Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة مسرحية سترندبرغ الطويلة نحو شاشة السينما

الكاتب توقع لـ"الآنسة جوليا" أن تملأ الدنيا وتشغل الناس فلماذا تأخرت كثيراً؟

مشهد من "الآنسة جوليا" كما أفلمها سيوبرغ (موقع الفيلم)

ملخص

قدم المسرح السويدي المسرحية، ثم خصوصاً حين قدمها فيلم سيوبرغ، كان التقديمان انطلاقة وعلامة على حداثة ذهنية عرف الجمهوران، جمهور بدايات القرن الـ20 ثم جمهور أواسط ذلك القرن كيف يتجاوبان معها.

في عام 1888 عندما فرغ الكاتب السويدي الكبير أوغست سترندبرغ (1849 - 1912)، من كتابة مسرحيته التي سرعان ما ستصبح قمة أعماله، "الآنسة جوليا" بدا من الإعجاب والثقة بها إلى درجة أنه كتب ملاحظة في صددها تفيد بأنها ستحدث من الضجة، وتلقى من الإقبال، ما لم تحصل عليه أية مسرحية أخرى في زمنه سواء كانت من إبداعه أو من إبداع أي من مزامنيه.

ومع ذلك فإن المسرحية اضطرت للانتظار طويلاً، وبالتحديد حتى عام 1951 قبل أن تنتقل إلى السينما في فيلم سيكون علامة في تاريخ الفن السابع، بل سينال سعفة ذهبية في دورة ذلك العام لمهرجان كان السينمائي، ولو شراكة مع فيلم "معجزة في ميلانو" لنجم الإبداع السينمائي الأكبر في تلك الحقبة، فيتوريو دي سيكا.

ولقد اعتبرت تلك الشراكة نفسها تكريماً كبيراً للمخرج السويدي آلف سيوبرغ (1903 - 1980)، الذي حقق "الآنسة جوليا" في ذلك العام مع ممثلين لم يكن معظمهم معروفاً خارج السويد.

والحقيقة أن النجاح الذي حققه فيلم ألف سيوبرغ مقتبساً عن مسرحية مواطنه سترندبرغ، تجاوز حتى ما كان هذا الأخير قد توقعه لمسرحيته. ونعرف أن سترندبرغ الذي أدرك عصر السينما إذ لم يرحل عن عالمنا إلا في عام 1912 كان يتساءل حتى آخر أيامه على أية حال عما يؤخر السينمائيين في أفلمة هذه المسرحية، متحسراً من ناحية أخرى على أن أي مخرج مسرحي في بلاده لم يقدم حتى على تقديمها على المسرح قبل عام 1906 الذي قدمت فيه للمرة الأولى على الخشبة.

إلى الشاشة مرات ومرات

مهما يكن من أمر فسيكون من الخطأ القول هنا إن السينما لم تلتفت إلى "الآنسة جوليا" قبل أن يفعل سيوبرغ ذلك. مما يقتضي منا توضيحاً لا بد منه. فالحقيقة أن السينما قدمت هذه المسرحية على شاشتها مرة أولى في عام رحيل كاتبها نفسه أي في عام 1912 من إخراج أوغست فالك، لكنه كان تقديماً لم يدركه الكاتب ولم يدر به. ثم عاد فيلكس باش إلى أفلمتها مرة ثانية في عام 1921 وهذه المرة من تمثيل فاتنة ذلك الزمن أستا نيلسون. وفي عام 1947 حل دور الأرجنتيني ماريو سوفيتشي، ليقتبسها للمرة الأولى في فيلم ناطق.

ومن هنا سيكون فيلم آلف سيوبرغ المرة الرابعة التي تظهر فيها تلك المسرحية على الشاشة، رسمياً على الأقل، إذ لا شك أنه كانت ثمة اقتباسات أخرى لم يذكر أصحابها اسم الكاتب السويدي كمؤلف للنص. فلماذا نتحدث هنا عن فيلم كبير بينما ننكر ذلك التوصيف على المحاولات السابقة؟ ببساطة لأنه في عام 1951 كانت المرة الأولى التي انتقلت فيها المسرحية إلى الشاشة بشكل كان من شأنه أن يرضي ويفرح كاتبها حقاً.

ففي النهاية حين أقدم سيوبرغ على تحقيق فيلمه، كان قد بات متمكناً من فنه السينمائي، وصار أكثر تفاعلاً بكثير مع مسرح سترندبرغ الذي سيقول دائماً إنه كان صديقه وبمثابة المعلم بالنسبة إليه، هو الذي حقق للمسرح قبل ذلك أعمالاً كثيرة من كتابة هذا الكاتب السويدي الكبير، واتخذ قراره بأفلمة "الآنسة جوليا" بعدما حققها مرات ومرات للمسرح قبل أن يفعل ذلك بأكثر من ربع قرن.

ولسوف يقول مؤرخو حياة سترندبرغ والمعلقون على فنه، إن سيوبرغ أوصل نقل أفكار سترندبرغ وعوالمه إلى ذروة ندر أن تمازج فيها فنا المسرح والسينما إلى ذلك الحد. ورأوا أن ذلك ما ميزه عن مجمل الاقتباسات التي كانت تحرص دائماً على التخفيف من حدة تصدي الكاتب الكبير للمسألة الطبقية في بلاده كما تجلى في "الآنسة جوليا".

 

ومن هنا حتى نصل إلى هذا البعد في المسرحية خطوة قصيرة لا بد أن نخطوها هنا وتحديداً من خلال تفسير سيوبرغ المتطابق، وللمرة الأولى، مع نظرة سترندبرغ تطابقاً تاماً. ناهيك بكونه ولمرة جديدة في الاقتباس السينمائي عن المسرح قد حرص على ألا يحدث أية تغييرات في حوارات سترندبرغ التي كانت هي ما حمل حبكة الفيلم ومعانيها الضخمة إلى الجمهور العريض، أكثر مما فعل أي عنصر آخر  من عناصر عمل سترندبرغ.

ففي النهاية لم يصل أحد من السينمائيين، ولا حتى من المسرحيين السابقين الذين تصدوا لهذه المسرحية، قبل سيوبرغ إلى تلك الدرجة من التطابق الفكري بينه وبين "المعلم المسرحي" الكبير. ولكن قبل مواصلة الحديث عن فيلم سيوبرغ قد يكون من المفيد التوقف عند الحكاية نفسها. فعم تتحدث "الآنسة جوليا"؟

على مذبح الطبقية

تدور أحداث الفيلم، كما أحداث المسرحية بالنظر إلى أن سيوبرغ كان هنا كعادته، أميناً للنص المقتبس إلى حد التطابق الحرفي مستخدماً الحوارات نفسها كما أشرنا، وهو أمر بالغ الأهمية بالنظر إلى أن تلك الحوارات كانت العنصر الرئيس في العمل مما يجعل غيابها في النسخ السابقة سواء كان الفيلم السابق صامتاً أم ناطقاً إنما مع حوارات مخففة إلى حد كبير كما الحال مع النسخة الأرجنتينية المذكورة، هذا الغياب يفقد النص جزءاً كبيراً من أهميته بالتأكيد، تدور ليلة عيد القديس يوحنا حيث وجدت الكونتيسا جوليا نفسها وحيدة في قصرها الأنيق تتفرج من بعيد على احتفال الفلاحين البسطاء الذين يعيشون في الجوار بالعيد الذي يتزامن مع مدار فصل الصيف، راقصين شاربين مغنين يستمتعون بما لذ وطاب. فجأة يقوم المدعو جان وهو وصيف والد الكونتيسا بدعوتها إلى الرقص تحبباً، فتستجيب له من دون كبير اقتناع بما تفعل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن هنا حين يحاول معانقتها بأكثر مما ينبغي، تدفعه عنها غاضبة فينكفئ خجلاً وخوفاً. لكنها إثر ذلك تراقب عناقاً بين شاب وفتاة يلفت نظرها بقوته حقاً. فتتوجه إلى المطبخ حيث جان الوصيف منكباً على عمله. وتدنو منه آمرة إياه بأن يركع ليقبل حذاءها فيفعل من دون تردد. وبهذا تبدأ بينهما جلسة اعترافات محكومة بحرارة تلك الليلة الصيفية، وما كان الشاب قد أبداه من رغبة في سيدته منذ البداية ولكن تحت ظلال لعبة اجتذاب وانتباذ تروق للاثنين مرتبطة بوضعيهما الطبقيين.

وفي صباح اليوم التالي يلتقي الاثنان بناء على اتفاق مسبق كانا قد عقده بينهما آخر ليلة أمس ويقضي بفرارهما معاً بالنظر إلى استحالة عيشهما ما تصورا أنه حبهما في هذا القصر. لكن سرعان ما سيتبدى الهرب مستحيلاً. لا سيما حين يرن السيد الكونت الجرس الداخلي طالباً من وصيفه أن يحضر له قهوته و"شبشبه".

هنا وإذ يستعيد جان إدراكه مكانته كخادم، يتوسل إلى "سيدته" راكعاً، أن تجاريه في هربه. تجاريه لكنها بعد حين تقرر العودة ومجابهة أبيها بدلاً من الهرب فتعود... لكنها ما إن تدخل القصر حتى ترتعب أمام فكرة تلك المجابهة بل استحالتها، في ذلك المجتمع شديد الطبقية الذي بدا واضحاً لها أنها لا قبل لها بمجابهة قيوده، لينتهي بها الأمر إلى قطعها عنقها بنفسها هرباً من كل ما باتت عاجزة عن التصدي له.

يقيناً إن هذه النهاية قد تبدو محملة بقدر كبير من المبالغة اليوم بل من السذاجة حتى، لكن بالنسبة إلى نص كتبت حواراته أواخر القرن الـ19 وفي ذلك العالم الطبقي المريع الذي يمكن القول إنه لم يعد حتى في تلك المجتمعات على نفس ما كان عليه، كان من الطبيعي أن تعد المسرحية بل حتى فيلم ألف سيوبرغ في زمنيهما جزءاً من ثورة ذهنية عارمة.

ومن هنا حين قدم المسرح السويدي المسرحية، ثم خصوصاً حين قدمها فيلم سيوبرغ، كان التقديمان انطلاقة وعلامة على حداثة ذهنية عرف الجمهوران، جمهور بدايات القرن الـ20 ثم جمهور أواسط ذلك القرن كيف يتجاوبان معها.

المزيد من ثقافة