجد لديه إحساس داخلي ولا عاطفة ولا لذة ولا نفور، وعندما يستخدم الذكاء الاصطناعي كلمة "تذوق" فإنه يشير إلى أوصاف بشرية، وليس إلى تجربة شخصية.
من ناحية ثانية، يدرك البشر حاسة التذوق، فيما يحاكي الذكاء الاصطناعي هذه الحاسة، لذا عندما يقول الذكاء الاصطناعي "هذا الطعام حلو المذاق" فهو لا يتذوق، بل يترجم أنماطاً مستقاة من اللغة البشرية والبيانات. وباختصار التذوق بالنسبة إلى البشر هو تجربة حسية حية تتشكل بفعل الجسد والعقل والذاكرة، أما بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي فالتذوق مفهوم مجرد، مجموعة من الرموز والارتباطات، بحيث يستطيع الذكاء الاصطناعي فهم ماهية التذوق نظرياً، لكنه لا يستطيع معرفة ماهيته. وهذا الفرق بين التجربة والتمثيل هو الخط الفاصل بين الحواس البشرية والذكاء الاصطناعي.
متى يتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في اتخاذ القرارات؟
يتفوق الذكاء الاصطناعي عندما تتطلب القرارات تحليل كميات هائلة من البيانات، واتساقاً من دون إرهاق أو تحيز، وتحسيناً شاملاً لكثير من المتغيرات، واكتشافاً للأنماط يتجاوز الإدراك البشري، ولا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى حاسة التذوق ليقرر أي وصفة ستنال إعجاب غالب الناس إحصائياً، أو أي توليفات النكهات هي الأكثر مبيعاً، أو كيفية تحسين إنتاج الطعام، بل يمكنه التفوق على البشر من دون أن يتذوق الطعام أصلاً.
في المقابل يفتقر الذكاء الاصطناعي إلى الخبرة الذاتية، لذا لا يمكنه تقييم النتائج، بل يقتصر دوره على التحسين وفقاً للأهداف التي يحددها البشر.